عــن رجــل لــم يكــن موجــوداً / عباس بيضون

قال أحد الكتاب انه عندما توفي بأزمة قلبية علمنا عندها فقط ان له قلباً. في هذا الكلام ما يشبه التشنيع لكن قائله لم يكن يقصد القول أن مايكل جاكسون شرير وبلا حس، أراد القلب بمعناه البيولوجي فحسب، أراد ان يقول أن مون مايكل جاكسون دل على أن له جسداً. وبكلمة أخرى، على أن له وجوداً. قال الأطباء الذين عاينوا جثة مايكل أنهم لم يجدوا سوى هيكل، جلد على عظم. لم يكن جسداً هذا الذي عاينوه بل البقية التي يتركها الموت أو تترك للموت. كان جاكسون في أخريات أيامه يرقص طوال النهار ويتناول وجبة واحدة ولا نقول انه أراد الموت لكن الرجل الذي كان يتناول يوميا عدداً كبيراً من العقاقير مع ابرتين ضد الألم كان هو الرجل نفسه الذي يرقص ساعات متواصلة كل يوم. بأي جسد كان يفعل ذلك بالجسد الذي كان يعامله كمجلبة للألم والمرض وحقل للفساد.

هل كان بالحِقن يخفف ألما حقيقياً أم يطرد ألماً افتراضياً، أكان يجابه أمراضاً أم يصون جسده من أمراض محتملة. كان جسده مليئا بالحقن والرضوض والخدوش كأنما كان يجلده ويعاقبه كما يفعل الكهنة المسيحيون بأجسادهم، وفي صنيعهم هذا لا يقتلون رغائبهم ولكن يقتلون أجسادهم نفسها، مصنع هذه الرغائب ومصدرها. نفترض أن مايكل جاكسون كان يقهر جسده بهذه الحقن والجراحات، لم يكن بالضرورة يقهر رغائب فيه فجاكسون كما يظهر من كل ما روي عنه لم يكن ذا رغائب، بل يبدو أن من أرادوا القول انه بلا جسد قصدوا غالبا انه بلا رغائب. كان جاكسون يقهر جسده بما انه كذلك، بما انه ثقل مادي، بما انه استعداد للفساد وللتحلل وللمرض وللألم، بما انه عائق أو معوق. اذا تذكرنا افتتانه ببيتر بان يمكننا التفكير بأنه وجد جسده مقصرا عن أن يطير. كان جسده ثقيلا وأرضيا ولا يمكنه ان يحوم في الجو. أكان مايكل جاكسون يريد من جسده هذا أن يطير كفتاه المعبود الذي يسمي مزرعته على اسم عالمه الخيالي. لكن جسده هذا كان يرقص إن لم يستطع ان يطير، كان يرقص بسليقة مذهلة كما لو كان يطير. ألم يكن ذلك يكفي جاكسون أم انه أراد أن يكون للرقص وحده. أن يكون جسدا للرقص لا للألم ولا للفساد. اذا تذكرنا أنه زعم أنه يبيت في حجرة من أوكسيجين (بالون أوكسيجين) وأنه كان يكمم أولاده لدى خروجهم فهمنا أن العالم كان بالنسبة له جوا ملوثاً مليئاً بالميكروبات

والخطر. كان يسعى إلى أن يعيش ويعيش أولاده في محمية معزولة ومعقمة ومحصنة من العالم. هنا لا يمكن الكلام عن العالم بصفة دينية، عن الخطايا او الآثام او الرغائب أو المطامع. لم يكن خوف جاكسون من العالم دينيا كان كابوسه طبياً، اذا جاز التعبير. العالم هو الفيروسات والميكروبات والعدوى والتلوث. انه رعب معاصر أوله وآخره الجسد، خوف من الجسد وعلى الجسد. يمكن أن نفكر هنا بنوع متقدم من الأنوراكسي. المصابون بالأنوراكسي يبالغون في حمايتهم لأجسادهم من السمنة إلى حد الامتناع عن الطعام، فإدخال أي طعام تهديد مؤلم لتناسق الجسد وجماله. لم يمتنع جاكسون عن الأكل فحسب كما لاحظ أطباؤه ولكنه امتنع عن أي تعرض للخارج. لم يكن يأكل لكنه لم يكن يتنفس من هواء العالم ولم يكن يتواصل جسديا أو جنسيا مع أحد. نعلم الآن أنه لم يجامع نساءه وأن أولاده ثمرة تلقيح صناعي بمنيّ ليس له فهو عقيم، اما تهمة البيدوفيلي (الغرام بالأولاد) فلم تصل ولا مرة إلى حد الاتصال الجنسي، هل هي نرجسيه مطلقة تصل إلى حد التحجر او الموت افتتانا بجسده، عبادة للجسد بتصنيمه والاكتفاء به وعزله عن أي من لوازمه، وتحويله هكذا إلى شيء معبود، وللسبب نفسه متحجر وميت. هل كان الحقن والعقاقير والصيام والانعزال في حجرة الأوكسيجين والامتناع عن كل اتصال والرقص طوال اليوم يفعل حيا بجسده ما كان الكهنة المصريون يفعلونه بجثث السادة والأثرياء، تجويفها وتحنيطها واعدادها هكذا للخلود. هل كان جاكسون يقوم هكذا بتحنيط جسده حياً وإعداده هكذا للخلود. ثمة صلة ما بين عزلة الجسد وتعقيمه وتفرغه للرقص. تجويفه من كل رغبة وتفريغه للرقص كان من عبادته وتصنيمه كما هو حتى التحجر والموت. لم يكن التعقيم بكل معانيه والصيام والتخلص من كل رغبة سوى ذلك. كان جاكسون هكذا الزومبي (الميت الحي) كما دعاه كاتب.

الذين طاردوا مايكل جاكسون طوال حياته ولاحقوه في كل تفاصيلها لم يكونوا يعلمون ان ليس له حياة. لقد كانوا يطاردون صورة فحسب. لقد أراد جاكسون بجسده أن يكون صورة ليس إلا. الجراحات الكثيرة جعلت منه صورة فقط. لم يعد أسود ولا ابيض. لا رجلا ولا امرأة. لم يعدله انف انساني ولا هيئة نحت بشرية. كان أشبه بكائن فضائي، بصورة صنعت في الاستديو او في الحقيقة بصورة في شريط مصور. الأشرطة المصورة كانت دنيا مايكل جاكسون. ليس بيتر بان وحده ولكن سواه كذلك، حياته لم تكن له. كانت تصنع بفانتازيا شريط مصور. أولاده ليسوا له لقد التقطهم كما التقطوا طرزان أو النمر الضائع الطفل او عقلة الاصبع في الغابة حيث لم تكن الأبوة البيولوجية شرطاً. الذين اعتبروه أشهر (بيدوفيل) أي مغرم بالأولاد لم يتخطوا انه كان يلاعبهم، يقاسمهم الفراش بدون اتصال جنسي. الاتصال الجنسي كان فوق طاقة الصور أما مايكل جاكسون فحين كان يقول انه ينام في حجرة أوكسيجين أو حين يدلي ابنه من على الشرفة (وتقوم القيامة على ذلك) فإنه لم يفعل سوى أن يقلد مشاهد في الكارتون. كان عليهم أن يبحثوا في تصرفاته عن سوابق في بيتر بان وسواه. كان حد جاكسون من الحياة حد صورة، لقد قهر جسده وغير هيئته ليكون لذلك، ليلحق سعيداً بشخصيات الصور المتحركة، لكن الجسد لا يغدو كذلك إلا بالألم وربما بالموت والعالم لا يقبله كذلك لأنه لا يفهم كيف يكون المرء صورة وحقيقة في ذات الوقت، لم يخترعوا الزومبي الميت الحي من عدم، لكن الزومبي لم يكن نموذج مايكل جاكسون. نموذجه لم يتخذ بعد اسماً ولو انه ليس غائباً. الكائن ـ الصورة نموذج العصر وقد يكون مايكل جاكسون من أول أساطيره. الذين حاسبوا مايكل جاكسون على وقائع حياته انتبهوا لدى وفاته الى انهم كانوا يحاسبون خيالاً، لم يكن هناك قانون بعد لمحاسبة امثال مايكل جاكسون والى ان نجد هذا القانون فإنهم أبرياء.

عن جريدة السفير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق