عماد أبو صالح.. الشاعرُ مهندس العالم

قصيدةُ النثر العربيَّة، تلكَ القصيدة التي رأت موافقينَ لها ومعارضين كذلك حيثُ سجالاتٌ عديدة حول شرعيَّة هذا المولود، تعاريفُ كثيرة ومؤتمراتٌ ناقشت أساسيَّات هذا الأسلوب الكتابيّ البديع الآسر، ولعلَّ من أهمّ التعاريف أو لنقل التسميات، هي تلكَ التي ركَّز عليها الباحث الدكتور شربل داغر ذاتَ بحثٍ عندما قال: “إنني لا أسمّي هذه القصيدة قصيدة النثر، من باب الأمانة للترجمة هذا التركيب اللفظيّ هو فرنسيّ في أساسه، وهو poème en ولم يقل التركيب اللفظي الفرنسي poème de حتى نترجمه بقصيدة النثر، والأصحّ أن نترجمه إمَّا (القصيدة بالنثر) أو (القصيدة نثراً)”، أجل رغمَ النقاشات الحاصلَة والاختلافات المتوفِّرة حول هذه القصيدة وتقنياتها التي تتطوّر كلّ يوم من خلال شعراءٍ يزيدونَ هذا الأسلوب سِعَةَ، فإنَّ النثر العربي بدأ يثبتُ ذاتهُ الشرعية كجنسٍ كتابيّ مُضَافَاً إلى الأساليب الكتابية الأُخرى.

يبرزُ من بين كُتاب قصيدة النثر أو (القصيدة نثراً)، شاعرٌ مصريّ أصدر دواوين نثريَّة عديدة بصمتٍ مخيفٍ، حتى أنَّ معظم دواوينه صدرت في طبعاتٍ خاصَّة ومحدودة، ربمَّا لتكونَ هذه طريقةً تزيد الشاعر تميَّزاً، إنها قمّة الحقيقة أن تكونَ حياة الشاعر وقصائده متطابقة دونما زياداتٍ تنتمي إلى رغبةٍ في التزيُّف، أقصدُ هنا الشاعر المصريّ عماد أبو صالح، هذا المخلوقُ العجيب الذي أضاف إلى قصيدة النثر المصريَّة بعداً رؤيويّاً آخَر، نثرًا مفعمًا حيويةً وصدقاً وتجريحاً؛ كلّ هذه العناصر في نَصٍّ واحد، بوحٍ واحد، وقد أصدر دواوين كثيرة وضعتهُ في مقدّمة معاصريه من كتاب قصيدة النثر المصريَّة والعربيَّة على حَدٍّ سواء، من دواوينهِ:

أمور منتهية أصلاً، القاهرة 1995

أنا خائف، القاهرة 1998

كلبٌ ينبحُ ليقتلَ الوقت، القاهرة 1996

مهندس العالم، القاهرة 2002

قبور واسعة، القاهرة 1999

جمال كافر، القاهرة 2005

كتابة منفردة واضحة التميُّز، تجربَة تُغَرِّدُ خارج السرب (بالمفهوم الاعتزالي)، خارج الأنتلجنسيا المريرة الأشبه بالعِصَابَة، هَجرٌ وإهمالٌ للمؤسسات الشعرية ( المافيويَّة)، قراءةٌ دائمة وذكاءٌ نادرٌ في التعامل مع القراءة التي هي من مكوّنات الشاعر، إضافَةً إلى قدرتهِ العالية على استخدام كل ما قرأه في أماكن مناسبة، وكأن النصّ الذي يقرأه والذي يكتبه متمّمان أحدهما للآخر، تجربة أبو صالح النثرية تجربة مهمّة على خارطة قصيدة النثر المصرية المعاصرة، هَذا لأنَّ نثرهُ نابعٌ من التفاصيل، من المرض الاجتماعيّ، من الفساد، فسادِ كلّ شيء، من الملل، الثيمة الرئيسيّة للشعر والحياة الحالية، فالملل حينَ يتحوَّل إلى أداةٍ يستندُ عليها الشاعر بمقدورها صنع الأعاجيب، غير منتمٍ إلى جبهات الدفاع عن شرعية قصيدة النثر هذا الجنسُ الكتابيّ التعبيريّ غربيّ المولد والإقامة، عالميّ الانتشار والحياة، عربيّ التشكيك.

شاعرٌ مُشاكسٌ، يعرفُ أنّ ما يكتبه سوف يَخرُجُ في أشَدّ لحظات الفوضى ليدخل إلى الصميم، بعباراتٍ يأسرُكَ، يكتبُ بقسوةٍ، بصراحَةٍ هي المُرَاد، دونَ تنميقٍ أو ضحكٍ على ذقن القارئ كما يحصل عادةً في الرَّاهن النثري، مُعَبِّرَاً عن وقاحتهِ البريئة طبعاً بكلامٍ نفَّاذٍ …

أهاهاها أههها

أنا الذي ليس لي طفل

يبلّل مكان فمي على الوسادة

ويرضع ثديي زوجتي

ويحوّل قصائدي إلى مراكب.

وأيضاً :

هؤلاء الناس يريدون قتلي:

العجوز الذي يبيع المناديل

(إنها خدعة لتوزيع المخدرات بالتأكيد)

الشحاذون الموثّقون بالتحاليل

وصور الأشعّات

(أخرجوا الأموال من تحت البلاطات يا كذابين)

أمي: لماذا تجيئين ميتة في منامي

مع أنك جالسة تشربين الشاي

وتشتمين جارتنا؟

آي، والمومسة أيضًا:

ليست الحكاية احتياجًا للمال بالطبع. هه؟

ابتداء من السادسة والنصف صباح غد

لن أحزن لأجلهم

أنا الساذج الذي ضيعت عمري.

على غير عادة الشعراء يبتعد عماد أبو صالح عن الرومانسية والمثالية المُفرَطَة المرتبطة عبر الأزمان بشخصية الشاعر، إنَّهُ مثالُ الإنسان العمليّ المنطقيّ الذي يقول الكلام في مكانهِ المناسب، فهوَ دون تردّدٍ سيدعو الأطفال بالكائنات البشعة لأنهم:

وهؤلاء الأطفال الذين يُحبّون بالحلوى!

رأسان صغيران ترطمهما بشدّة،

دون أن يراك أبواهما،

فيحدثان صوتًا مكتومًا رائعًا

لتظل، إذن، الحوائط نظيفة

ووردة،

بأصيص مذعور،

مكانها

ومقاعد الباصات بإسفنجها للعجائز.

إنّ رجلاً وامرأةً،

بعد الآن،

لن تنتزعهما

صرخة قذرة في غيبوبة اللحظة.

وليكتب الشاعر قصيدة أيضًا.

هناكَ تشفٍّ وندمٌ على التعامل مع البشر، ذلك ما هو جليٌّ في القصائد (هو ليسَ بالتشفّي الشرّير والندم الشيطانيّ، كلا، بل طريقَة كتابية جدّية وجديدة)، إضافةً إلى قلبٍ أسود ورغبة في عدم المساعدة، مساعدة الآخرين، لحظةَ الحاجة، حاجة الآخرين إليه، ثمّة شيء مغاير في ما يكتبهُ هذا الشاعر، التجاءٌ إلى الحركة عبر الكلمة، الكلمة؟! أجل، كلّ كلمة معادلٌ طبيعي لصورةٍ بصريَّة كاملة، مشهد سينمائي رُسِمَ ببراعةٍ وإتقان.

القارئ لنثر عماد أبو صالح سيكتشف بسهولة الجانب الكوميديّ الساخر كما في أغلب دواوينه وعلى الأخَصّ مجموعتهُ (أمور منتهية أصلاً) الصادرة في العام 1995، سوداويّ متشائم لكن فجأة تلوحُ في الأفق الشعري شاراتٌ ضئيلة (جرعاتٌ) من التفاؤل مغموسَة بكوميديا تجعلُ القارئ يبكي ويضحك في آنٍ معاً، يبكي للقسوة التي تُمَارَسُ في الحياة من قبل مجهولين ويضحَكُ للحظة الكوميدية التي يلتقطها أبو صالح ويبثها بين ثنايا النص لتأتي بمثابة استراحةٍ تمهيدية لرحلةٍ طويلةٍ مليئة بالقسوة والفظاظة، جرعاتٌ مُقْتَضَبَة غير أنها وافية لإيصالنا إلى يقينٍ تفاؤلي، تِقَنيَّة منسجمة مع الموقف، كما في نَصِّهِ “العالم حلو”، لا يخفى التخيل المدهش لدى أبو صالح، ذاك التخيل النابع من أشدّ اللحظات الحياتية اليومية المعاشة، تفاصيلٌ كثيرة لا نعيرها أدنى اهتمام إلا أنّ عماد أبو صالح يلقطها بحرفية وحسٍّ عال ليعيدَ الصياغة وفقَ منظوره التخيليّ:

مكان نُقَطِ الماء الساقطة

من الثوب النسائي المعلَّق في الشرفة العلويَّة

نبتت شجيرة ..

إنّ عماد أبو صالح يمثِّل النثريَّة الحديثة البعيدة عن التنظير، وهو معتزل عن العالم الخارجيّ تقريباً ويكتب في الظل؛ لا حوارات ولا لقاءات ولا برامج تلفزيونية مسطّحة، أجل لأنه يعشق اللوطيّ (حسب تعبير أبو صالح) اليوناني كافافيس، الشاعر الذي كما يقولُ عنهُ عماد أبو صالح في ديوانهِ ( مهندس العالم ):

كان يؤثر على زائريه بطرق ذكية، أو على الأصح خبيثة. يستقبلهم في إضاءة خافتة (شمعة واحدة) ويكلمهم كلمات قليلة بصوت خفيض. “إنه حلم، كأنه ليس موجودًا”.. هكذا كانوا يصرخون، في عجب، بعد أن ينتهوا من زيارته.)، هكذا هو أيضاً الشاعر أبو صالح الذي يكتبُ في زاويةٍ مظلمة ويعيش هادئاً مع مخلوقاتهِ الشعريَّة ممتَثِلاً لنصائح كافافيس (لا تُرَخِّص حياتَك) وهو يخاطبُ شاعراً. هناكَ أمرٌ مثير في تجربة أبو صالح، فشعراءٌ كثر عالجوا إعاقاتهم (بورخيس كان أعمى وتحدث كثيراً عن نعمة أنه أعمى) كذلك الشاعر عماد أبو صالح وهذا واضح من خلال قصيدتهِ عاهات مستديمة في ديوانه (أمور منتهية أصلاً ) :

ليس بقدمي ما يلفت الانتباه بالمرة

الكثيرون لا يلاحظونها

حتى أنا نفسي أحيانًا

أقول لكم بصدق:

(لِمَ أكذب وأمر قدم يمنى،

قذرة،

لا يشغلني أصلاً؟!!)

في أوقات كثيرة يسير بحذاي شخص

بالفاترينات

أتندّر على مشيته وأقلده ببراعة

ثم أؤنّب نفسي، بعد ذلك، كثيرًا.

إنّ أغرَب الدواوين التي أصدرها الشاعر إلى الآن هو ديوانهُ (مهندسُ العالم) الذي يمكن اعتبارهُ وثيقَةً نثريَّة مميّزة ضدّ النقَّاد، نصائح للشعراء، كتابَةٌ عن الأمّ، غير أنها كتابةٌ مُغايرة ومختلفة عن السائد، طريقة المعالجة مختلفة، كتابٌ عن في الشعر حيثُ نجدُ مناقَشَةً لشعراءٍ من مثل: كافافيس، آلان جينسبرج، وآخرين، مناقَشَةٌ ومعايَشَةٌ من خلال القراءة المُعَمَّقة وبأسلوبٍ مَرحٍ. مهندس العالم كتابٌ نثريٌ لا مثيل لَه.

شاعرٌ يملكُ التفاصيل، صورتهُ تتوَضَّحُ في أجواء الغرفة لحظةَ الفراغ من القراءة، يعيشُ اللحظة بحذافيرها دونَ تَعجّبٍ مجانيّ، ربّما هذا الجزءُ الصغير من قصيدةٍ له تُفصِحُ عن هذا الشاعر البعيد :

( الشاعر مهندس العالم. حارم القبح من أن يهزم الجمال، ومانع الشر من أن يتسلل إلى الخير، ومانح المعنى في زمن بلا أي معنى (نعم. هكذا. أنا كلاسيكي).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق