عن”البلاد البايظة” وحوار الحضارات و 13/4/2029

على الأغلب الأعمّ، لا نعلم “نحن أبناء الحضارات التاريخية العظيمة!” ما الذي سيحدث يوم الجمعة، المصادف للثالث عشر من نيسان عام ألفين وتسعة وعشرين. وإن سمع بعض أفرادنا النادرين عمّا سيحدث، من خلال بعض المقتطفات الصحفية المترجمة عن الصحف الغربية فإن علمه ذلك، سيكون مرفقا بصورة ابتسامة بلهاء ليس إلا. حيث لا قوّة سوى تلك الابتسامة، حينما سيسمع عن إمكانية صدم النيزك ” أبو فيس ” لأمنا “كوكب الأرض” في ذلك اليوم والذي قد يهدد مصير الوجود البشري بالمجمل، حيث من المفترض أننا ” نحن أبناء الحضارات العظيمة … كما كانوا يرددون على مسامعنا في المدارس الابتدائية حينما كنا نشكو من البرد وانقطاع التدفئة المناسبة !

“جزء من هذا النسيج الوجودي البشري، وبذا جزء من معضلات المجتمعات العالمية، أو على الأقل جزؤها المهتم بالشأن العلمي، غارق في البحث عن الطبيعة والمادية والحركية لذلك النيزك، وذلك لحساب الخسارة المحتملة لدى اصطدامه بالأرض، والبحث والتمحيص عن الأفكار والطرق الممكنة للفكاك من احتمال اصطدامه. وذلك إما عبر إرسال سفينة فضائية تصطدم به وتحوّر من مساره، ليبتعد عن الأرض، أو جذب أحد أقمار كوكب المريخ ليصدم به، أو حتى تحويل مسار الأرض وذلك بتكوين قوة مغناطيسية عظيمة… الخ من الأفكار التي تضخها المخيلة البشرية. على نفس الكوكب – الأرض – وفي نفس الزمان الذي نحيا فيه، نحن أبناء…. .

لعبة ذهنية ليس إلا.

” ماذا لو دعت منظمة الأمم المتحدة، باعتبارها المؤسسة السياسية الأكثر تعبيرا عن تجانس بني البشر على سطح كوكب الأرض، ماذا لو دعت تلك المنظمة لاجتماع عاجل لمندوبي كل سكان الأرض، لتدارس شأن مستقبل ذلك الخطر الذي يحيط بسفينتنا المشتركة ” كوكب الأرض ” من قبل مذنب ” أبو فيس” .

على الطاولة التي سوف تجمع مندوبي الجنس البشري، سوف يطلب من كلّ واحد منهم تقديم مساهمته، في الجانب الذي يبدع فيه لإنقاذ الكوكب. وقتها سوف يتقدم المندوب الأوربي بتقديم مقترح أن يتولى الأوربيون الجانب المؤسّسي من المشروع العالمي، باعتبارهم أصحاب تجارب عريقة في بناء المؤسسات البرلمانية والاقتصادية والاجتماعية. كما سيطرح مندوب الأمريكان تغطية بلادهم للجانب المالي الاقتصادي من المشروع العالمي ذاك، فبلادهم هي القلب الاقتصادي الذي يضخ الحركة في كل الحراك البشري. كما سيطلب اليابانيون تولي الجانب التقني الفني من المشروع. والصينيون سيتعهدون بتقديم الفريق البشري الأكثر تنظيما وكفاءة، وسيختص الهنود بتقديم الدعم التقني المباشر، والروس بالروح المثابرة …. و.. الخ .

سنبقى نحن ” أبناء الحضارا…” على تلك الطاولة حيارى من أمرنا، فماذا الذي نستطيع تقديمه لاخوتنا ولأنفسنا في محنتنا البشرية هذه. وهل لنا في حاضرنا من منتج ما سوى أغاني “أم المعارك” التي اعتبرت أبرز انجازاتنا الموسيقية في القرن العشرين، والتي بات جل موطنينا يدندنونها في مشارق الأرض ومغاربها، حزنا على بطل أحلامهم الخادعة. وسوى أنواع السياط وبساط الريح والدواليب…. الخ من أدوات التعذيب التي غزونا بها ذاكرة وضمير مواطنينا ليبقوا في سكون مميت عن أي طلب تغيير، وكانت تلك الأدوات التعذيبية أهم منجزاتنا التقنية. وهل لنا من مؤسسات سوى التي تغرق في البيروقراطية والمطعمة بروح الطائفية والقوموية والدينية والحاراتية والعشائرية. وهل لنا من إبداع سوى قصائد المديح لأمراء الظلام. ومن صورة سوى أرقام الأمية في مصر وحالات الانتحار بين النساء في المغرب والفقر في سوريا وقتلى الطائفية في العراق ولبنان والأصولية في كل من فلسطين والجزائر. فما الذي من كل هذا نستطيع تقديمه لأخوتنا من بني البشر في محنتهم هذه؟

في ذلك الوقت الذي سوف نوضح عجزنا عن تقديم أي شيء في هذا المشروع العالمي، لن يجد إخوتنا البشر أي حياء في طلب كل منجزهم التاريخي الذي نستثمره في رفاهيتنا. وقتها سيسحبون الكهرباء والطائرات والسيارات وطرائق صناعة السدود ” أخر سدّ صنعناه بسواعدنا وفكرنا كان سدّ مأرب” والانترنت والصناعات الغذائية… الخ . بالإضافة إلى سحب شكل مؤسسات الدولة والتراكم الفلسفي والفكري والأدبي الذي أنجزته البشرية منذ عصر الأنوار إلى الآن… الخ وسحب كل ذريعة وصراخ وحجة وكذب ونفاق وازدواجية ومخادعة ومخاتلة بعشقنا لحوار الحضارات!! وقتها لن يبقى لنا من منتج سوى الطائفية ومانكو “أسألوا أخوانكم في مصر إن لم تكونوا تعرفون معنى المانكو ” . انتهت اللعبة .
قبل أن تهمّ بكتابة هذه المقالة بيوم واحد، كنت قد سرّحت شعرك بأفضل شكل ولبست أفضل ملابسك، وهمت بالذهاب إلى المركز الثقافي لحضور محاضرة حول ” مستقبل الشعر”. حين وصلت إلى باب المركز وجدته مغلقا، وحين سألت بواب العمارة المقابلة عن سبب إغلاق المركز الثقافي ” مركز حكومي” بابه في هذا الوقت بالرغم من وجود محاضرة. وقتها أجابك البواب ببرود بالغ : “والله يا أستاذ زوجة خال مدير المركز قد توفيت لذلك قرّر إلغاء المحاضرة وقرر إغلاق المركز لعدة أيام”. وقتها كنت قد وضعت يدك اليسرى في جيبك واليمنى كنت تمسح بها عرقك المتصبب، ولم تكن تتذكر أي عبارة، سوى تلك التي صرخ بها عادل أمام في آخر فيلم “عمارة يعقوبيان” : البلاد دي باظت .. البلاد دي باظت … البلاد دي با …..

{رستم محمود: جامعي من سوريا }

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This