علمانية لبنان الملتبسة / إلياس مهنا

علمانية لبنان الملتبسة / إلياس مهنا

سيقوم اليوم الأحد مجموعة من اللبنانيين بالخروج إلى شوارع بيروت تعبيراً عن دعمهم للنظام العلماني. لا أحد يعلم كم عدد الناس الذي سيشاركون في هذه المسيرة، لكن بما أننا إزاء دولة تعودت على تنظيم المسيرات الضخمة، فمن غير المستبعد أن يصل عدد المحتشدين إلى عدة آلاف. وإذا ما أخذنا في الاعتبار تنبؤات الأحوال الجوية التي تشير إلى أن الطقس سيكون دافئاً وخالياً من الأمطار والغيوم، نجد أن الظروف ستكون ملائمة تماماً للاحتشاد في إحدى الساحات والتلويح بالأعلام وترديد الشعارات.

 

لكن السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بنوع الشعارات التي سيرددها المشاركون: هل سينادون بتفكيك نظام الطائفية السياسية في لبنان؟ أم أنهم سيطالبون بمنع الدين من التدخل في قضايا الأحوال الشخصية، مثل قوانين الزواج والميراث؟ قد يحمل بعضهم اللافتات التي تستنكر تدخل رجال الدين في السياسة، في حين أن بعضهم الآخر قد يأتي للتنزه دون أن تكون لديه فكرة واضحة عما تعنيه العلمانية في سياق دولة مثل لبنان، مع أنه على يقين بأنها أفضل من النظام الموجود في الوقت الحالي.

 

 

منذ استقلال لبنان في العام 1943، كان رئيس الدولة دائماً مسيحياً مارونياً، ورئيس الوزراء مسلماً سنياً، ورئيس البرلمان مسلماً شيعياً. أما مقاعد البرلمان فإنها تُوزَّع بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، فضلاً عن المناصب العليا في الدولة التي توزَّع أيضاً وفقاً لاعتبارات طائفية.

 

 

لكن هذا النظام، الذي كان يُعتبر في السابق رمزاً ناجحاً للديمقراطية التوافقية والتعايش الديني، أثبت منذ زمنٍ طويل أنه ينطوي على الكثير من مواطن الخلل، مثل انعدام الاستقرار الدائم وعدم التوازن في الاقتراع والتعطيل المتكرر، كما تمخض عن حكومة ضعيفة وغير قادرة على تأمين الخدمات الأساسية والأمن والشفافية.

 

 

وقد أظهرت الاستفتاءات الأخيرة بأن شريحة واسعة من الشعب تؤيد إلغاء النظام الطائفي في لبنان، لكن تبيَّن أن هذه القضية، مثلها مثل العديد من القضايا الأخرى، خاضعة أيضاً للحسابات الطائفية، إذ إن معظم هذا التأييد جاء من قبل المسلمين السنة، الذين ازدادت أعدادهم كثيراً خلال العقود الماضية مقارنةً بالمسيحيين.

 

 

ويخشى الكثيرون من أن محاولة فرض تغييرات جذرية على البلاد دون الحصول على تأييد من قبل أغلبية الطائفة المسيحية قد تتمخض عنه مضاعفات لا تُحمد عقباها.

 

 

يُذكر أنه من بين جميع المشاركين في الاستفتاء المذكور أعلاه، قرابة الربع قالوا إنهم لا يعرفون ما المقصود بإلغاء الطائفية.

 

 

وهذا هو جوهر القضية؛ فالجهود التي بذلتها منظمات المجتمع المدني في السابق للترويج لأجندة علمانية فشلت بسبب غموض الأفكار التي طرحتها.

 

 

ومع أن كل الأحزاب السياسية الرئيسية في لبنان تقريباً كانت، في مرحلة معينة، تتشدق بإقامة نظام حكم قائم على الجدارة، وخالٍ من المحاصصة الطائفية، إلا أن الاقتراحات الملموسة حول آلية عمل مثل هذا النظام والعملية المطلوبة لإنتاجه كانت قليلة جداً. يبدو أن المبادرة التي أطلقت مسيرة «العلمانيين نحو المواطنة» ستلقى نفس مصير أسلافها، إذ ستبدأ بلحظة مفعمة بالأمل من الطاقة وحسن النية، لتموت بعد ذلك بهدوء ضمن افتتاحيات حفنة من الصحف اللبنانية.

 

 

آمل أن أكون على خطأ. لكن إلى أن تصبح اللغة المحيطة بهذه القضية أكثر دقة وتوازناً وواقعية- أي لغة لا تعتمد على اللافتات والشعارات فقط- فإن إمكانية إقامة لبنان علماني ستبقى

 

 

بعيدة المنال.

 

 

عن صحيفة الغارديان البريطانية – نقلا عن جريدة أوان الكويتيو 25/4/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This