على هامش منع المآذن / حازم صاغيّة

لم يخطىء الذين انتقدوا نتائج الاستفتاء السويسريّ، مسلمين كانوا أم غربيّين. فنحن، هنا، نرى الوجه الآخر للنسبيّة الثقافيّة حيث تنعدم المعايير المشتركة، فيتعايش حقّان متعارضان، ويصير لكلّ «قبيلة حديثة» حقّها المناقض لحقّ الأخرى وذهابها فيه إلى المدى الأبعد!.

فرفض مآذن لا يزيد عددها على الأربع، تتقيّد في الصوت المنبعث منها بما يجيزه القانون والعرف المتّبعان، سخافة في أحسن أحوالها، وعنصريّة في أسوئها. والأردأ أن يقول غير مسلمين للمسلمين كيف عليهم أن يصلّوا: بجامع بلا مئذنة أو بجامع ومئذنة. والأردأ على الإطلاق صرخة الحرب باسم «أسلمة سويسرا» على أيدي 400 ألف مسلم، وذلك بعد تفنّن سقيم في قراءة الأبعاد العسكريّة والنفسيّة والرمزيّة للمآذن!.

وكان في الوسع تفهّم المنطق هذا لو أنّه هبّ في وجه الرموز والعلامات الدينيّة جميعاً. فكنّا، والحال هذه، في مواجهة راديكاليّة علمانيّة، أو إلحاديّة، يُتَعامَل معها بصفتها تلك. أمّا الآن، فلن يصعب تعيين ما جرى بوصفه هجمة على الإسلام، رأسُ حربتها اليمين المتطرّف لكنّها تتعدّاه في القوى المؤيّدة والمتعاطفة.

وهنا تتداخل عناصر في الخلفيّة التاريخيّة، السويسريّ منها والأوروبيّ: فسويسرا، على رغم حيادها في الحرب الثانية، لم تبرأ من دعوات سلطويّة تماثل أخواتها الألمانيّة والإيطاليّة. كذلك تحايل بعض صناعيّيها على الحياد منتجين موادّ حربيّة لألمانيا النازيّة، وابتلعت مصارفها ودائع ضحايا المحرقة خلال الحرب وبعدها، ما استدعى، قبل سنوات قليلة، دعاوى قضائيّة شهيرة. وهذi جميعاً لم تتعرّض لأيّة مراجعة من النوع الذي تعرّضت له ألمانيا. وبالنتيجة، لم تنجح سويسرا، ذات التجربة المرجعيّة في التعدّد الداخليّ، في إنتاج ثقافة متسامحة للتعدّد مع ما هو خارج تقاليدها ولغاتها ودينها.

أمّا أوروبيّاً، فانتهى زمن المعركة مع المسيحيّة بالانتصار عليها. هكذا تراجعت الحاجة إلى الاستعانة بالثقافات والأديان الأخرى لكسر الديانة الأوروبيّة الأولى، كما تقلّصت الرغبة في احتضان أيّة تعدّديّة متوافرة من أجل مناطحة الأحاديّة المسيحيّة.

كائناً ما كان، فالذين يخوضون المعركة ضدّ إسلام المهاجرين في ظروف الأزمة الاقتصاديّة، يفوتهم ما بذلته أوروبا من جهود لإقناع شبّان العالم الإسلاميّ بالهجرة إليها في ظروف التوسّع والبحبوحة للخمسينات والستينات. بيد أن التغيّر لم يطرأ على أوروبا فحسب بل طرأ أيضاً على المسلمين، ومن هنا، تحديداً، ينشأ استسهال مصادمتهم، على ما حصل في سويسرا.

فإذا كانت جريمة 11 أيلول (سبتمبر) قد شكّلت فاصلاً بارزاً، فهذا ما واكبته تحوّلات موازية مقلقة. ذاك أنّ العامل الذي كان يهاجر شمالاً، بوصفه فرداً يبحث عن عمل، غدا يقيم هناك بوصفه جزءاً من جماعة ومن هويّة جماعيّة. وقد أريد للهويّة تلك أن تُرسَم نقيضاً للحداثة وللعلمنة ولفكرة الدولة-الأمّة وسائر ما قامت وتقوم عليه الثقافة الغربيّة المعاصرة.

وفي هذا غابت تماماً فكرة النموذج المتقدّم الذي نقصده للعمل كما نقصده للتعلّم، ويقصده أغنياؤنا للاستشفاء أو غير ذلك. هكذا حصل انفصام مذهل إذ بتنا نتحدّث بصوتين: واحد للإنكار نستخدمه قائلين إن ذاك النموذج ليس فقط سيّئاً، بل هو أيضاً نموذج معادٍ، وصوت آخر للمطالبة بالحقوق والمساواة وسائر ما يعلّمنا إيّاه نموذج الحداثة نفسه!.

وأخطر من هذا أنّ الإسلامويّين لم يقدّموا الإسلام كدين يُعامَل بموجب ما تُعامَل به الأديان، بل قدّموه كمشروع جهاديّ يحضّ خصومه والمختلفين عنه على مجاهدته. وحتّى في تصوير الدين ذاته، طغى مفهوم الجهاد على تاريخ الإسلام في عصور ازدهاره، فتقلّصت الحضارة الأمويّة والحضارة العبّاسيّة وأعمال الترجمة والفقه والقانون لتُختَصر في بضع عبارات شعاراتيّة وحربيّة. وبدورها، باتت فلسطين والشيشان وأفغانستان والعراق والبلقان عناوين فرعيّة ضمن مشروع لا تُعقل مطالبة العالم الغربيّ بألاّ يخشاه.

وربّما كان الإسلاميّون قلّة عدديّاً، إلاّ أنّهم بنشاطيّتهم الحركيّة وانجذاب الإعلام إليهم، تحوّلوا الصوت المسلم الأبرز الذي لا يضارعه صوت آخر. ولأنّهم هم الذين يرعون فكرة الهويّة الجماعيّة، نجحوا في تعطيل الأصوات الناقدة لهم وإشعار أصحابها بأنّهم خارجون عن «الجماعة». هكذا صار رأيهم في المسائل هو «رأي الإسلام»، كما بات يُنظر إلى الخجل في نقد ارتكاباتهم كدليل على تواطؤ إسلاميّ شامل معها.

والذين صوّتوا ضدّ المآذن لا يريدون أكثر من هذا.

عن جريدة الحياة 5/12/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق