على بساط أحمدي: حيث كل شيء مبتور / مي سكاف

هذه الزاوية تكتبها مي سكاف؛ الفنانة السورية الشجاعة التي انحازت إلى ثورة شعبها منذ البداية، حتى صارت إحدى أيقونات هذه الثورة.

1
قصة حقيقية مؤلمة جداً:

طفلة لم تتجاوز السادسة من العمر رأيتُها تحفر بيديها أحد القبور الحديثة وهي تقول باكية: «خلص طلاع… ما عاد بدي ألعب طميمة»!
أحزنني المشهد كثيراً فاقتربتُ منها، فإذا بوالدها يجلس على حافة قبر آخر والدمع ينهمر بصمت من عينيه وهو ينظر إليها دون أن يزجرها.

حاولتُ حمل الطفلة وإبعادها عن القبر، لكنها رفضت بشدّة. سألتُ والدها عن السبب فروى لي القصة باكياً:

في ذلك اليوم أراد ابني أن يخرج من البيت، لكن أخته هذه منعته، فهي متعلِّقة به كثيراً، وكلما همَّ بالخروج راحت تبكي لتمنعه. فما كان منه إلا أن لجأ إلى الخدعة، فعرض عليها أن يلعبا «طميمة»، فقبلت، ولعبا سوية: هي تغمض عينيها وهو يختبئ، هنا استغل الفرصة وخرج من المنزل. فتحت عينيها وبدأت بالبحث عن أخيها، لكن دون جدوى.

وما هي إلا لحظات حتى رنَّ جرس هاتفي ظاهراً عليه اسم ابني، فتحتُ الخط فإذا بي أسمع أصوات ضجيج وصوت رجل غريب يخبرني بأن ابني قد استشهد برصاص قناص غادر!

شيّعناه في اليوم التالي فشاهدته ابنتي وهو محمول على الأكتاف فنادته فلم يجبها، فقالت لي: «بابا وين آخدينو لأخي»؟

فقلت لها في حيرة: «رح ناخدو حتى يتخبّى منشان تكملو لعبة الطميمة»!

فقالت: «بس أنا ما عاد بدّي إلعب».

فقلت لها : «بس هالمرة».

وأثناء دفنه أغمضت ابنتي عينيها في حجري وقالت لي هامسة: «يالله خلّيه يتخبّى»!

ومن يومها وهي تطلب منا كل يوم أن نأتي إلى المقبرة لأنها تعرف أن أخاها قد اختبأ هنا وهي تقول له: «يا متخبّي احفير وطلاع»!

2
هو كشك في منطقتي حيث أقطن. توقفت مرّة عنده، فارتجف وجهُ صاحبه. هل تتخيَّلون كيف يمكن أن يرتجف الوجه! فاجأني الأمر. اشتريتُ منه وأكملت طريقي. بعد فترة علمتُ من إحدى صديقاتي بأنه شبّيح كبير في حيّنا. ضحكتُ وحكيتُ لها عن رجفة وجهه. عرفت حينها سبب رعبه مني.

هل كنت تتصوّر أيها الكائن أنني أعرف ما يعرفه الحي كلّه وأنني كنت آتية لأقتلك مثلاً؟! ثقافتك هي همجيتك وحدك. كنت سأقولها له حتماً. لكن وبعدما سمعنا انفجاراً كبيراً اليوم وعرفنا أن كشككَ تفجّر ولم يبقَ منه أثر ما عاد بالإمكان أن أقول لك شيئاً. زمن الدم هو لا زمن القول.

3
لم تحتمل السـماء ما صعد إليها من بيــاض قلوب الشهداء، فأعادته ثلجاً بهذه الغزارة إلى الأرض.

4
لم نحلم يوماً بدار للأيتام بحجم وطن!

5
ليس الموت هو ما يؤلم في مخيم الزعتري الآن، بل المؤلم هو تنكُّر الإنسان لأخيه الإنسان، فما أشبهنا اليوم بأخوة يوسف عندما تركوه وراء ظهورهم في الجبّ.

6
طفل بلا رأس، مسجد بلا مأذنة، مشفى بلا طبيب، مريض بلا دواء، شتاء بلا موقد، ليل بلا كهرباء…
هنا سوريا… حيث كل شيء مبتور.

«الغاوون»، العدد 54، 1 شباط 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق