عطلة في تونس.. بين اللاّجئين!


[هذه شهادة على لسان طبيب نفسيّ فرنسيّ ( muriel contentin) أثناء مقامه، سائحا، بين جربة وجرجيس بالجنوب التونسيّ، اخترنا ترجمتها ونشرها تحيّة  وتعريفا بالمدّ التضامنيّ الكبير الذي انخرطت فيه -رغم الظروف الصعبة- جموع التونسيّين صحبة الجيش الوطنيّ ومنظّمات المجتمع المدنيّ وهيئات الإغاثة الدوليّة لمساعدة اللاّجئين إلى التراب التونسيّ من العمّال المصريّين والآسيويّين. المترجم ]

 

للتوّ عدنا من تونس حيث كان العزم أنْ نقضي أسبوعا من الراحة التامّة، لا نصنع شيئا، ولا نفكّر في شيء. ولكنّ الأقدار شاءت غير ذلك.

في أعقاب الثورة التونسيّة، انحلّت عقدة اللّسان لدى التونسيّين، وصار بإمكانهم، أخيرا، أن يقولوا للسيّاح المهتمّين ما لم يكن بمقدورهم التعبير عنه من قبل. وأصبح، لديهم، ما ينشغلون بالحديث عنه الساعات والساعات في مناقشات مثيرة لا تنتهي.

هذا ليس كلّ شيء في الحكاية.


منذ بداية الأسبوع الجاري، حلّ بيننا في النزل 350 لاجئا قدِم جميعهم من ليبيا. لم يذق هؤلاء طعاما منذ خمسة أيّام ممّا مثّل، بالنسبة إلينا، صدمة أدركتُ، حينها، أنّني لم أعرف، قطّ، الجوع الحقيقيّ. وفي لغة إنجليزيّة بلكنة تايلانديّة، علمنا أنّهم لم يجدوا الوقت الكافي لأخذ ما يلزمهم، قبل المغادرة، بل إنّ الوقت لم يسعفهم حتّى لأخذ وثائقهم الشخصيّة. كانوا يعملون في ليبيا بشركة ألمانيّة كبرى لمقاولات البناء. احتفظت الشركة بكافّة وثائقهم، ولم تتحمّل تكاليف سفرهم إلى تايلاند. وعلمنا، بعد ذلك، أنّ مدينة جرجيس التي كنّا فيها قد غصّت، هي الأخرى، بلاجئين يرقدون في الساحات العامّة والمساجد، وفي بيوت السكّان أيضا.

 

يعي التونسيّون أنّهم السبب في اندلاع هذه الثورات في المنطقة، ويتحمّلون، بحماسة وحسن ضيافة، مسؤوليّتهم في استقبال هؤلاء النازحين الذين كان أغلبهم يشتغلون بأجور متدنّية عمّالا بالساعد في شركات أوروبيّة.

الثلاثاء 1 مارس / آذار لم تكن المنظّمات غير الحكوميّة قد حضرت بعد على عين المكان إلاّ أنّ الجيش والشعب التونسيّيْن قد تكفّلا بكلّ شيء. رأينا، في مدينة جرجيس، عائلات بكامل أفرادها يساعدون في إيواء اللاّجئين بمفارشهم وأغطيتهم، ورأينا الرجال يوزّعون الأدوية على المحتاجين، والنساء يطبخن الكسكسيّ ( أكلة شعبيّة في تونس ) في قدور عملاقة ليكون لكلّ محتاج في الشوارع منه نصيب. ورأينا الفنادق توزّع الصاندويتشات، وتفتح أبوابها على مصراعيْها للاّجئين.

درس بليغ في التضامن.

الأربعاء، حضر إلى الفندق ممثّلو المنظّمات غير الحكوميّة ومنسّقو أعمال الإغاثة. كان 92 ألف لاجئ قد تخطّى الحدود الليبيّة التونسيّة، حيث نصبت على طول الطريق مخيّمات. إلى ذلك، كان الماء مفقودا، ومات، ليلة الثلاثاء / الأربعاء، طفلان من الصقيع.
نصبت المخيّمات الأولى للمفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاّجئين (UNHCR)، وشُرِع في إعداد قائمات الموادّ الغذائيّة المنقوصة. وبعفويّة، تكفّل كلّ مواطن بجمع الموادّ الغذائيّة، ثمّ حُمِّلت في السيّارات والعربات وسيّارات التاكسي، لتوضع في مخازن المنظّمات غير الحكوميّة.

لقد كان أمرا رائعا حقّا.

في الفندق، تبرّع السائحون، أيضا، بشيء من الأموال. ويوم الخميس، كنّا في السوق، أربعة سائحين وثلاث سيّارات أجرة، لنشتري بتلك الأموال ما يلزم من موادّ غذائيّة حمّلناها صناديق السيّارات، ثمّ قصدنا الحدود اللّيبيّة لنضعها في مخيّمات على ذمّة الجيش التونسيّ.

ولكنْ حدثت مفاجأة جديدة: بعدَ اللّاجئين التايلنديّين والصينيّين والمصريّين، هام هم لاجئون جدُد من ذوي الجنسيّة البنغاليّة. كانوا، على ما يبدو، الأكثر تعرّضا للاستغلال والأكثر بؤسا، وقد قطعوا المسافة بين طرابلس والحدود التونسيّة سيرا على الأقدام. حين وصلنا إلى المكان، كان صفّ طويل من الرجال الذين يسيرون على خطى بعضهم البعض، صفّ يصل إلى 10 كيلومترات قد عبر الحدود في هدوء عجيب. كانوا يلقوننا باسمين، مستغربين من الضيافة التي قوبلوا بها، شاكرين لنا علب الماء التي أمددناهم بها.

ليل السبت، كان 100 ألف لاجئ قد غادروا مطار جربة إلى بلدانهم الأصليّة، والبعض منهم غادر إلى أوربّا. تمّ كلّ شيء، في جرجيس وجربة، في كنف الهدوء والعفويّة. لا خوف ولا خشية. كلٌّ يشعر أنّه معنيّ ومسؤول مباشرة بما يحدث.

أرجو أن نجد صدى لتفاعل الشعب التونسيّ مع قضيّة اللاّجئين في وسائل الإعلام والإنترنيت، لا أن نقرأ، فقط، عن إحصائيّات تعلن أنّ 67 بالمائة من الفرنسيين خائفون من اجتياح [المهاجرين].


كلمة واحدة لكي نصل المتعة بالتضامن: شدّوا الرّحال إلى عطلة في هذا البلد الجميل !!!

 

 

– نشرت الشهادة في منتدى : www.routard.com

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق