علي زيعور والتحليل النفسي: أدبـاء ومفكـرون فـي المـرآة / احمد زين الدين

يصبو د. علي زيعور إلى إرساء بناء مشروع عربي في التحليل النفسي، كما في الفلسفة. وهو في مؤلفاته العديدة التي تتعدى الخمسين كتاباً، قارب مذاهب علم النفس ومناهجه وحقوله وفلسفاته. كما عكف على الخطاب التربوي، ولغة الجسد والتواصل، وأنماط السلوك السوي وغيرالسوي، وتأويل الأحلام والرموز، والخطابات الشفهية والهوامات والمتخيلات، وتحليل الإناسة الدينية والعقلية الصوفية والأوليائية والأنبيائية، والفلسفة الإسلامية.

وعاين الشخصية العربية في كافة تجلياتها وتصرفاتها، وطريقة حديثها وتعبيراتها، وفي تعافيها وانجراحاتها، وفي يقظتها ونومها، وفي اعتدالها وشططها.

إن هذه المروحة الواسعة من الموضوعات تجعل كتاباته تنحو إلى الموسوعية، وإلى تعميق حقل النظر، وسبر موضوعات سبق أن تناولها اكثر من مرة. ومن يقرأ كتاباته يلمس فيه هذا التوثّب الفكري، وهذا الفضول المعرفي، ولا سيما ملاحظاته النفسية الثاقبة، الراصدة للظواهر والأشخاص والسلوكيات. فهو يتابع كل ما يدور حوله، ويحمله على التأويل والترميز والتفسير والمقارنة. فالسياسي في إشاراته وردود فعله، والمذيع في تلعثمه، والطالب في ملامحه وإختلاجات وجهه وحركات يديه، والصديق في توتره وارتباكه، اوتصنّع ابتسامته، عناصر في المعادلة النفسانية، يحللها في مختبره النفساني، ويقرأ فيها عوراض تدل على انكفائية هذه الشخصية أو تلك، اوعدائيتها،او نرجسيتها،او اكتئابيتها،او هروبيتها،او انكسارها، او غيرها من عوارض التعرية والكشف النفسيين.

وهو في آخر كتاب له بعنوانه المسهب «التحليل النفسي وعلوم النفس والفلسفات النفسانية…» ( دار النهضة العربية) يضع الشعر والأدب والفن تحت مجهر التحليل النفسي، إلى جانب إشكاليات أخرى، مثل التنشئة الأخلاقية والديناميات التربوية، وقواعد الصحة النفسية عند المرأة والطفل والعائلة. وإسهامات المدرسة العربية في التحليل النفسي، على أيدي زملائه وأصدقائه، او خروج بعضهم عن نهجها ومبادئها وطرائق مقارباتها، والنفسانيات داخل الفلسفة الإسلامية التقليدية، وعلم السيرة الذاتية، وهيمنة اللامعقول والسحري، والرؤية الشعرية وإمكانياتها المستقبلية.

إن ما يطمح إليه زيعور، هو إعادة تأهيل العرب أفراداً وجماعات داخل مشروع حضاري عربي إسلامي، يقوم على التكيّف الإيجابي المرن، المتساوق مع الشروط الكونية والبشرية، والمتوازن مع التصور العربي الإسلامي للإنسان والوجود والمعرفة والهوية القومية والدينية. وفي رأيه أن الثقافة العربية تشكّل أرضية خصبة لازدهار علم النفس التحليلي وعلم الترميز والأحلام.

المسار التغريبي

والبارز في كتابه الجديد، أنه تحت وطأة هذا التصور المذكور، لم يتوان عن أن ينتقد وبحدة أحياناً، المسار التغريبي الذي يسلكه بعض الباحثين والمفكرين العرب، وما يمارسه بعض المحللين النفسيين من تجريح وتأثيم وتحقير للإنسان العربي. وهو يتناول مطولاً مصطفى صفوان كأحد السائرين في هذا الدرب. وإذ يتفق مع صفوان في تشخيصه لبعض الأوضاع والأفكار في الوطن العربي، مثل الأمية والتخلف، واعتلال العقل المدني والسياسة العصابية، بيد أنه يختلف معه في التفسير، وفي النظرة إلى الفضاء الثقافي العربي الإسلامي، غير القادر في رأي صفوان، على احتضان التحليل أو العلاج النفسي. والى قصور المفردات العربية الفصحى عن استيعاب أو ترجمة المصطلحات التحليلنفسية ترجمة امينة ودقيقة. وكالعادة يدفع زيعور بزبونه وزميله إلى أريكة التحليل النفسي ليكتشف عقب محادثات شفهية معه، أن لصفوان شخصية أخرى رقيقة، لكنها مقموعة، وأنه يحمل نزعة تدميرية لاواعية. وحسب المصطلح الفرويدي، فهو مصاب بعقدة أوديب، أي إشكالية التماهي مع الأب الروحي والمثالي، المحبوب والمكروه في آن. ويرى في إقصائه التراث الممثل للأب واللغة الفصحى والفكر والهوية والانتماء، ولجوئه إلى اللغة العامية، خوفاً لا واعياً من مشاعر الخصاء والدونية، والاحتماء من تسلط الأب الأكثري، وهو شعور ابن الأقليات (أي أقلية؟) الذي يشعر بالحرمان العاطفي من هذا الأب الأكثري. واللغة العامية في هذه الحال، ملاذ وهمي، او تعويض وتغطية، ونكران للواقع. «والتعصب لتلك الإيديولوجيا اللغوية العامية هو بالتالي رد فعل، ودفاع عن مهددات للوجود والقيمة عند ابن الأقلية» ص 240. ولست أدري كيف غرب عن حصافة د. زيعور ونباهته ـ ان كان الحديث محصوراً بعلاقة ابن الأقليات باللغة العربية الفصحى، لابمصطفى صفوان ـ الدور المتميز الذي لعبه رواد النهضة العربية، وجلّهم من ابناء الأقليات في نهوض اللغة العربية من سباتها. لكن زيعور ومن ضمن حلوله التسووية، وهي كثيرة في كتابه، يستدرك بالقول :«إن علينا أن لا نأخد العامية بمعزل عن الفصحى، فهما يؤخذان معاً في بنية واحدة» (كيف؟). كذلك يأسف لمآل صفوان الذي انتهى غريقاً في حضارة الأقوى. قتل نفسه فيها قتلاً رحيماً وبالتذاذ سادي. ومع ذلك فإن زيعور يبدي تفهماً لدوافع هذا الغريق، ويجعل من نقده له، إعادة ضبط وتصويب لمسيرته الفكرية، غرضها استخلاص العِبر. وفي حين يعاتب زيعور مصطفى صفوان، يطري على آخر، هو الباحث المصري مصطفى زيور لمساهماته العميقة في إرساء قواعد مدرسة التحليل النفسي العربية.

ويفحص محمد اركون، تحت الضوء النفسي الكاشف كعينة على المهاجر المسلم الناجح في بلاد الغرب. المهاجر الذي يعاني من عقدة الصراع او تمزق الذات، بين ثقافة الأنا وثقافة الآخر، ومن مخاض التفاعل والتثاقف والجدلية لإعادة تكامله النفسي والفكري والاجتماعي.

وإذ يؤازر زيعور انتقاد اركون للعلمانية الفرنسية واستعلائها، ودحضه الاستشراق وأشكاله المقنّعة الجديدة. يحسب ذلك تغطية وتعويضاً للخصائية والدونية عند المهاجر، وأوالية من أواليات الدفاع، وعاملاً من عوامل استعادة التوازن النفسي والحضاري والتكيّف الاجتماعي، وإعادة تنظيم الصورة الحوارية بين المتصارعين، وتأسيس مفاهيم كونية وقيم إنسانية ومعرفية شاملة.

حضارة الاستعلاء

وإذ سبق لزيعور في كتاب تناول فيه أمشاجاً من سيرته «القول الفلسفي وحالات نفسية…» 2008. أن قاربَ الفكر الأوروبي والأميركي بكثير من التحفّظ والارتياب. فإنه في كتابه الجديد يشرّع الباب على مصراعيه لذمّ الحضارة الأوروبية والأميركية ذمّاً عنيفاً، لم نعهده لديه من قبل. فينعتها بأنها حضارة الاستعلاء والقوة والعدوانية، وينعت الإنسان الغربي بأنه دقيق وجاف ، ولا يختلف دوره عن رقم في مجموعة، او برغي في آلة، أوعنصر في كتلة. وبأنه بارد العاطفة، خاضع للدعاية والضوء والزر. والمجتمع الغربي بأنه مجتمع استهلاكي استنفاعي. وعلى رأسه المجتمع الأميركي الذي يغطي هشاشة هويته الحضارية المنجرحة الفاقدة للتراث ومعايير الانتماء، يغطيها، كما يقول زيعور، بمشاعر العظمة وهذاءات البطولة والعجرفة والعدائية. ويعزو عدم ازدهار النظريات الماورائية والمجردة والكونية في الحياة الفكرية الأميركية، إلى هيمنة الفلسفة العلموية المفرطة والبراغماتية الملتصقة بالواقعي والعلمي والعياني والمحسوس. لذلك تزدهر مصطلحات الأداتي والعقلي والآلي، على حساب الروحاني والكينوني والجوهري والمطلق. وتتأسس صورة «البطل الأميركي» على العلمي والتقني والإعلامي، وعلى العنف والقهر والافتراس. بدل الفضائل والمثاليات وقيم التراحم والتحّاب والخير. ولا يعني طعنه القاسي بالحضارة الأميركية والغربية، وتجريحه بديكارت وفلسفة كانط «ذات الأغوار اللاهوتية»، ولاكان «العصابي» الذي عولج عند زيارته لبيروت عام 1973 بالممارسات الهندية والروحية، على ما يروي زيعور في كتابه. لا يعني أنه يصرف النظر عمن يقرّظ التراث العربي والإسلامي ويؤسطره ويمثّلنه، ويؤبلس الآخر ويلعنه ويستعديه. بل يذهب إلى أن هذا التبخيس من جهة، والتعظيم من جهة أخرى، من عوارض انشطار الشخصية الحضارية، ويحثّ على ضرورة التفاعل مع الكوني والمعولم والحداثوي، أو ما يسميه الدار العالمية للإنسان.

وكما ينتقد ديكارت ولاكان وكانط، كذلك يصف ابن خلدون بأنه عصابي ومكتئب ومضطرب الشخصية، ويرى في تحليله شخصية محمد عبده المنكفئ إلى حياة روحية تصوفية بعد حياة ماجنة، نكوصاً واضطراباً فكرياً.
وحيث يستدرج النتاج الشعري إلى معاينته معاينة سريرية كمرآة للوجدان والمتخيل والشعوري، يكشف في حياة خليل حاوي وشعره شخصية مأزومة، ويفسر انتحاره بدوافع وهواجع لاواعية، وعوامل ذاتية، وطفولة غامضة، حيث كان الانتحار وسواساً وهجاساً يلاحقه.

ويعدّ زيعور العوامل النفسية المكبوتة والأفكار السوداوية لدى حاوي، من الدواعي الحقيقية التي افضت به إلى الانتحار، على خلاف ما درجت عليه تحليلات النقاد والأصدقاء، او ما اشيع عن أن انتحاره كان بسبب صدمة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 82، وينيط زيعور بهذا العامل القومي او الوطني الخارجي دوراً مهيئاً لتفجرات حاوي الداخلية العميقة، دوراً «يتغاذى» حسب عبارة زيعور المقتبسة من علم السيبرنطيقا. من عوامل الأرق والقلق والوهن، وعوامل هدم الذات التي تنتظر الفتيل الخارجي لتنفجر. بل يذكر زيعور بأن لقاءاته الشخصية بحاوي اظهرت لديه وعياً متصلباً صعب التكيف، بل انتابته في إحدى المرات نوبة شبه ذهانية، ولاحظ في قراءته لعناوين دواوينه ومفرداته الشعرية كل العناصر السلبية والمندثرة والمنجرحة، والأفكار السوداء، والجوانب المأساوية والمهزومة والقاتمة التي عبّر عنها في شعره.

ويتعامل زيعور مع السير الذاتية إلى جانب الحلم والأسطورة والرواية كأدوات كاشفة عن اللاوعي والمطمور واللاسوي والطفلي، وطريقة من طرائق معرفة الشخصية واضطراباتها. وبوحي هذا الفهم، يرى في سيرة عبد الرحمن بدوي التي تناولتها أقلام النقاد بالقدح والثلب، ملامح إيجابية، رغم إسراف بدوي في توكيد ذاته وتقدير نفسه، وقسوته على خصومه. بل يلمس لديه شجاعة يفتقدها زيعور في حكمه على الأشخاص، على ما يبوح هو بنفسه.

وفي كل الأحوال يحسب زيعور أن إسهاماته وإسهامات زملائه هي لبنات في بناء أسس المدرسة العربية التحليلية، وتنشيطها بما يخدم المستقبل العربي، والشخصية العربية المتعافية والمنتجة والمتكاملة والمتوازنة.

عن ملحق السقير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This