علينا ألا ننسى شرقنا، رغم أننا أكلنا التفاح الذي في فردوسه

يُعرض ويشاهد هذه الأسابيع في العالم فيلم عظيم عنوانه “بابل” يستعير فيه المخرج أليخاندرو غونزاليس إيناريتو حكاية “بابل” التوراتية التي تروي معاقبة الله لطموح البشر إلى بناء برج عال لجعل اللغة عائقا يحول دون تحقيق الحلم. وقد أكّد المخرج أن فيلمه بابل هو نتاج وعيه لفكرة انه يعيش في منفى. ولذلك، ف”بابل” لا يجد تأويلا آخر بعيدا عن فكرة الحدود الرمزية. وأني أجد فكرة تخاطرية خالصة بيننا و بين مخرج “بابل”. ففكرة الحدود الرمزية وهل أن اللغة هي العائق أموجهة النظر ؟ هي هاجسنا اليوم في عالم أصبحت كل الأقليات فيه تنقب عن جذورها وعن لغتها وتنوعها الثقافي وامتدادها التاريخي وهوياتها، عالم “الهويات القاتلة” والانفتاحات القاتلة. والبوابة الكبرى لهذا البحث المحموم هي اللغة وهي فكرة الحدود الرمزية، لأن لا أحد يتكلم عن الحدود المادية فعلى بوابتها يقف الجنود المخيفون. راياتهم فوق رؤوسهم. لكن، هل ترون الجنود الذين يقفون على البوابات الذهنية ؟ البوابات اللسانية ؟

نعود مرة أخرى لتأكيد أن الشاعر هو رجل مخاطر وقسمة. لا يقتسم فقط اللغة والأفكار والأحاسيس مع الآخرين. بل انه يقتسم معهم الأوطان أيضا في سياق لا يشبه السياقات. سياق تأزيم العلاقة مع الآخر وخيبة كل المفاهيم التي تدور في فلك هذه العلاقة. سياق تقوم فيه الكلاب بشم العابر في المطارات والسماح له بالدخول أو بعدمه. وسياق تجري فيه توظيفات سياسية وأداتيه للتراث واللغة والدين والعرق والتاريخ.
إن الهجرة خارج المحيط الألسني والاجتماعي قد ينتج عنها المنفى في الجسد والثقافة واللغة. كما قد ينتج عنها اغتراب الموضوع عن اللغة واللغة عن الموضوع. ومن أخطر النتائج الموت في الأمكنة الأخرى في “خارج الأوطان، كل الأمكنة صالحة للموت”، حسب تعبير الكاتب الشيلي من أصل عربي “محفوظ ماسيس”.

في عالم اليوم، ظهرت لدى الشاعر وساوس جديدة وهو تحت سماء أخرى. فالمؤسسات اليوم أصبحت تسبب للأدب الذعر وتشله، تزعجه أيضا طبيعة تأثيره في القارئ. لكننا عرفنا عن مؤسسات الأدب والثقافة في فرنسا وعن قرائها شيئا آخر. فتلك المؤسسات عطوفة وواثقة من نفسها، بدءا من دور النشر وباقي وسائل الإعلام. فهي تبدأ في التصرف كما يتصرف الأديب. يعطيها كتابا تعطيه مكانة أدبية. وهذا ما يقلل من إحساس الكاتب بكونه “غريب بين الغرباء”. على تلك الأرض مرّ العديد من الغرباء: بليز ساندرار، فيليب جاكوتي، ميلان كونديرا، الطاهر بن جلون، كلود ليفي ستراوس، تسليمة نسرين، جمال الدين بن الشيخ، جورج بهجوري، عبد القادر الجنابي، خالد المعالي، شاكر لعيبي، صمويل شمعون، محمد برادة، إلخ. لكن، هل كل من يقيم تحت سماء ليست سماءه هو مغترب ؟ مهاجر ؟ ألا ينبغي أن نكف عن إطلاق هذه المفاهيم العمائية في كل مناسبة، وكما يقول الفرنسيون ” يجب أن نكف عن رشها على كل أنواع الصلصة”.

شيء واحد يخيم على مخيلتي. إن هؤلاء الأدباء في المهجر يعيشون لحظات فكرية مهمة في تاريخ البشرية. لحظات خاصة عظيمة و شاسعة فيها الكثير من كل شئ. الكثير من الأدب، من السجال، من التسكع، من التكنولوجيا، من الاتصال، من الخوف، من الصبر والأناة، من السياسة، من التمييز العنصري، من الحنين، إلخ. الكثير من كل شيء وترضى به، بدءا من هويتنا إلى لغتنا.

كل من يذهب إلى فرنسا (أو أي بلد أوروبي آخر) بمقدوره أن يغير شيئا فيها، تعميقا للروح الحضارية العظيمة للأخوة الإنسانية التي تجمع بيننا .

كانت دروس كلود ليفي ستراوس تُلقى ضمن كرسي اسمه ديانات الشعوب غير المتحضرة وقد غيّر هدا الاسم ليصبح ديانات الشعوب بلا كتابة، وهاكم السبب: ذات يوم كان يتحدث عن عادات شعب إفريقي، فقام مستمع أسود وقال له: “إنني أنتمي لذلك المجتمع ولست موافقا على تأويلك”.
وقد دفعت ستراوس حادثتان أو ثلاث من هذا النوع إلى تغيير اسم الكرسي إلى “ديانات للشعوب بلا كتابة”، فليس من الممكن القول إن الذي يأتي لمناقشة الفرنسيين في السوربون “غير متحضر” !

هذا هو المناخ الفكري والنفسي الذي يحكم عقل وخيال كل أديب يذهب إلى فرنسا. بعيدا عن اللؤم الذي نتحدث به عن كل من يذهب إلى فرنسا لأنه لم يجد عملا في بلده. وهذه التهمة بالتحديد هي التي وجهت إلى ستراوس عندما عاد من الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرنسا، حيث أن المنظور الأمريكي لا يمكنه تفسير العودة إلى أوروبا إلا على هذا النحو !

المهاجر هو من يستطيع التأقلم. هو من يسعى إلى شيء من أجل الحصول عليه، في هذه اللغة أو تلك، في هذه الثقافة أو تلك. هو من يعرف أن الهوية شيء خادع بما في ذلك الهوية الأسلوبية، حسب تعبير الكاتبة الكندية المقيمة في فرنسا “نانسي هيوستن”. والمهاجرون والمغتربون يعرفون ذلك أكثر من أي أحد آخر. فهي الكاتبة الوحيدة التي اعترفت بجرأة، أن لغتها الفرنسية التي تكتبها لها كل مميزات وعيوب اللغة المكتسبة. فنصوصها الأولى التي كتبتها بالفرنسية، تستجير بما أطلق عليه “جاك لاكان” و”هيلين سيكسو”: “ألعاب على المعنى”، ولذلك دلالة الإنصات الهوسي للغة، إنصات الأجنبي، المنتبه أكثر للاحتكاك والتوافق الصوتي للغة، أكثر من إنصات من كانت تلك لغته الأم.

وإذا أتينا إلى الأفكار، يكتشف المغترب أن اكتشافاته مضحكة. ففي اللغة الأجنبية ليست هناك أفكار متعارف عليها، فكل الأفكار غرائبية. كان “بيكيت” يقول عن الفرنسية: “لم تعتدل تلك اللبؤة التي تفقدني صوابي”. وقد كانت فرنسية الفرنسيين تبدو له رطانة مليئة بالعيوب والكتاب الفرنسيون مجرد عبيد خاضعين لخدمتها. وهنا وجد نفسه أمام “الدرجة الصفر” من الكتابة، بحسب التعبير الشهير لرولان بارت.

لنعترف. لقد أصبنا اليوم بمرض خطير: نطيل الحديث لكننا لا نجد الكلمات المناسبة. ولا نجد هذه الكلمات إلا عندما نكتسب “خبرات الذعر”. و هذه الخبرات تجدد باستمرار بحيث يبدو كل ذعر قديم لا جدوى منه، فالعالم مليء بالإشارات الشريرة. والغرب الذي نهاجر إليه شيء يثير الذعر اليوم لأنه كان فينا. كان “غربا داخليا” نتداوله بنوع من التحريف الذي جعله يبدو غير واقعي. فنحن نغادر من بلدان أغرقت كل شيء في نوع من الغرابة لا نعرف معناها في غالب الأحيان. نهرب من جغرافيات بدأت تفقد كل شيء من الخيرات الطبيعية والرمزية إلى الالتزامات الأخلاقية. جغرافيات مليئة بالكوابيس الثابتة والدائمة حيث حتى “التنفس يصبح عسيرا”. والكاتب يتجنب كل عنف يمكن أن يصيبه، فيهرب من الاستبداد، من الحرمان من الحقوق، من التزييف الإعلامي، من انتهاك القوانين والدستور، من ظلم القضاء، من التزوير الانتخابي… لكن عليه، وهو على أرض الأرصفة والحدائق الجميلة والشقراوات، ألا ينسى كلمة جميلة هي “الشرق”. كلمة يصعب نسيانها. فحتى هذا الغرب، من الأحداث المفصلية في تاريخه أنه اكتشف الشرق. وسأذهب مع “بورخيس” وأقول إنه لا بد من التحدث عن وعي مستمر للشرق. وهو وعي شاسع، ثابت، ساحر وفي نفس الآن عصي على الفهم. لا يجب أن نتخلى عن هذا الشرق. فهذه الكلمة بمحض الصدفة تحمل كلمة (orient) (or)، أي الذهب. ومن يفرط في الذهب ؟ لكن، يا للحسرة إن هذا الشرق أصبح جغرافيا تضم إسرائيل. ورغم ذلك، فكل من زار إسرائيل لم يشعر فيها بالشرق رغم أنها على أراضي الشرق. في حين يمكن أن تشعر في غرناطة وقرطبة بالشرق. إنه شيء ثابت نشعر بحضوره في كل مكان، رغم أننا غير قادرين على تعريفه. إنه ساحر يحضر في بيتك في باريس أو ميونيخ بمجرد أن يكون في مكتبتك كتاب “ألف ليلة و ليلة”، أمامك سلسلة من الحكايات مسرحها بغداد التي أصبح فيها الناس اليوم إما أموات أو أحياء يودعون الحياة.

الغرب اليوم يقوم بهجوم على الحضارة. وفي المستقبل سيتكلم الكتاب والشعراء والمؤرخون ويعتبرون “الغرب تجربة مخفقة”، وإن كل ما يقوم به اليوم سيهمل قريبا مثل المرحلة الأولى لصاروخ.

قلت سابقا إننا نتحدث مطولا دون أن نجد الكلمة المناسبة، وهي الآن تحضرني: علينا ألا ننسى شرقنا. فحتى إضفاء المثالية على قتل الطغاة ليس جزءا من أخلاقه، بل هو جزء من الأخلاق السياسية لليونانيين والرومان. علينا ألا ننسى شرقنا، رغم أننا أكلنا التفاح الذي في فردوسه.

أليست الكلمة الفرنسية désorienter تعني فقدان الشرق ؟ في حين أن فقدان الشمال يعني “نسيان ما كنا ننوي قوله”.

إن نانسي هيوستن على حق تماما حين قالت: “الشمال صورة متخيلة. صورة لكي نقول إن الجو هناك بارد و إنه لا يوجد هناك أحد”.

النشيد الوطني الكندي يقول: « the true North strong and free »، أي “الشمال الحقيقي قوي و حر”. ونحن نريده أن يبقى قويا وحرا، لا قبورا تأتي إلى شرقنا كل يوم، في كل ساعة. معذرة، قد لا يبدو حديث الشرق والشمال حديث كتاب، بل حديث جنود وعسكر.

حين يهاجر الكاتب، يصبح غنيا بهويته المتراكمة والمتناقضة. إنه متعدد في الواقع، لأنه كان في الشرق و أصبح في الشمال. لأنه ولد هنا وكبر هناك. لأنه كتب بالعربية وهجرها ليمارس الحب مع لغة أخرى. فليس في الأمر خيانة (حاشى الله). تعبر الكاتبة الفرنسية “أني أرنو” بطريقة جميلة عن مثل هذا الانفصال: “الآن، ما يخصني من قريب بعيد عني”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق