عـــن 11 أيلـــول / عباس بيضون

11 أيلول لم تقلق الأميركيين وحدهم، لقد أقلقتنا نحن أيضاً. ففي لحظة واحدة استطاع رجال قليلون ان يدمغونا كلنا، هكذا صرنا طرفاً في حرب لم نكن علمنا بها إلا حين وقعت. لقد أخاف رجال قليلون الدولة العظمى، صارت الحرب بينهم وبينها، انفجرت الطائرات في البرجين، فاختفت الدولة. نزل الرئيس إلى المخبأ ونائب الرئيس أيضاً وفي لحظة واحدة صارت أميركا بلا رئيس وبلا دولة. لم يستطع أحد أن يقدر مبلغ الخطر. ظن كل واحد أنه مهدد في أي مكان وتحت أي سماء انكشفت الدولة العظمى كلها في يوم واحد.

كان ما حدث مخيفاً ومرعباً لأنه أتى من حيث لا يتوقع أحد، ثمة قوة جهنمية انفجرت فجأة، ثمة شيء يشبه الملاحم والأساطير، وحش يهدد المدينة، عملاق يخرج فجأة من بين الركام. لم يكن الحساب ممكناً. الدولة العظمى بسلاحها النووي، بتقنياتها الرفيعة ترتجف أمام الوحش الآتي من الصحراء والحامل تلك الراية التي أقلقت الغرب. الوحش الآتي من أنقاض التاريخ، المقبل من حطام المعارك وحطام السينما. لن نقول ان هذا يشبه فيلماً سينمائياً كما ولا بد تشير الصور والاستعارات التي استخدمناها. فما جرى لم يكن فيلماً، الأفلام تدجن الرعب وتحوله إلى لعبة خيالية، الأفلام تنبئنا اننا نجونا مرة أخرى وان الوحش الذي شاهدنا رجع إلى علبة الفيلم، وأن ما نراه ليس سوى صور. لكن ماذا يحدث إذا صارت الصور حقيقة، إذا كان الخطر الذي نجهل مداه وحضوره ومساربه حقيقياً، وإذا كان الآن يدب ويتوجه، لا ندري من أين والى أين. ماذا يحدث إذا كان الوحش خرج من الفيلم ولن يعود إلى العلبة. إذا كان داس البرجين ونثرهما تراباً وفتاتاً في الهواء، إذا كان بدأ بالبرجين فمن يعلم ماذا يكون التالي، من يعلم أين سيكون الانفجار المقبل، لقد خرج الوحش من العلبة، من الفيلم، لكن البلد صار أيضاً يشبه الفيلم. الواقع غدا شبيهاً بالسينما.

ارتجف الجميع واختبأوا تحت الأرض كما يحدث في الأفلام. كان مشهد دمار البرجين وانفجار الطائرتين فيهما ماثلاً، وفوراً تحول الواقع تحت مثوله إلى حقل الرعب. كانت الطائرتان اللتان انتحرتا في البرجين تنقضان ثانية وثالثة في كل لحظة على كل شيء وتعاودان الانفجار في كل شيء وكل مكان. صار الواقع هاتين الطائرتين وصار الواقع هو الطائرة التي قصفت وزارة الدفاع وتلك التي انفجرت وحدها بركابها وإرهابييها في الجو. لم يعد الواقع سوى هذه المشاهد. لقد نجح إرهابيو القاعدة في أن يجعلوا أميركا ترتجف كما لو كانت تعرضت لقصف نووي. لم تكن القنابل البشرية ولم تكن الملحمة التي طحنت الركاب والآخرين أقل رعباً.

لقد رمى الإرهابيون في يوم واحد بكل ما عندهم، لن يكون في وسعهم بعد أن يكرروا المشهد، لن يكون في مقدورهم أن يأتوا بشيء أكبر وأفظع وأكثر خيالية. لن يتكرر بعد ذلك الرعـــب الأســطوري. حاولوا أن يستعيدوا الإيقــاع الأول في حافلات القطار في لندن. ما حدث هناك كان مرعباً لكن العالم لم يرتجــف كما حــدث في أميــركا. لم ترتعب لندن كلها ولم تختف الدولة الانكليــزية، بخلاف ذلك عاد الواقع وانتصر ولم يتحول إلى ملحمة رعب. لم يسكنه خوف خرافي فالشرطة قامت بتحليل ما جرى وساقت المجرمين إلى السجن. لقد استطاع المحللون واستطاعت التقنية العالية واستطاع العلم أن يتحرى ما جرى وأن يضع يده على السر وأن يكشف السحر والخرافة ويبطلهما بسرعة وأن يكشف المخبأ وأن يصفّد الوحش الذي كان هذه المرة أقل هولاً ويسوقه إلى المحكمة. لقد اهتز الواقع هذه المرة لكن ليس بالقــدر الذي حــدث فــي أميـركا. بدأت سلطة المشهد في التقهقر. صار للخرافة نصيب أقل، سرعان ما انكشف السحر وانفضح الطلسم وغـارت الوحــوش وانتصـر الواقع.

انحسر الإرهاب في قمته. لقد رمى بأعظم وأفظع ما عنده: القنابل البشرية. الرعب التكنولوجي. التدمير الشامل. لكن مشهداً كهذا لن يتكرر. لن تتمكن القاعدة من أن تفعل بعد شيئاً مماثلاً. كان مشهداً هائلاً وفظيعاً، لكن، صار بعد الوقت، ويصير أكثر كلما امتد الوقت، مشهداً من الماضي. الفظاعة كانت في الذروة التي لا يمكن إعادتها. القنابل البشرية صارت مع الوقت معتادة وقل مع الوقت تأثيرها. في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين، صارت حتى أضرار هذه القنابل أقل مع الزمن. لكن ما كان أكثر فاعلية هو أن هذه القنابل البشرية غدت معتادة وانكشفت أكثر وصار الرعب الذي تمثله أقل فعالية وتأثيراً. بل يمكن أن نقول انها مع التكرار فقدت صداها ودويها وفي أحيان كثيرة غدت مبتذلة، فحين لا تساوي الأضرار التضحية، وحين تغدو العملية الانتحارية بحت انتحار، وحين تنفك التضحية عن رمزها الديني، أو حين تغدو أسلوباً وحيداً معرضاً للتكرار واختلاف النتائج وتفاوتها بل وتناقضها أحياناً، وحين يبدو مع التكرار والشيوع انسداد الأفق فالأذى الذي تلحقه قلما يرغم العدو على شيء وقلما يضطره لغير تحصين نفسه والاعتماد على قوته.

ما زالت القاعدة في العراق ولا تزال طالبان في أفغانستان وباكستان. لم تنتصر قوات التحالف في أفغانستان كلياً ولم تنتصر القوة الأميركية في العراق كلياً. إن حرباً ضد قنابل بشرية ليست سهلة وهي فوق ذلك حرب غير منتهية. انها قدرة الأضعف عدداً وعدة ضد الأقوى. وتقنيتها لا تزال هي: مشهد رعب يفك ركب الآخر ويثير رعبه. ما جرى من أيام في أفغانستان من هجوم انتحاري على قاعدة للتحالف أوقع مئة جريح. حادثة كهذه ستظل تتردد إلى وقت طويل وحوادث مثلها تمنع النصر الأميركي سواء في أفغانستان أو العراق. إن في وسع أشخاص قلائل أن يقلقوا دولة عظمى ولا سبيل إلى إسكاتهم ما دامت الأرض تمدهم كل يوم بأشخاص جدد يملكون نفس الاستعداد للتضحية بالنفس. انها حرب بلا نهاية لها، إلا ان يتعب أحد الطرفين، والغريب أن الطرف الذي يتعب أولاً، ليس الطرف الانتحاري. ليس وراء هذا الطرف شيء ولا يملك أي التزامات وليس مسؤولاً البتة أمام أي شخص أو مؤسسة، وبوسعه لذلك أن يستعيد المبادرة بعد أي خسارة، لكن المؤكد أن إشغال القاعدة وطالبان في أفغانستان والعراق وسواهما يمنع الإرهاب عن الغرب ويبقي المعركة على أرض أخرى. ان قوات التحالف والأميركيين تحارب في العراق وأفغانستان وجل ما تفوز به هو حماية عواصم الغرب من أن تكون هدفاً لقنابل بشرية تضطر هنا إلى أن تنفجر على أرضها. إن حرب الإرهاب مسدودة وتغدو مع الوقت أقل مشهدية فيما الحرب على الإرهاب غير مفتوحة الآفاق. قوات التحالف والأميركيين تحارب هنا من أجل منع الحرب من الانتقال إلى بلادها. انها تبقي هذه المنطقة مثقلة متورطة في حرب عبثية. انها ترمي النار علينا ونحن سنكون الخاسرين الوحيدين في حرب تحرقنا بنارها قبل أن تحرق غيرنا، حرب انتهى وقتها ودورها لكنها لا تزال تداوم عندنا. اننا وقود حرب لا يخسر فيها الإرهاب المستعد ليخسر نفسه، ولا تخسر فيها قوات التحالف والأميركيون إلا لماما فيما يخسر العراقيون والأفغان كل شيء.

 

عن ملحق السفير الثقافي 16/9/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق