على جزيرة التجريب المقفرة

نشطت في دمشق خلال السنوات الخمس الماضية مبادرات فنية قام بها فنانون ومعاهد أوربية، اهتمت بإقامة ورشات عمل للفنون المعاصرة، تراوحت نشاطات هذه الورشات بين ما هو اختصاصي تقني (فيديو، تصوير، رقص معاصر، رسم ..إلخ) مع مشرف أو معلم ذي خبرة كبيرة ينقل للمشاركين تجربته، وبين ما هو مفاهيمي، أي يعمل الفنانون مجتمعين ليعكسوا المفهوم النظري للورشة، وهنا لا يكون هنالك موجّه لعمل الفنانين، بل يصنع المشاركون أعمالهم من خلال النقاش المشترك وتبادل الخبرات والأفكار.

ما سأتحدّث عنه هو النوع الثاني، ومن طبيعته أنه تبادلي ثقافيّ، نتائجه تكون غير محددة أو معروفة، في هذا النوع من الورشات يتقدم منظّم أو فنان بفكرة الورشة إلى جهة مموّلة، ومن ثم يبدأ في البحث عن مشاركين يعتقد أنّ نشاطهم سيفيد هذه المبادرة.

القوانين السورية لا تسمح للفنان السوري بإقامة مؤسسته الفنية التي يستطيع من خلالها الحصول على تمويل محلّي أو خارجي (جامعات، منظمات فنية، مراكز تمويل..)، وبالعكس من ذلك يستطيع أيّ زائر أوربي التجوّل في دمشق مقترحاً مشاريع فنية وبالطبع فالمموّل على الأغلب سيكون جهة أوربية، وفي السنوات الأخيرة موّل الكثير من اللقاءات التي كانت تحمل أفكار تساير الموضة الثقافية من قبيل (حوار الغرب والشرق) أو (يا فنانين العالم اتحدوا لنصنع السلام..إلخ)، أما الآليات التي تجعل من هذه المشاريع ذات جدوى فنيا وثقافيا فهي أمر آخر، وهنا سيغيب المعنى والجدوى تحت غلاف (طوباوي) براق يسعد السفارات الأوربية الراعية ولا يزعج أولي الأمر المحليين.

ومما يعقِّد التواصل الفكري مع الفنان الأوربي أنه يأتي وهو يحمل تصوّرات مسبقة عن المكان وعن الفنان السوري، فالمكان متأخر ثقافياً وفنياً وهذا صحيح، لكنّ الفنان الزائر لا يترك مجالاً كبيراً لكي يبحث عن أفق جدية للتواصل وللتعرف إلى المكان، بل يأتي بروح المنقذ الذي يحمل ثقافة متفوقة وأيضاً فرصاً كبيرة للحصول على تمويل من مؤسسات أوربية، وبالخلاصة هو يجزم أنه يحقّ له تمثيل المكان ثقافياً، وما على الفنان المحلّي إلا التعاون مهما كانت طبيعة المشروع.

ما هو دور الفنان السوري في كل هذا؟، وهل في الأساس يوجد له فرصة للمبادرة؟ وهو القابع بين مطرقة القوانين المحلية وسندان فنانين غريبين عن المكان، ومع ذلك هم يسعون ليكونوا المقرّر الأول والأخير، وهل يوجد في هذا الطرح أي تجنٍّ على أناس يحملون أفكارا ودية ومبادرات طيبة ستفيد بأيّ حال من الأحوال؟ يستند هذا المقال إلى تجارب واجهها الفنانون في دمشق خلال الأعوام الأخيرة، وإلى همّ فني يحاول ربط أي تجربة فنية بواقع محلي مركب ومعقد، لا أعتقد أن الكثير من المشاريع الزائرة استطاعت الخوض فيه.

يقوم التجريب في الفنّ المعاصر على أمرين، الأوّل: معرفة فنية وثقافية واسعة، والأمر الثاني هو حرية التجريب المبنية على تراكم النتائج، في مجتمعاتنا العربية سيبدو هذا البحث كاريكاتورياً إذا نظرنا بجدية إلى المعطيات، فنقطة البداية مفقودة، وفي النهاية سيبقى الفن أو ما يسمى فناً معاصراً – وهنا يحتاج هذا التعريف إلى بحث – في مجال التوظيف الإعلامي المرافق لتظاهرات ثقافية بروتوكولية، ترعاها الطبقة المخملية الجديدة المصرة على التواجد في كل مكان، في معارض الفن التقليدي وهنا أيضاً في ورشات عمل (الفن المعاصر)، الذي سيجعلها على تماس (ثقافي) مع السفارات ونخبها المشكوك في نواياها ومعرفتها الثقافية، والتي هي في الأغلب مزيج من استشراق سطحي وفوقية تستند إلى أن هذا ( الفن المعاصر) هو نتاج أوربي نقدمه في هذا البلد الغريب عن الحداثة.

ومع ذلك كانت تجربة التعامل مع أطراف أوربية بشكل مباشر، من دون أن تكون المعاهد والسفارات الغربية طرفاً فيها مخيبة أيضا. وهنا سأورد أمثلة لأنشطة كنّا نأمل منها الاختلاف في الطرح وفي التعامل الإنساني، فقبل ثلاث سنوات حضرت إلى دمشق المصورة الألمانية سنا ميركيه باحثة عن مشاركين لمشروعها (RELOADING IMAGING) ، وشرحت خطة المشروع أنها ستكون خطة من خلال الممارسة وفهم المكان وطرق الحياة، وأيضاً من خلال التطور الذي سيطرأ على الصور النمطية التي نحملها، بعد سنتين ونصف على البدء بالتحضير للمشروع سجّلت هذه الملاحظات عند بعض المشاركين السوريين، كانت هنالك مراوغة وتجاهل لمشاركة السوريين في بناء مفهوم ورشة العمل، وأيضاً رفض لمحاولة السوريين المشاركين في الحصول على تمويل محلي مثل بعض الجامعات السورية والأوربية المشتركة، وبلغت الأمور أوجها في التملص من دفع أتعاب الفنانين السوريين، علماً أن السيدة ميركيه كانت قد زارت سورية لأكثر من ست مرات، دفعت تكاليف هذه السفرات مع الإقامة التي كانت تستمر لعدة شهور من قبل ممولين أوربيين، تحت عنوان التحضير لهذه الورشة. ولم يكن الفنان السوري إلا ديكورا لهذا التسكع الثقافي، فالسيدة ميركه مارست هوايتها في السياحة والتصوير الفني طوال السنتين، وحرمت السوري في المشاركة الجدية في نشاط فني داخل بلده، لم ينته الأمر هنا، فعندما بدأت الورشة أعمالها اتصلت كصحفي فني لأغطي أعمالها لصالح جريدة لبنانية، فرفض طلبي قائلين إنهم كانوا ينتظرون الصحفي اللبناني الذي هو محرر الصفحة الثقافية في هذه الجريدة، وفي النهاية عندما طبع كتيّب الورشة طبع في اللغة الإنكليزية، وهنا لا يحق للسوري أن يشارك في نشاط فني في بلده، ولا أن يغطيه صحفياً، ولا حتى أن يقرأ عن هذا النشاط.

وفي عام 2006 بدأ المعهد الهولندي للفنون (DAI ) بمبادرة فنية هي مشروع ورشات عمل تمتد في ستة مدن حول العالم، واختير عنوان لهذا المشروع هو (هنا كمركز للعام)، الجملة مأخوذة عن نص لإدوار سعيد يتحدث فيه عن الآليات الثقافية المحلية التي تصنع نظرتها عن نفسها وعن الآخر من زاوية قد تختلف جداً عن ما قد نتوقعه، فكل مجتمع يقيّم ويحلل الثقافات الأخرى بقدر ما تشابه أو تغترب عن مفهومه للعالم.

وكانت التجربة تقوم ببساطة على الخوض المباشر في مدى صحة هذه المقولة، وإلى أي درجة يستطيع فنانون محليون وأجانب أن ينتجوا مشتركين أعمالا فنية في نفس المكان، بدأ نشاط هذا المشروع في دمشق، ومن ثم استمر في بيروت، والخرطوم ، وتايبيه (تايوان)، ديار بكر (تركيا) وأخيراً إنسخده في هولندا.

بعد هذا الجهد الكبير، ومن خلال نقاشات نقدية لما أنجز على صعيد الفكرة الأساسية للمشروع، كانت آراء الفنانين والمنظمين تتراوح بين الاحتفاء بهذا النشاط، كخطوة لتقريب الثقافات من زاوية (طوباوية)، وبين اعتبار ما حصل ليس أكثر أو أقل من ورشات عمل ترفيهية لن تنجز ما عجزت عنه نشاطات مشابهة تقام في كل أنحاء العالم.

إلى هنا لم يخرج ما حدث عن أي سياق، فكل الأفكار التي وردت في هذا المقال نوقشت خلال الورشة، وكان هنالك تجاوب وتواصل يسجّل لمنظمي هذا المشروع … ولكن عندما أُرسل للمشاركين السوريين نص مقدمة الكتاب الذي هو حصيلة هذا النشاط الكبير، والذي كتبته الناقدة الآيرلندية لوسي كوتر، وهي بالمناسبة المنظرة لهذه الورشة، حدث ما يشبه الصدمة عند الفنانين، فالنص يتحدث عن زيارة هذه الناقدة إلى دمشق وكيف كان الغبار يغطي ما يحيط بها بما يشبه خلفيات التقارير الصحافية في الصحف الأوربية عن الدول الإرهابية (بالحرف الواحد)، واستمر السياق العام لهذا النص بهذه الروح، وبعد إلحاح شديد من قبل المشاركين السوريين تم تغير النص.

هذه أمثلة قليلة توضح صورة المبادرات الخارجية التي تصر على الثبات على صورها النمطية الفوقية، رغم الاحتكاك المباشر، وساعات النقاش الطويلة التي ظننا أنها ستفتح جسورا مشتركة للعمل والإنتاج الثقافي المشترك والجدي.

لكن ماذا لو كان الفنان السوري قادراً على المبادرة وعلى خوض تجربته ودعوة الآخرين، ولو كان ممتلكاً لمشروعه من غير أن ينتظر أن يدقّ آخرون أبواباً موصدة في وجهه، لكنها تفتح لهم بما يشبه السحر، ويُستخدَم هو دائماً كخلفية ليست إلا شكلا لنشاطات الآخرين في بلده، نشاطات نكتشف فيما بعد أنها لم تكن أكثر من سياحة ثقافية سيعيد تقييمها الآخرون كما يرغبون عند عودتهم إلى بلدانهم، ويبقى هو أعزل من أيّ تقييم، ومن دون أيّ نقد جدّي يراكم تجربته الجماعية الخاصّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق