علمانية على هدي الرسول محمد؟

قد يكون التعريف الشائع عن العلمانية على أنها “فصل الدين عن الدولة” تعريفاً فجاً وأولياً. فالدولة مؤسسة مترامية الأطراف ويتبع إليها مؤسسات وأجهزة تقوم بأدوار اجتماعية وإنسانية وتعليمية لا ينبغي فصلها عن الدين. لا يضير العلمانية في شيء أن يكون في الدولة مؤسسة للأوقاف مثلاً ترعى شؤون المرافق الدينية أو أن يكون ثمة معاهد لتعليم القرآن مثلاً أو حتى أن تقوم الدولة بدور في بناء دور للعبادة يمارس فيها الناس طقوس عقائدهم.

العلمانية هي تحرير المستوى السياسي من الدين، ليس بما هو إرث حضاري وإطار ثقافي ومعرفي..الخ بل بما هو موضوع قدسي إطلاقي.

ولا يعني ذلك أن العلمانية تحارب الدين أو القداسات إلا في ذهن جاهل أو ذي غرض، ذلك أن تحرير السياسي من الدين بالمعنى المذكور لا يتضمن البتة تقييد حرية العبادة والمعتقدات ولا انتزاع الأمة من تاريخها وثقافتها وحضارتها وهويتها..الخ (وسأفتح هنا قوساً طويلة نسبياً لأقول: كما لو أن هوية الأمة قشرة أو طلاء خارجييخشى زواله، إن من يعتقد ذلك إنما يستخف بهوية الأمة أكثر مما يحميها؛ أو كما لو أن الهوية جوهر خالد خارج التاريخ وليست عجينة تاريخية حية ومتجددة. ينبغي أن يرتاح العرب والمسلمون من هذا السهر المضني على حماية هوية تذوى من طول السهر على حمايتها، هوية لا تزدهر وتينع إلا حين ينهمك العرب والمسلمون في اجتراح وإبداع أفضل السبل المناسبة لحل ما يعترضهم من أزمات وقضايا متحررين تماماً من هم ووهم حماية هويتهم، فليهتموا بأمور حياتهم وستهتم الهوية بذاتها).

إن أي حديث عن العلمانية في المجتمع الإسلامي (أي المجتمع الذي يضم غالبية من المسلمين) يتدحرج بصورة عفوية ليستقر عند بداية الدعوة الإسلامية ونشأة نواة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة بزعامة الرسول محمد. أليس الإسلام ديناً ودنيا؟ وهل يبقى الإسلام إسلاماً حين يُقصى عن السياسة؟ ألم يكن الدين الإسلامي مغمساً بالسياسة منذ نعومة أظفاره فكيف نسلبه إياها اليوم؟

وبالعودة إلى تلك الفترة التي لا يستنفدها البحث، كأي فترة تاريخية خصبة، يمكن تسجيل الملاحظات التالية:

{{1.}} كما هو معروف كانت الجزيرة العربية في أواخر القرن السادس وأوائل القرن السابع الميلادي “تنتظر” نبياً، وكانت أفكار الأحناف بمثابة بشائر ودلالات لما سيأتي به النبي المنتظر، وكان من بين الأحناف كبار رجالات العرب من شعراء وزعماء ولكن أفكارهم ودعوتهم مع ذلك كانت تذروها الرياح كالرمال فتذهب هباء دون تأثير يذكر. الأمر الذي حدا بالرسول محمد أن يجعل لدعوته حاملاً ما كانت لتقوم لولاه، وهذا الحامل ما هو إلا السياسة. فقد عمد الرسول إلى الدعوة السرية التي كان يربط من خلالها المؤمنين بعلاقة جامعة “سياسية” تلزمهم “بأوامر” معينة فلا يتخطونها، كأمر الهجرة إلى الحبشة وعدم مواجهة المشركين رغم ما كانوا يلحقون بهم وبرسولهم من ضيم، وأمر الهجرة إلى يثرب..الخ. إذن إضافة البعد السياسي إلى البعد الإيماني هو بالضبط ما مكن الرسول من إنفاذ دعوته حيث فشل الآخرون. فكانت السياسة مجرد حاملة للدعوة الجديدة الغضة وليست جزءاً عضوياً منها بأي حال.

{{2.}} في عهد الرسول محمد كانت السياسة، بما تعنيه من تنظيم وانضباط يشد أبناء الدعوة إلى قيادة دنيوية واحدة، هي حاملة الدين الجديد وحاميته. ومن المفيد هنا التذكير بالحوار الشهير الذي دار بين الرسول محمد وأبي سفيان على أبواب مكة قبيل فتحها (السنة الثامنة للهجرة)، لإظهار مدى حرص الرسول آنئذ على إمساك “القيادة الدنيوية” إنفاذاً وصوناً للدعوة الطرية العود. والحوار كما تذكره الأخبار يجري كالتالي:

محمد: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟

أبو سفيان: والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً بعدُ.

محمد: ويحك يا أبا سفيان, ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟

أبو سفيان: أما والله هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً!

إذن لم يكن لدى أبي سفيان اعتراض على الشق الأول من الشهادتين (لا إله إلا الله) وهو بذلك يخرج من دائرة الإشراك التي يغفر الله كل شيء سواها، لكن الرسول يرى في قرن الشهادتين جسراً يوصل الدعوة إلى بر أمانها، لذلك لم يرض من أبي سفيان (ولا من غير أبي سفيان) أن يكسر هذا الجسر، ملحاً على الشق الثاني من الشهادة (محمد رسول الله) بما يتضمنه من إعلان الولاء “الدنيوي” وليس فقط الديني له. يمكن القول إذن أن السياسة في عهد الرسول محمد كانت السرير الذي بني عليه هيكل سفينة الدين، ولكن حين يكتمل الهيكل (“أكملت لكم دينكم”) يتعين على السفينة أن تنزلق كي تبحر في محيط لا حدود له، تاركة سريرها على البر حيث هو وإلى حيث ينتمي.

{{3.}} خلال حياة الرسول كانت العلاقة بين الدين والسياسة وثيقة بالفعل، وهذه هي الفترة التي يستند إليها كل من يقول بعدم انفصال الدين عن الدنيا في الإسلام. ولكن ميزة تلك الفترة التي لا يمكن أن تتكرر هي وجود متلقي الوحي (هذا ما يغفل عنه كثيرون)، وقد كان الرسول رغم كل ما يتمتع به من صفات استثنائية يقف أحياناً منتظراً الوحي ليتخذ قراره في أمر ما. فمن أين لنا اليوم برجل يحكم باسم الله دون وحي من الله ويلزم العباد بحكمه على أنه حكم الخالق. أليس في ذلك “افتئات على مقام النبوة واغتصاب لحقوق الله واستخفاف بعقول البشر”، على حد تعبير المستشار محمد سعيد العشماوي في كتابه (الإسلام السياسي) من إصدارات مؤسسة الانتشار العربي، بيروت-لبنان، الصفحة 83 من الطبعة الخامسة 2004. ومن لحظة وفاة الرسول اختلف الأمر على نحو جوهري. فقد انقطع الوحي، وأوكل المسلمون إلى أنفسهم، دون أن يُترك لهم في الشريعة أية نظرية في الحكم، ودون أن يعمد الرسول حتى إلى استخلاف أحد بعده، تاركاً المسلمين يقررون دنياهم بعد أن قرر لهم دينهم.

{{4.}} بانقطاع الوحي (وفاة الرسول الخاتم للرسل) انفك التلازم بين القيادة الدينية والقيادة الدنيوية بعد أن عبرت الدعوة على جسر التلازم هذا إلى شاطئ نجاحها وعمت شبه الجزيرة العربية، أو لنقل ذابت القيادة الدينية بعد وفاة الرسول في صفوف المسلمين وبرزت الخلافة كمنصب سياسي بالدرجة الأولى. لا فرق بين أبي بكر (خليفة رسول الله وليس خليفة الله كما درجت عادة ملوك بني أمية والعباس من بعد. وأبو بكر لا يمكن أن يخلف رسول الله في شأن الدين فقد اكتمل الدين وانقطع الوحي، وليس له أن يخلفه سوى في شؤون الدنيا “السياسة”) وغيره من المسلمين إلا في كونه ولّي الخلافة عليهم: “ولّيت عليكم ولست بأفضلكم”، طالباً من المسلمين تقويمه إذا اعوج. جاعلاً الولاية لأمة المسلمين في القبول والرفض والتقويم. وعلى هذا المنوال جرى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رجل الدولة الممتاز.

{{5.}} باب الدخول إلى الإسلام واسع ويسير ولا يتطلب من المرء سوى لفظ الشهادتين حتى يدخل دار السلام، ولكن ذلك يستدعي بالضرورة ولاءه للسلطة الزمنية (سلطة دولة المسلمين بزعامة الرسول) تعبيراً عن ولائه الروحي لله. وفي ذلك عملية تحويل جوهرية، فالولاء لله يشكل قاسماً مشتركاً للعرب بكل انتماءاتهم القبلية والعشائرية..الخ، ويتم ترجمة هذا الولاء المشترك في ولاء دنيوي لدولة الرسول، الأمر الذي قلب الولاءات في الجزيرة من أولوية الولاء للقبيلة على حساب الولاء المشترك للعرق العربي، إلى أولوية الولاء لدولة الرسول على حساب الولاءات الأدنى الأخرى. أي كان الانتماء العام (العربي) متنحياً سياسياً أمام الانتماء الجزئي (القبيلة)، فصار الانتماء الأعم (الإسلام) مسيطراً سياسياً على الانتماءات الجزئية. دون أن يعني ذلك أن الرسول دخل في تعارض أو مواجهة مع هذه الانتماءات الراسخة والقارة تاريخياً، أقصد الولاءات العشائرية والقبلية والدخول معها في حروب عبثية. ومعلوم أن الرسول كان يقبل أن تخاطبه القبائل قبل أن تسلم بانتمائه القبلي فيقولون له “يا أخا قريش”. وأكثر من ذلك فقد بنى الرسول إستراتيجية الدعوة على حسابات تدخل في صلبها الانتماءات القبلية. وربما شكل ذلك أحد أسرار نجاح دعوته.

{{6.}} واليوم نحن بحاجة إلى تحويل معاكس بالشكل ومطابق بالجوهر. ففي حين شكل الانتماء إلى الدين الجديد القاسم المشترك للعرب (ما كان يقبل من العربي أقل من الإسلام) الذي وحدهم محافظاً على انتماءاتهم الفرعية غير الجامعة (قبلية وعشائرية) دون مس، يشكل الانتماء إلى الوطن (المواطنة) اليوم هذا القاسم الجامع الذي يتعين تكريسه فوق الانتماءات الفرعية غير الجامعة (الدينية والمذهبية)، دون المس بهذه الأخيرة. وسوى ذلك فإننا إنما نغلب التقسيم على الوحدة والانتماء الجزئي على العام في عمل يعاكس جوهرياً ما قام به الرسول محمد في دعوته.

ما يدفع باتجاه رفع راية العلمانية اليوم هو أنها تشكل سبيلاً لوحدة المجتمع وصيانة الانتماءات الغزيرة الأخرى التي تغنيه من جهة إضافة إلى كونها تفتح المجال السياسي لتداول وصراع عقلاني عام. ولا يتم رفع راية العلمانية تحدياً أو تحجيماً للدين وتنكراً للهوية والحضارة وما إلى ذلك من كلام ظاهره حرص على الدين وباطنه حرص على مكاسب قائمة أو مأمولة، ظاهره “ثقافي” وباطنه سياسي. مكاسب فردية أو حزبية أو فئوية ولو على حساب ضعضعة الانتماءات الجامعة المشتركة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This