“عمو خوان” المراكشي / عبد الكبير الميناوي

حصل الكاتب الإسباني خوان غويتسولو على جائزة «دون كيشوت»، بعد أقل من سنتين من حصوله على الجائزة الوطنية للآداب، التي تمنحها وزارة الثقافة الإسبانية، ورفضه جوائز أخرى، وهو الذي أكد، في أكثر من مناسبة، أنه «ليس من الساعين خلف الجوائز». جاء فوز غويتسولو بالجائزة، التي تقاسمها مع عمل «القواعد الجديدة للغة الإسبانية»، تقديرا لمسيرته الأدبية.

 

ويصنف غويتسولو كأحد أهم الكتاب الإسبان المعاصرين، عرف بمساهماته الكثيرة في التعريف بالعالم العربي والإسلامي، سواء من خلال كتاباته ومقالاته الأدبية، أو عبر البرامج التلفزيونية والإذاعية، التي يشارك فيها، كما يعتبر من المبدعين القليلين في العالم، الذين يلتزمون بخط واضح في الإبداع الأدبي ويحرصون على الانتصار لحقوق الشعوب، ولذلك ظل يرسم الكثير من الخطوط الرابطة بين مآسي القصف والحصار في كثير من نقاط الدمار والقتل، مراكما الزيارات إلى دم العالم المراق، عبر قارات العالم.

 

ونقرأ في تقديم «حدود زجاجية»، من أواخر كتبه، أن «غويتسولو لم يكن يوما كاتبا عاديا، ليس فقط لأن كتبه كانت معروفة في مخافر الشرطة أكثر منها في المكتبات خلال فترة الديكتاتورية في إسبانيا، بل أيضا لكونه أدرك مبكرا أن امتطاء صهوة الكتابة يفرض عليه التحلي بقيم المحاربين النبلاء والسفر إلى أشهر مناطق التوتر لمعرفة ما يجري على أرض الواقع، ومصافحة المنكوبين قبل الكتابة عن أحزانهم»، وهو الذي ظل «يسبق، في الكثير من الأحيان، المراسلين الصحافيين إلى بؤر التوتر، ليس لإحصاء جثث الضحايا ورصد حجم معاناتهم، وإنما من أجل فهم ما يدور حوله وتخزين أكبر عدد من الصور والشهادات في ذاكرته عن معارك الشرق الأوسط ومعركتي الهجرة والإرهاب، لذلك فإن كتاباته هي مشاهد خطها أثناء المعركة أو بعدها». ويشدد غويتسولو، في حواراته، على أنه «نتاج الحرب الأهلية الإسبانية»، فقد كان طفلا أثناءها، كما أن أسرته تعرضت للدمار، ولذلك نجده يؤكد على أنه «حساس جدا تجاه الحرب».

 

ولد غويتسولو في برشلونة عام 1931، واختار، بداية من 1956، فرنسا منفى اختياريا، حيث عمل كمستشار أدبي لدى إحدى دور النشر الفرنسية. وفي الفترة ما بين 1969 و1975، عمل أستاذا للأدب بجامعات أميركية، قبل أن يختار الاستقرار نهائيا في مدينة مراكش المغربية. وخلال مسيرته الأدبية، عرف غويتسولو بكثرة وتنوع إنتاجه الأدبي، الذي توزعته المقالة التحليلية والرواية والتحقيقات والمذكرات، ليصبح، في رأي النقاد، أكثر الإسبان تأثيرا في الخارج.

 

ويحظى غويتسولو بشعبية كبيرة بين المثقفين المغاربة، بشكل خاص، والعرب، بشكل عام، إلى درجة أن اتحاد كتاب المغرب منحه العضوية الشرفية، «لدفاعه المستميت عن التعدد، والتسامح، والتلاقح الثقافي بين الشعوب، وعمله على تحرير المشهد الذهني الغربي من مسبقاته واستيهاماته وأشباحه تجاه الآخر العربي، ولوقوفه إلى جانب حقوق المغرب وقضاياه الوطنية في مفاصل أساسية وحساسة، وامتنانا وتقديرا لجهوده في إثراء الثقافة المغربية والدفاع عنها».

 

ونقرأ في موقع الاتحاد أنه «في أواسط السبعينات، اختار الروائي الإسباني الكبير خوان غويتسولو مدينة مراكش، وتحديدا خاصرة جامع الفنا، ليعيش بيننا. ومنذئذ صار يحلو له، وهو (الإسباني على مضض)، أن يعرف نفسه بالمراكشي. إقامة عضدت مسار شغف آسر بالثقافة العربية والإسلامية، طال كل تفاصيل ومكنونات التاريخ والحياة العربيين، وامتد لقضايا الشعوب العربية والإسلامية ومطالبها في الحرية والتقدم والكرامة.

 

وكان المغرب دوما بقضاياه مركز هذه الجاذبية الغامرة للعالم العربي في حياة الكاتب، حتى إن اكتشاف ساحة جامع الفنا بتهجينها المفرح للغات والأشكال وتذويبها للفروق والتراتبيات شكل حدثا استثنائيا في مسار الكاتب الوجودي والإبداعي، الأمر الذي جعله في قلب وريادة مطالبة اليونيسكو بإدخال ساحة جامع الفنا إلى قائمة التراث الإنساني، وذلك لحمايتها من طيش مشاريع إدارية مفتقدة للخيال والحس الجمالي، ومن جشع المستثمرين. وبعد تعبئة عالمية، جند لها كتاب كبار، من أمثال كارلوس فوينتيس وخوسيه بالنتي، استجابت اليونيسكو، واعترافا منها بجهوده منحته شرف كتابة نص إعلان اعتبار الساحة ضمن التراث الإنساني».

 

وارتبط غويتسولو بعلاقة خاصة بمراكش، وحافظ على عشقه لها، وهو عشق ترجمه بتطويع لسانه على الدارجة المغربية ومجالسة البسطاء والأصدقاء بمقهى «فرنسا» والسكن بحي «القنارية»، على بعد خطوات من ساحة جامع الفنا، حيث اعتاد أن يكلم الأطفال كأب، وأن يمشي بين الناس كشيخ وقور.

 

وتلخيصا لعمق ودفء العلاقة التي نسجها غويتسولو مع سكان جامع الفنا، صار أطفال المدينة القديمة ينادونه «عمي خوان»، أما الكبار فيعتبرونه واحدا منهم، و«ولد (ابن) جامع الفنا»، مثلهم، فيما يرى كثير من المغاربة، وخاصة المثقفين منهم، أنه صار مغربي القلب واللسان.

عن المنتدى الثقافي – جريدة الشرق لأوسط 17/10/2010

 

وكان غويتسولو أهدى مخطوط «مقبرة»، من أهم رواياته، للمدينة الحمراء، وهي الرواية التي كان استلهم عالمها من فضاء جامع الفنا، بإيقاعاته وأصواته ومتخيلاته، ومن الحرية التعبيرية لكل ما يتحرك في الساحة الشهيرة.

 

واعتبر الإهداء تقديرا رمزيا من غويتسولو، لما يشكله المغرب، بشكل عام، ومدينة مراكش، بشكل خاص، في حياته وكتاباته، وتكريما لروح المكان وأهله. وسبق لغويتسولو أن قال إن مراكش صارت جزءا لا يتجزأ من حياته، بعد أن شكل انجذابه للمغرب ومعايشته اليومية لأمكنته وتنوعه الهائل، انعطافة أساسية في حياته ومساره الأدبي، الشيء الذي ساعده، في رأي البعض، على تجاوز الحدود القائمة بين الكتابة والتراث الشفوي، وبين الأفكار وتعبيرات الحواس الشائعة في الساحات والحواري، كما مكنه من تشكيل رؤية جديدة للإبداع ودوره في بناء الجسور بين الثقافات.

 

وفي الوقت الذي تتداول فيه وسائل الإعلام خبر فوز غويتسولو بهذه الجائزة العالمية أو تلك، يرى المراكشيون أن «عمي خوان» يبقى أكبر من كل الجوائز، ويقولون: «أليس أكبر وأجمل الجوائز تلك التي يحملها البسطاء من الناس، في قلوبهم، للكبار من الكتاب، ممن ينتصرون للقضايا الإنسانية العادلة، ويلتزمون بخط واضح في إبداعهم الأدبي؟!».

عن جريدة الشرق الأوسط اللندنية 17/10/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق