على أي دين مات أحمد فارس الشدياق؟ / محمد الحجيري

قضيتا مقتل البروتستانتي اللبناني أسعد الشدياق (1798 – 1830) وإسلام شقيقه اللغوي الشهير أحمد فارس الشدياق (1804 – 1887) لا زالتا تشغلان الكثير من الباحثين المهتمين بالتحوّلات الثقافية والطائفية في لبنان والمشرق.
يروي الباحث أسامة مقدسي في مقال له تُرجم في مجلة «الآداب» أنه على امتداد 130 صفحة صغيرة كتب النهضوي بطرس البستاني سيرةً مدحيةً لأسعد الشدياق وهو أول ماروني يتحول إلى البروتستانتية، وكان الشدياق ينتمي إلى عائلة مارونية بارزة من بلدة عشقوت الكسروانية، درس على أخيه طنوس آداب اللغتين السريانية والعربية، وانتسب إلى مدرسة «عين ورقة» النهضوية وعمره أربع عشرة سنة. ونظراً لتفوّقه واجتهاده فقد عهد إليه تدريس الرهبان السريانية واللاهوت في دير القديس أنطونيوس في مدينة بعبدا. كما درَّس اللغتين السريانية والعربية لبعض أفراد الإرساليات الأميركية، التي جاءت إلى لبنان بقصد التبشير بالمذهب البروتستانتي. وألَّف أسعد الشدياق رسالة ضدّ عبادة الأيقونات داعياً إلى التفسير المباشر للكتاب المقدّس من قبل المؤمنين أنفسهم. وفي العام 1820 شنَّ البطريرك الماروني يوسف حبيش حملته على «الهرطقة البروتستانتية»، بناء على أمر من روما، وحرَّم أي تعاطٍ مع البروتستانت. بناء على ذلك اعتُقل أسعد الشدياق وأُودع السجن في المقرّ البطريركي في قنوبين حيث توفي بسبب سوء المعاملة عام 1830. وعلى أثر اعتقاله غادر معظم المرسلين البروتستانتيين المنطقة ولم يعودوا إلا في ظلّ الحكم المصري على سوريا حيث فتحوا مدرسة للصبيان في بيروت 1835 تلتها مدرسة للبنات. وبعد مقتل الشدياق في الأسر، أسبغت عليه الإرساليات الأميركية الثناء لكونه «شهيدها الأول» في الشرق، في حين لعنه الموارنة بوصفه «ملاك الظلام».

ظهرت قصة البستاني عن تحوّل الشدياق إلى البروتستانتية عام 1860، وطبعتها مطابع الإرساليات الأميركية في بيروت، وهي تعكس الجذور الإنجيلية المعقّدة لتيار رئيسي في الفكر العلماني داخل العالم العربي. يقول أسامة مقدسي هناك كتابات كثيرة عن بطرس البستاني وغالبيتها الساحقة تمتدحه لكونه رمزاً وطنياً من المنادين بفصل الكنيسة عن الدولة، إن لم يكن أولهم على الإطلاق. وتشير هذه الكتابات إلى أن البستاني عمل على انبثاق جماعة سياسية موحّدة، ناطقة بالعربية، يتساوى فيها العرب المسيحيون والمسلمون في الحقوق والواجبات. ومن ثم تصفه تلك الكتابات بأنه أحد رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر، لكنها تطمس، أو أنها ببساطة تعجز ولا ترغب في فهم مدى وثوق العلاقة بين وطنية البستاني وإنجيليته. فالواقع أن رؤية البستاني إلى التعايش الحديث المستند إلى المساواة الدنيوية عن الأديان والثقافات، هي رؤية بدأ سبرها في كتابه التذكاري عن أسعد الشدياق وتوسَّع فيها إثر الحرب الأهلية عام 1860. في مثل هذه الظروف أُعيد اكتشاف قصة أسعد الشدياق، وأُسبغت عليها أقصى التأويلات «مسكونية» (دينية) وليبيرالية، ولم يأتِ ذلك على يد الإرساليات التبشيرية الأميركية، بل على يد أبناء الطائفة البروتستانتية. ولم يكن الشدياق شهيد البروتستانت الأول في الشرق وحسب بل تحول أيضاً إلى «شهيد لحرية الرأي». وكان مقتله مقدّمة لسلسلة من الاضطهادات التي مارسلها رجال الدين من المسلمين والمسيحيين بحق بعض الكتَّاب والمبدعين، فالكاتب فرنسيس المرّاش تعرّض للتشهير من قبل الإكليروس، وطه حسين وعباس العقاد وإسماعيل مظهر اضطروا للانكفاء والتراجع تحت التهديد أو المحاكمة من قبل بعض رجال الدين.

يقال إن البطريرك حبيش قرَّر إرسال البستاني إلى روما لإكمال علومه، فعارضت والدته لأن والده كان رحل مبكراً. «حين حضرت مراكب الدول إلى ثغور سوريا لإعانة الدولة العلية على إخراج المصرية منها، فاستخدمه الإنكليز ترجماناً، وتعرَّف حينئذ ببعض القسوس الأميركيين». وهكذا، بدلاً من أن يصبح بطرس البستاني إكليريكياً مارونياً على غرار الدويهي والحاقلاني والصهيوني الذين تخرَّجوا في روما، صار مبشِّراً بروتستانتياً.

جبّار القرن التاسع عشر

أما فارس الشدياق «صقر لبنان» كما نعته القاص مارون عبود، و«جبار القرن التاسع عشر» كما نعته شفيق جبري، فدخل البروتستانتية لنقمته على الإكليروس بعدما حصل لشقيقه، وإذا كان إعدام أسعد علامة في التحولات الطائفية والاجتماعية في لبنان، بل إشارة إلى «شبح» تأثر لبنان بالثقافات والأديان العالمية، فوفاة فارس الشدياق كانت أكثر تعقيداً وإرباكاً وعلامة على «التنافر الطائفي» الذي كان بطرس البستاني يحاول التخلّص منه. بعد ستين عاماً من التنقل بين القاهرة ومالطا وباريس ولندن وإسطنبول، لم يعد فارس الشدياق إلى لبنان، بعد مماته، إلا ليذكي النزاعات التي جسَّدتها حياته بل حياة إعدام شقيقه تحت التعذيب. فهو أشعل بمماته فتيل حرب حامية الوطيس بين السلطات الدينية التابعة للمسلمين والمسيحيين، حيث حاول كل منهما أن يستأثر بجثمانه ليدفنه وفقاً لشعائره الدينية، لكن المعركة لم تُحسم لمصلحة أحد طرفَي النزاع، رغم أنهما شاركا معاً في مأتمه ونزلا معاً عند رغبته في وصيته التي قضت بأن يُدفن في مقبرة صغيرة في الحازمية مع بعض المتصرّفين المسيحيين.

توفي الشدياق وهو في مصبغة في أسطنبول صيف عام 1887. فصدرت الإرادة السنية بدفنه في تربة السلطان محمود، إلا أن ولده سليماً، الذي كان مع أبيه في أسطنبول، التمس من السلطان أن يتمّ دفن جثمان والده في جبل لبنان، عملاً بوصية والده، فأذن له القيام بذلك.‏ نُقل جثمان الشدياق على باخرة نمساوية حملته إلى لبنان ولما وصل النعش إلى بيروت سار خلفه حملةُ الرايات، وأمامه مشايخ الطرق، وهم يُهلِّلون ويُكبِّرون. وسار وراءه المفتي والعلماء ورجال الشرطة وابنه سليم. ولما وصلوا إلى الجامع الكبير وتمت الصلاة عليه، قام بعض أصدقائه بإلقاء الخطب والقصائد في رثائه. ثم وُضع النعش بعد ذلك على عجلة الأموات ليُصار إلى دفنه في بلدة الحازمية. واليوم نُقل ضريح الشدياق وأضرحة الباشوات من الحازمية إلى مكان آخر بسبب شقّ الحفريات وأعمال التعهّدات في تلك المنطقة.

إسلام الشدياق
اللافت أنه ورغم الأهمية الشديدة لكتابات الشدياق اللغوية والفكرية والاجتماعية والروائية، إلا أن بعض الأقلام انشغل بأمر عابر ألا وهو إسلامه (يُذكِّرنا هذا باندفاع بعض الكتَّاب للحديث عن إطلاق القاص اللبناني مارون عبود اسم «محمد» على ابنه البكر). وتناست تلك الأقلام أن الشدياق الذي عاصر فيكتور هوغو وغوستاف فلوبير وإدغار ألن بو وشارل ديكنز كان على تواصل مع مستشرقين ومثقفين أوروبيين ومفكرين إصلاحيين عرب. فهو المعجمي وصاحب قاموس ضخم، وهو المتعصّب للعربية، ومترجم التوراة نزولاً عند رغبة الطائفة البروتستانتية، وكاتب رواية من خلال نص يحكي سيرته الذاتية التي تعمّد إظهار ما فيها من إباحية. وهو القريب من «الاشتراكية»، وقد صاغ ما يرادفها بالعربية. والمدافع عن حقوق المرأة مع أن علاقته بنسائه كان فيها الكثير من الالتباس والاتهامات (بالخيانة)، وهو الذي كان مقرّباً من السلطات العثمانية، اعتنق الإسلام طوعاً. حمل الهوية الشخصية البريطانية ولكنه رفض أن يستبدل الزيّ العربي حتى وهو في لندن وباريس، ورغم إقامة الشدياق حقبة طويلة في الآستانة احتفظ بمسافة بينه وبين الباب العالي، وزيادة في الاحتياط سعى إلى الجنسية البريطانية وحصل عليها معتبراً إيّاها درعاً للوقاية من طغيان السلطان. والإنعام عليه بالجنسية البريطانية لم يرتهنه، ولا منعه من حريّة القول ضد الإنكليز لا كطباع وعادات فحسب، بل كلغة أيضاً. لكن بعضهم يعتبر أن اعتناق الشدياق الدين الإسلامي كان الحدث البارز في حياته، مع أن كتاباته ومؤلفاته تدل على أن تفكيره كان في مكان آخر، فهو أكثر تقدُّماً من بعض «حداثيي» اليوم، وأكثر اطِّلاعاً على ثقافات العالم من أبناء جيله، لذلك ربما ينبغي علينا أن نقرأ إسلامه من جانب أنه انعكاس لواقع ظرفي وليس كفذلكة إيمانية، فتحوّله الطائفي يشبه معظم التحوّلات الطائفية في لبنان.

كتب المؤرخ جرجي زيدان في كتابة «تراجم مشاهير الشرق» عن قصة إسلام الشدياق قائلاً بأن حضرة باي تونس أعطاه أحسن منصب لديه وهناك اعتنق الديانة الإسلامية على يد شيخ الإسلام وسُمِّي «أحمد». وكذلك فعل مؤرّخ الصحافة العربية الكونت فيليب طرازي فقد أشار إلى هذه الواقعة قائلاً:‏ «كلَّفه باي تونس بخدمة مملكته وأرسل له سفينة مخصوصة لنقله إلى بلاده فلبَّى الدعوة وهناك ترك مذهب البروتستانت وتبع دين الإسلام وصار يُعرف بالشيخ أحمد فارس الشدياق». والأديب المصري حسن السندوبي أشار في كتابه «أعيان البيان» إلى ظروف اعتناقه الإسلام بالقول: «ثم وقعت بينه وبين شيخ الإسلام بالديار التونسية مجادلات في العقائد الدينية أدت إلى اعتناقه الدين الحنيف ودعا نفسه أحمد وتكنى بـ أبي العباس». أما المستشرق الإنكليزي هاملتون جيب فقد قال: «إن فارس الشدياق كان أحد الأبطال العظام المدافعين عن الإسلام».

وكان الأب لويس شيخو يغمز من قناة الشدياق، ويُسمِّيه «الضال»، ويسوق شعراً في هجائه، ثم يجعل اعتناقه للإسلام منبعثاً عن طمعه بالمناصب والأموال (لم يتورّع شيخو أيضاً عن اتهام جبران خليل جبران بـ«الجنون»!).
وبعض غلاة «الشدياق المسلم» يستعملون كتابات مارون عبود في الرد على لويس شيخو، وعبود هو من أكثر الناس إعجاباً بالشدياق وإجلالاً له، واطِّلاعاً على أخباره إذ أنه زار ضريحه ورأى فوقه هلالاً، وتلك علامة صريحة في رأي أنصار «الشدياق المسلم» عن أن صاحب الضريح مسلم عند القوم، ولو كان نصرانياً لنصب فوقه الصليب. إلى ذلك ذكر عبود في نهاية كتابه «صقر قريش» أن جريدة «صوت الأحرار» نشرت في 8 آذار 1938 الخبر الآتي:‏ «منذ خمسين سنة جيء بجثمان الفقيد العلامة أحمد فارس شدياق من إسطنبول إلى مسقط رأسه في بلدة الحدث بلبنان حيث دُفن في مقبرة العائلة، ثم نُقل إلى مقبرة خاصة في الحازمية بجوار مدافن المتصرّفين.‏ وحدث أخيراً أنه بينما كان العمّال يحفرون الأرض على طريق عاليه، لاختصار المسافة وتجنّب الأكواع، عثروا على نعش من الرصاص. ولما فتحوه وجدوا فيه جثمان أحمد فارس الشدياق، وهو على حاله، كأنه مات منذ يومين. ونُقل التابوت إلى مدفن جديد يقع في ضواحي الحازمية. وشاع عند العوام أن الشدياق «قدّيس»، لأن جسده لم يَبْلَ بعد مضي خمسين سنة على وفاته»! وبالطبع هذه علامة من علامات الخرافة التي تسيطر على النسيج الاجتماعي، خصوصاً إذا تعلَّق الأمر بمسيحي انتقل إلى الدين الإسلامي أو العكس.

جاء في كتاب «أحمد فارس الشدياق سلسلة الأعمال المجهولة» تأليف فواز طرابلسي وعزيز العظمة أن المؤرخ يوسف إبراهيم يزبك وهو من أقارب الشدياق، يروي خبر مصالحة تمَّت في الآستانة بين الشدياق وابن خاله بطريرك الموارنة بولس مسعد. والثابت أن مسعد الذي عارض المتصرّفية وكان يطالب بعودة يوسف بك كرم ليتولى القائمقامية المسيحية فيها، خرج في جولة إلى روما وباريس والآستانة في أيار 1867 على إثر خلاف حاد مع المتصرّف داوود باشا، الذي كان يصرّ على حق المتصرّف في تثبيت البطريرك الماروني والمطارنة في مناصبهم. ويبدو أن مسعد اكتشف في روما وباريس أن المتصرّفية قائمة لا محالة، فصار دأبه إقناع العاصمتين بتعيين فرانكو باشا متصرّفاً على جبل لبنان. في الآستانة سعى مسعد إلى الحصول على التكريس فكان له ما أراد، فحظي بمقابلة السلطان الذي منحه وساماً رفيعاً فيما جدَّد له البطريرك الطاعة. أما بقية تفاصيل الزيارة ففي عهدة الراوي يزبك الذي يقول إن فارس الشدياق هو الذي بذل جهداً لاستقبال مسعد، وأنه في اللقاء بينهما اعترف مسعد له بأنه لم يوافق البطريرك حبيش على اضطهاده لأخيه أسعد، فقال له الشدياق إذ ذاك: «لن أخجل بعد الآن يا ابن خالي أن أكون مسيحياً مارونياً» (رسائل مارون عبود).

وعلى شبكة الإنترنت قرأتُ مقالاً منسوباً ليوسف إبراهيم يزبك ومنشور في «الجمهور» (العدد 99، 1938) يقول فيه يزبك عن الشدياق بأن سكرتيره يؤكد ارتداده في ساعته الأخيرة إلى دين أجداده وينقل إنه ظلّ محتفظاً في عنقه بذخيرة عود الصليب! ويضيف: «لا أعلم، وليس غيري يعلم، ما كان عليه أحمد فارس الشدياق في قلبه وأعماق نفسه من الاعتقاد بوجود إله وبخلود النفس، ولكن الذي نعلمه جميعنا أن إمام اللغة جهر بإسلامه بعد سفره إلى تونس بدعوة من بايها وعاش مسلماً. ثم نال مكانته السامية لدى أمير المؤمنين ورجال سلطنته في عاصمة الخلافة، وفي ديار الشرق والغرب وهو مسلم مؤمن بالله تعالى وبكتبه واليوم الآخر. ونراه في مقدّمة «الجاسوس على القاموس» الذي طبعه في سنواته الأخيرة يصلّي ويسلّم: على سيدنا محمد الذي أنزل عليه القرآن، وأوتي الحكمة والبلاغة والبيان، والحجة والبرهان، فقمع أهل الشرك والطغيان والزور والبهتان، وعلى آله وصحبه ذوي الفضل والإحسان». ويتابع يزبك: «ولست أعلم علم اليقين السبب الحقيقي الذي حمل فارساً على اتباع الدين المحمدي، فمن الناس من يقول إنه آمن بوحي القرآن إيماناً حقاً فأسلم، ومنهم من قال إنه تذرَّع بدين الدولة والحاكمة، ودين الشرق أجمع، لينفسح المجال أمام ذكائه وعبقريته فيتبوأ المكانة التي ما كان، في رأيه، ليستطيع الدنو منها في حالة بقائه مسيحياً. وقد يكون في القولين بعض الحق، ولكني أرجح أن فارساً ما «تجرأ» على اعتناق الإسلام إلا لأنه أحب الإسلام وهو ما يزال نصرانياً، فنراه يتحسّس هذا الحب في الفارياق كلما ذكر القرآن، بل نراه يكتب في فصول هذا الكتاب الرائع بتعبير مسلمٍ مسلم، فيقول في انتقاد لغة الترك: «… ما هذا كان لسان النبي ولا لسان الصحابة والتابعين والأئمة الراشدين رضي الله عنهم أجمعين إلى يوم الدين آمين وبعده آمين» (الساق على الساق). يقول هذا ثم نراه يتهكم في الكتاب عينه على رجال الدين جميعاً على اختلاف مذاهبهم. ولئن نالت النصارى منهم سخرية لاذعة لأن المؤلف يكرههم ويذكر مساويهم في كل مناسبة، ويعنيهم على الغالب بقوله: «أهل الشرك والطغيان» فإن المسلمين منهم أيضاً لم يوفر مناعتهم (ص 703) وكذلك لم نرَه يُصلِّي على النبي القومي ويسلّم كلما ذُكر النبي، والذي نعلمه أن «الفارياق» طُبع سنة 1855 وصاحبه لا يزال نصرانياً فهو يقول في صدر صفحته الأولى: «تأليف العبد الفقير إلى ربه الرزاق فارس بن يوسف الشدياق» أي اسمه الأصيل، وكذلك يكتفي في بدئه بحمد الله «الموفق إلى السداد والملهم إلى الرشاد» ولا يذكر محمداً كما ذكره وصلّى عليه في مقدّمة «الجاسوس على القاموس» إلا أننا نراه يختمه بفصل عنوانه «بسم الله الرحمن الرحيم» (الساق على الساق ص703) فهل يكون هذا الكتاب الخالد وليد دماغ فارس الماروني وأحمد السني معاً؟».

ردَّ مارون عبود على يوسف يزبك قائلاً: «نزلنا على أن المقام ثلاثة فطاب لنا حتى نزلنا بها شهراً علم الله، لولا لذة في بحث موضوع الشدياق لما أعرتُ دينه أقلَّ اهتمام، فدين الأديب فنُّه، ناهيك أن أخي الأستاذ يوسف يزبك في مقاله «على أي دين مات أحمد فارس؟» لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء لا يثبت ولا ينفي، ولكنه ينقل أخبار نساء وأشباه نساء»، وفنَّد مارون عبود المعمعة حول دين الشدياق.

تبنّي جبران وإسقاط الشدياق

كان جثمان الشدياق فضيحة بين الطوائف قبل أن تُرفع الشعارات الوطنية في لبنان، ويشبه الصراع على دفنه مشهد الصراع على لبنان وشعاراته وولاءاته وتاريخه، ويشبه أيضاً الصراع على جبران خليل جبران وتوظيف الأغنية الفيروزية. ولكن رغم «التنازع» على ضريح الشدياق إلا أنه لم يتحوّل ميراثاً للطوائف، لم يصبح مثل جبران ركيزة من ركائز أيديولوجيا الجمهورية اللبنانية والكنيسة المارونية برغم أنهما كانا – أي جبران والشدياق – متمرّدين على الواقع والإكليريوس، لكن الكنيسة اللبنانية تبنَّت جبران وتناست «تمرُّده»، ويعزو بعضهم ذلك لرغبة الكنيسة في الاستفادة السياسية من عالمية هذا الأديب، أما الشدياق فبقي في خانة المغضوب عليهم، فقد كانت حياته سلسلة عاصفة ومتواصلة من التحدّي والمواجهات مع التسلّط والاستبداد في عصر كان التحدّي فيه نوعاً من الانتحار.
وحتى في النقد الثقافي ظُلم الشدياق. تتساءل الروائية المصرية رضوى عاشور في كتابها «الحداثة الممكنة»: «لماذا أُسقطَ إنجاز الشدياق وقد أنتج النص الأدبي الأغنى والأقوى في الأدب العربي في القرن التاسع عشر»؟ وبالطبع تقصد عاشور رواية «الساق على الساق»، هذا الكتاب النقدي الساخر الذي يجمع بين السيرة الذاتية والرواية والولع باللغة وتوظيف عناصر الموروث الأدبي العربي، بقدر ما يضيف إليه جديداً على مستوى المضمون والشكل، ويعدّ بعض النقاد هذا الكتاب أول عمل روائي عربي، وقد قورن بأعمال الكاتب الفرنسي فرانسوا رابليه التهكُّمية الدعابية، ففيه يُفجِّر الشدياق طاقات اللغة العربية من خلال كتابة شكل من أشكال السيرة الذاتية بضمير الغائب، أو لنقل رواية من روايات التعلّم، أو كتاب رحلة. بالمقابل ترى عاشور أن ما قدمه الشدياق «في الساق على الساق» هو حداثة مناقضة للحداثة الكولونيالية، بل هو بداية شقَّت الطريق دون أن تحظى بالمتابعة وبما يواصلها ليجعل «من الطريق طريقاً»، ودون أن يحظى الشدياق نفسه بما حظيَ به رفاعة الطهطاوي من اهتمام. فواز طرابلسي وعزيز العظمة ردَّا سبب تهميش الشدياق إلى مواقفه الجذرية من القضايا السياسية والاجتماعية، ومنها مواقفه من المرأة والجنس ومهاجمة الكنيسة والإكليريوس.

تضيف عاشور إلى سؤالها أسئلة أخرى‏:‏ لماذا لم يُعتبر الشدياق الرائد الأول للنهضة، وقد طرح من موقع متقدّم كل القضايا الأساسية، كقضايا الاستبداد المعرفي وحرية المعتقد والتعبير وحريّة المرأة وقضية العلاقة بالموروث الثقافي والعلاقة بالآخر الغربي‏؟ ولماذا لم يتوقّف المغرمون بالحداثة وما بعدها عند القيمة التجريبية المدهشة لإنجاز الشدياق وهو يضرب عرض الحائط بالقوالب الجاهزة ويخلق نصاً يكاد يستعصي علي أيّ تصنيف مسبق بل ولاحق أيضاً؟‏! لماذا لم يتوقف الدارسون لقضايا الاستشراق عند ما قدّمه من نقد لأفكار المستشرقين، فبقي أباً مهمَّشاً لا تُنسب له ذريته ولا تَعرف هذه الذرية أنه والدها؟

في كتابها تعرض عاشور آراء النقاد في الشدياق: مارون عبود اعتبر أنه «أبو الكتاب الأدبي في النهضة الحديثة، وباني دولة أدبية شرقية غربية، وأول من كتب المقالة الصحافية». الأب لويس شيخو صاحب أول إشارة إليه في كتابه «تاريخ الآداب العربية» قال إنه في روايته «لم يراعِ فيها جانب الأدب». أما جرجي زيدان فرأى أنه «مجرد مرتزق وإن عظمت موهبته». وهذا هو المعنى الذي أشار إليه أيضاً أنيس المقدسي في بحثه عن دخول الإنجيلية في الشرق: «لأجل المصلحة يترك المارونية ويعتنق المذهب الإنجيلي، ثم لأجل المصلحة يترك المذهب الإنجيلي ويعتنق الإسلام». أما روايته «الساق…» فرأى المقدسي أنها «سيرة ذاتية تشوبها كثرة الاستطرادات». وبعضهم قال إن الشدياق كان «اشتركياً وعلمانياً»، وثمة من اعتبره «انتهازياً».

كانت حياة الشدياق سلسلة عاصفة من المواجهات، وكان «العقل السلطوي» الذي يحيل التفكير على التكفير، والرأي الآخر على التمرُّد والزندقة. من هذه الزاوية بالذات فسَّر جبور عبد النور الجحود الذي لحق بالشدياق، فالأعاصير الدينية التي عصفت بحياته، واستثارت العصبيات ورسخت الحقد عليه، حاولت طمس مواهبه وفتوحاته الثقافية والفكرية، فما كان من أعدائه وأنصارهم، إلا أن حاربوه، وانتقموا لأسلافهم بإسدال الصمت على كل ما يتعلَّق به، محاولين قدر استطاعتهم سدّ منافذ الطريق الموصلة إليه.

«الغاوون»، العدد 54، 1 شباط 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق