على هامش ملف الثورة الداروينية

كما تلتبس أغلب مفاهيم العلوم الإنسانية في شتّى فروعها ومجالاتها، ثمّة إشكالات هائلة حول التباس المفاهيم المرتبطة بتطوّر النوع البشريّ، وبالتالي حول العلوم التي تعنى بتاريخ الإنسان وتحاول الكشف عن قوانين تقدّمه ورقيّه، كالأنثروبولوجيا والتاريخ بمعناه الواسع جداً وفلسفة الحضارة وغيرها، ممّا يجعل الخلاف بين مفكّري الحضارة وفلاسفتها يتعيّن بالدرجة الأولى في اختلافهم على تحديد المفاهيم ذاتها، وأوّلها مفهوم الحضارة الذي يحتلّ مكانة مركزية بين هذه المفاهيم، فهو الموضوع الذي تدرسه هذه العلوم، بالإضافة إلى أنّ تحديد ماهيته هو الخلاف الذي تتعدّد على إثره فلسفات الحضارة والرؤى الأساسية فيها.

من جهة ثانية، يضرب الغموض والاضطراب عميقاً في بنية مناهج الدراسات الإنسانية وعلومها، الأمر الذي جعلها مضطرّة في أغلب الأحيان إلى الاستفادة من مناهج العلوم الأخرى، تارة يغريها يقين العلوم الطبيعية ودقّتها، وتارة أخرى تحتاج إلى شمول المناهج الفلسفية وتعدّدها وعمقها، لذلك احتلّت مشكلة المنهج بحدّ ذاته مساحة واسعة في دراسة المشكلات الإنسانية، وذلك بالمقارنة مع ما تحتلّه مشكلة المنهج في حقل العلوم الطبيعية. وبما أنّ التحديد الدقيق لأيّ علم يتطلّب تحديد موضوعه أوّلاً ثمّ منهجه، فقد غلبت المعرفة الفلسفية في تعريف موضوعات العلوم الإنسانية وتعيين ماهياتها، بينما غلبت على طرقها سمات مناهج العلم الطبيعيّ من جهة دقّتها ويقينها.

وتبرز أولى إشكالات تحديد ماهية “الحضارة” في تضمّنها للمعنى الإيجابيّ الذي ينعكس على تعريف الحضارة نفسها، وعلى المفاهيم الأخرى المرتبطة بها، “كعملية التحضّر” و”الإنجاز الحضاريّ” و”الكائن المتحضر”، وهذا ما يجعل في القول “بالحضارة” مصادرة أولية على معناها، وبالتالي على طبيعتها وافتراض بعدها القيمي، فيشكّك في موضوعيتها، أي في قابليتها لأن تكون علماً قادراً على تحديد موضوعاته واستخراج قوانينه.

ويفترض القول بالحضارة، كمفهوم قيمي إيجابيّ، وضع المفهوم المناقض، أو المضادّ، له. ذلك أنّ كلّ قيمة لا تعرف إلا بقيمة أخرى تقابلها وتتمايز عنها. وبما أنّ الوصف القيمي هو في جوهره إطلاق حكم، فإنّ كلّ حكم قيمة مثبت يضمر داخله حكماً آخر منفياً والعكس بالعكس. أي أننا عندما ننسب إلى الحضارة إنساناً أو أمّة أو حقبة تاريخية فنحن أيضاً ننفي النسبة ذاتها عن أناس أو أمم أو حقب تاريخية أخرى، وهذا ما يثير خلافاً متقدّماً حول نسبية الصفة الحضارية أو إطلاقيتها. وإذا ما أردنا تناول مفهوم الحضارة الإنسانية من هذه الجهة، فإنّ الأحكام التي يتضمّنها هذا المفهوم (حضاري – غير حضاري – بدائي ….) لا تتعلّق في هذا المستوى بالمقارنة بين زيد وعمرو في نفس الزمان والمكان، ولا تتعلّق أيضاً بالمقارنة بين أمّة زيد وأمّة عمرو، أو بين لغتين أو دينين أو ثقافتين مختلفتين تنسبان إلى أيّ من الأمّتين. إنّ مفهوم “الحضارة الإنسانية” لا يقف على المقارنة الحاضرة، بل يرتبط بالإنسان كنوع حي تجاوز عمره على سطح الأرض ثلاثة ملايين عام، لذلك لا تقارن أحكام هذا المفهوم بين أجداد زيد وأجداد عمرو، بل تقارن بين زيد وعمرو من جهة، وبين أجدادهما الذين توالدوا خلال الثلاثة ملايين سنة الماضية، والذين كانوا قبل مئة وخمسين ألف سنة (عمر اللغة) يعيشون بلا أسماء، أو في أفضل الحالات بأسماء سقطت معهم عندما سقطوا ميّتين.

إنّ ربط مفهوم الحضارة بالتقدّم الزمنيّ جعل الحضارة البشرية منظوراً إليها على أنها اطّراد في الارتقاء وتحسّن النوع دائماً، ولكن ليس على صعيد التطوّر البيولوجي للكائن الحيّ كما أسسته النظرية الداروينية، ذلك أنّ فضل التطوّر العضويّ لا ينحصر حسب داروين في الإنسان دون غيره من الأحياء. وإذا كان التطوّر البيولوجيّ للإنسان فد انعكس في تطوّر ملكات عقله وقوى تفكيره، فإنّ الإنسان نفسه تمثل المعيار العقليّ لا ليقارن بين الجنس البشري والأجناس الحية الأخرى، بل ليقارن بين أجيال الجنس البشريّ ذاته، جاعلاً من درجات ارتقاء الكائن الإنسانيّ مراحل مستقلّة ومتمايزة عن بعضها نوعا وكيفاً، فصارت الحضارة تقابل البدائية، وصار الإنسان المتمدّن يقابل الإنسان المتوحّش، حتى لقد صرنا جميعاً مزهوّين وفخورين أنّنا ولدنا في هذه المرحلة “الاستثنائية” و”المميّزة” و”بالغة التطوّر”، كأنّما نهرب من أن ننسب إلى أجدادنا ضيّقي الجبين وكثيفي الشعر، الذين كانوا “لا يتعفّفون” حتى عن أكل لحوم بعضهم (!).

ومن النظريات الطريفة التي حاولت ربط الحضارة وتقدّمها المضطرد والمتطوّر دائما عبر بالزمن، نظرية “السنة البشرية الواحدة”، تقوم هذه النظرية على أنه إذا افترضنا أن عمر الإنسان على سطح الأرض ثلاثة ملايين وستمائة وخمسين ألف سنة (وهو افتراض لا يخرج عن التقدير العلمي لعمر الإنسان)، ثم نظرنا إلى هذه الفترة كسنة واحدة كاملة، فإنّ كلّ يوم في هذه السنة يعادل عشرة آلاف سنة من عمر البشر، أي أن الألفي سنة الأخيرة التي نعيش فيها والتي نؤرّخ بها أيامنا منذ ميلاد المسيح تعادل خمس يوم واحد (خمس ساعات تقريبا) من تاريخ البشرية كلّه، وأنّ الأربعمائة سنة الأخيرة، والتي تبدأ معها العصور الحديثة تعادل ساعة واحدة فقط من أصل عام كامل، فإذا كان تقدير ما أنجزه الإنسان في هذه الأربعمائة سنة الأخيرة يصل إلى أكثر من تسعين بالمائة من مجموع “التطور” الذي أحرزته البشرية، فهذا يعني الإنسان الحالي قد أنجز في ساعة واحدة عشرة أضعاف ما أنجزه أسلافه خلال عام كامل.

أليس مغرياً، بناء على غواية النظرية السابقة، أن نتوهّم أنّ الإنسان الحالي هو، وبكلّ المعايير، الإنسان الأكثر تفوّقاً ورقياًّ؟! وأنه “سوبرمان” حقيقي يتميّز بالذكاء الذي يوفّر له تكيفاً عالياً وقدرة هائلة على السيطرة على الطبيعة والتحكّم فيها؟ إنّ الإجابة بالإثبات على هذا السؤال تبرّر أن تكون مراحل ارتقاء الجنس البشريّ معايير تتأسّس عليها درجات مختلفة ومتمايزة في الإنسانية، مرتبة ترتيباً قيمياً من الأدنى إلى الأعلى، فيكون الإنسان الأول في أدناها والإنسان الحالي في أعلاها. ولأنّ مثال الحضارة لا يمكن أن يكون مفارقاً لأنّه ليس مجرد تصوّر عقليّ فحسب، بل ومرتبط بالمادّة بشكل أساسيّ ينعكس في الآلة والبناء والفعل (البراكسيس)، فإنّ أعلى نماذج الحضارة هي آخر ما حقّقه الإنسان في هذه المجالات، أي إنساننا نحن. ولكن البشر الحاليين، ضمن مناطقهم ومجموعاتهم الكبرى ودولهم وفئاتهم، غير متساوين في امتلاك أشكال الحضارة ومنجزاتها ومظاهرها، وهذا ما يجعل الأقلّ “تحضّراً” ينظرون إلى الآخرين على أنّهم القدوة، بينما ينظر الآخرون إلى الأوّلين على أنهم التابع.

لذلك لم يقع ظلم هذه الأوصاف السلبية القيمة على أجدادنا السالفين فحسب، بل لقد اعتاد الإنسان بعد أن أتقن نحت كلّ المفاهيم المتعلّقة بالحضارة (سواء الإيجابية كالتمدّن والتحضّر والرقيّ والتقدّم والتطوّر، أو السلبية المقابلة لها كالتوحّش والتخلّف والدنوّ والتأخّر)، أن يطلقها ويسمّي بها غيره ممّن يعيشون في زمانه وهو يشعر أنه متميّز عنهم متفوّق عليهم، لتصبح هذه المفاهيم معايير لتراتب الإنسانية وتمايزها وتفضيل بعضها على بعض. ثم جاء من يظن أنه متفوّق فأعطى نفسه حقوقاً يحرم منها غيره، وكلّف غيره بواجبات يتنصّل هو منها، حتى صار “المتفوّق” يتصرّف في حياة الآخرين وموتهم، ويملي عليهم طريقة عيشه ليتمثّلوها ويقتدوا بها، وهو يظنّ في نفسه ممثلاً عن الإنسانية، ويعتقد في أفعاله رسالتها وغايتها، ثم لا يلبث هذا الاعتقاد أن يتحوّل إلى وهم بالوصاية التي تجوز له على الآخرين، فيصنع من الاستعباد تحريراً، ومن الاحتلال فتحاً أو استعماراً، وهذا ما فعله الرومان في بلاد الرافدين وشمال إفريقيا، ثم فعله العرب في إسبانيا، والصليبيون في فلسطين، والأتراك في أجزاء مختلفة من قارّات العالم القديم الثلاث، وما فعله الاستعمار الحديث في الهند شرقاً، أو في الأمريكيتين حيث الهنود الحمر غرباً، إضافة إلى “الرسالة” التي تؤدّيها أمريكا في الخليج والعراق حالياً.

لما قام اليهود في فلسطين خلف أنبيائهم الملوك أطلقوا على الآخرين من حولهم صفة الأميين والأغيار، وقسّم اليونانيون البشر إلى إغريقيّ أو بربريّ، أمّا المسلمون فكرّسوا إطلاق مقولة “الجاهلية” على من سبقهم من العرب، فصار الإسلام كل ما يضّاد الجاهلية، وهكذا دواليك يستمرّ “ركب الحضارة” القاتل، وصولا إلى الأميركيّ الذي يزرع بندقيته حيث يريد، ويقول: (America is miracle). وستبقى “الاستعمارات”، التي حملت على سيوفها أفكار التقدّم الحضاريّ، شاهدة في كلّ مكان على أنّ أقسى الحروب وأكثرها دموية إنما قامت باسم الحضارة والتمدين.

ولم تصب لوثة الشعور بالتفوّق الحضاريّ الشعوب من خلال تفضيلها لأعراقها أو أديانها فحسب، بل ولقد أصابت الفئات والجماعات والطبقات والجهات أيضاً، فصار الأسياد حكّاماً على الموالي، والفرسان حماة للأقنان، والأثرياء متفضّلين على الفقراء، والنخب أذكى من العوامّ وأرفع درجة، والشمال أرقى من الجنوب، والغرب أكثر عقلانية من الشرق، حتى لا تكاد تجد جماعة أو فئة أو أمّة، إلا ويظنّ من ينتمون إليها أنهم أفضل من كثير غيرهم.

لذلك، يبدو أنّ الشعور الحضاريّ شعور مزيّف وخادع، رافق امتلاك الإنسان للقوة والقدرة، وأسهم في تشريع عنفه وقوننة تسلّطه واستبداده، فغدا السير في ركب الحضارة ليس أكثر من الاستسلام لخدر القوّة وسكرة البطش، وهذا ما يدفع كلّ فئة تصيب من “الحضارة” نصيباً إلى أن تسرع فتلعن من حولها ليس على مستوى القول فحسب، بل وتسومهم استعباداً وقتلاً وتشريداً. غير أنّ هذا السلوك البشريّ ليس حديثاً ولا طارئاً على مسيرة الحضارة البشرية، بل ربّما كان متأصلاً في طبع الإنسان الغاشم والمعتدي، والذي لم يستطع كلّ هذا “التقدم الحضاري” أن يكبحه، ولكنّ التاريخ لم يحفظ لنا من الشواهد سوى بضع وقائع وأحداث مرّت في الساعات المتأخّرة من “السنة البشرية الواحدة”، أي في مرحلة ما بعد الكتابة والتي لا تتجاوز العشرة آلاف عام.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق