عندما تشعر بجسدك كله وكأنه قدم حافية.. (مقتطفات من نصوص هرتا مولر)

مفاجأة أخرى أنهت لغط التكهنات الذي بات يعلو خريف كل عام، قبيل الإعلان عن اسم الفائز بجائزة نوبل للآداب، وأزاحت المرشحين الكبار الذين قد يدخلون حلقة أخرى في رتابة هذا التكرار الدوري المرتقب عبر العالم؛ لم تذهب الجائزة إلى فيليب روث أو أدونيس أو سواهما، وإنما اختيرت كاتبة أقل شهرة وأصغر سناً هي الكاتبة الألمانية هرتا مولر، لتصبح المرأة الثانية عشرة في تاريخ الجائزة، في هذه السنة التي احتفلت فيها ألمانيا بالذكرى العشرين لانهيار جدار برلين.

مرة أخرى عاد الحديث عن الدوافع السياسية التي تقف وراء اختيارات اللجنة. جاء في تصريح الأكاديمية السويدية أن هرتا مولر “تصور مشاهد حياة المحرومين بكثافة الشعر وصراحة النثر”. وبحسب تصريح السكرتير الدائم للأكاديمية بيتر إنغلوند، فإن مولر تناسب معايير الجائزة تماماً، فهي من جهة كاتبة ممتازة تتميز بلغة بديعة دقيقة وعالية المستوى، ومن جهة أخرى تتحلى بالمقدرة على منحك إحساساً حقيقياً بحياة الأقليات في بلاد أخرى وكيف يعيش المنفيون. كما يمتدح إنغلوند دقة مولر المفرطة في استخدام الكلمات، لأنها عاشت طويلاً في بلاد أساءت استعمال الكلمات واستغلالها على الدوام، مما جعلها تشكك دائماً في طريقة استخدام اللغة. وينصح القراء الذين لا يعرفونها بقراءة روايتها (أرض الخوخ الأخضر) التي يعتبرها الكثيرون أفضل رواياتها، وكذلك روايتها الأخيرة ( أرجوحة الأنفاس).

{{***}}

ولدت الروائية والشاعرة هرتا مولر في قرية بانات غرب رومانيا 1953، لعائلة من الأقلية الناطقة بالألمانية، ونقلت أمها إلى معسكر من معسكرات العمل في الاتحاد السوفييتي، أوكرانيا حالياً، وبقيت هناك خمس سنوات. وقد تناولت الكاتبة هذه الواقعة في روايتها الأخيرة ( “أرجوحة الأنفاس”، ترجمت إلى الانكليزية تحت عنوان: “أحمل معي كلَّ ما أملك”) التي تدور حول حياة الرومانيين المنفيين إلى الاتحاد السوفييتي، واعتمدت على حواراتها مع الشاعر أوسكار باستيور الذي لم ينسَ فظاعة تلك التجربة ومرارتها: شاب من الأقلية الألمانية في رومانيا تنفيه السلطات عقب الحرب العالمية الثانية إلى معسكرات العمل في أوكرانيا السوفييتية. في الساعة الثالثة صباحاً، في 15 كانون الثاني 1945، الحرارة تحت الصفر بخمس عشرة درجة، يعتقلون الشاب ويبقونه في احد المعسكرات قبل ترحيله. الكلمات فحسب أعانته ورافقته، وهي ما أبقته على قيد الحياة.

درست مولر الأدب الألماني والأدب الروماني في جامعة تيميسوارا الرومانية، وساهمت في تشكيل حلقة من الكتاب الرومانيين الناطقين بالألمانية خلال حقبة تشاوشيسكو السوداء. عملت إثر تخرجها مترجمة في مصنع سيارات لكنها طُردت من وظيفتها لأنها رفضت التعاون مع البوليس السري، فقامت بإعطاء دروس خصوصية في اللغة الألمانية كي تكسب عيشها، وكتبت عن تلك الأيام نصاً بديعاً. ظلت تتلقى تهديدات متكررة طوال إقامتها في بوخارست، إلى أن هاجرت إلى ألمانيا عام 1987، حيث تعيش الآن في برلين مع زوجها الكاتب ريتشارد فاغنر.

أصدرت مولر أكثر من عشرين كتاباً في الشعر والرواية والمقال، تعود فيها إلى مواضيع المنفى والخوف والاضطهاد خلال الفترة الشيوعية في أوروبا الشرقية. كما

عملت كمحاضرة في العديد من جامعات أوروبا والولايات المتحدة، ونالت عدداً كبيراً من الجوائز الأدبية الرفيعة مثل جائزة كلايست وجائزة فرانز كافكا وجائزة إمباك الايرلندية، قبل أن تفاجأ بنيلها جائزة نوبل. العام الماضي، كتبت تقول:

” ولدتُ في رومانيا. هناك نشأتُ وعشت إلى أن بلغت الثانية والثلاثين. غادرت رومانيا مضطربة اضطراباً يصعب عليّ وصفه. كتبت كتبي الأولى في رومانيا. كتابي الأول هو (المنخفضات)، وقصصه تدور عما يراه طفل في قرية بانات الألمانية: في ذاك الكتاب، وفي كتبي الأخرى، الموضوع الأساسي هو الدكتاتورية. لا أعرف شيئاً سواها ولم أرَ شيئاً سواها. وواصلت اشتغالي على هذا الموضوع.

لا أعرف مشهداً آخر غير المشهد الذي جئتُ منه وأنا أعرفه جيداً. تعكس شخصياتي الأدبية ما ينتابُ الإنسان في ظل نظام أو مجتمع شمولي. وأعتقد بأن هذا الموضوع ليس من اختياري أنا، وإنما بالأحرى هو الموضوع الذي اختارته لي حياتي. أفتقد حرية الاختيار. ليس بوسعي القول: “أريد أن أكتب عن هذا الشيء أو ذاك”، فأنا محكومة بالكتابة عما يعنيني وعن الأشياء التي لن تتركني بسلام.

أعتقد أن هناك نوعاً من الأدب عبر العالم هو أدب السيرة الذاتية الذي يسير بالتوازي مع الأحداث الكبرى، وبالتوازي مع حيوات المؤلفين. فأثناء الخمسينيات، على سبيل المثال، كان الغولاغ( معسكرات العمل) ماثلاً في أوروبا الشرقية؛ ولن ننسى عصر الاشتراكية القومية، عصر هتلر وإبادة اليهود، وهو موضوع تناوله كتاب كثيرون بالتوازي مع سيرهم الذاتية. أعتقد أن هذا النوع من الأدب موجود في كل مكان، من كوبا إلى الصين.

لقد حاولت رومانيا أن تستوفي شروطَ الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فلم تعترضها أية مشكلة على الصعيد الاقتصادي، أما على صعيد العدالة والفساد، فلم تنقطع بروكسل عن إطلاق التحذيرات. أما في المجال الذي يخص الناس جميعهم، فإن الاتحاد الأوروبي لم يطالب بأي شيء لسوء الحظ، ولم تفعل رومانيا شيئاً أساسياً حياله: أعني التخلص من الدكتاتورية. ففي رومانيا، يتظاهر الجميع بأنها قد اختفت في الهواء لأن البلاد كلها تعاني من نسيان جمعي، رغم كونها مرتعاً سابقاً لأسوأ الدكتاتوريات في أوروبا الشرقية.

الدكتاتورية هي موضوع كتبي كلها. أؤمن بأن الأدب يتجه دائماً ذاك التوجه الدقيق إلى حيث ينزل الأذى بالإنسان. لقد فُرِضَ عليّ هذا الموضوع ولم أختره”.

{{
***}}

تسهب مولر في وصف دقيق للحياة في رومانيا، يعيد إلى أذهاننا أجواء فيلم( حياة الآخرين)؛ جفاف أسلوبها موجع، وملاحظاتها الصريحة الثاقبة لا توفر أحداً.

كان تشاوشيسكو، أثناء جولاته التفقدية في رومانيا، يغسل يديه في دلو معدني، وكأن حمامات قصوره لا تتلألأ بحنفيات من ذهب. لقد استولى على بوخارست القديمة في قلب المدينة، وشوهها بالمطاعم والفنادق، وهدم معظمها. أما حرسه الخاص ومخابراته وعائلته فاستملكوا كل شيء تحت سلطتهم، ولم ينجُ أحدٌ منهم. كان الكهنة الأرثوذكسيون مخبرين متنكرين في زي رجال الدين ويتقاضون رواتبهم من البوليس السري، شأنهم شأن الصحفيين والأطباء وأساتذة الجامعات والمحامين.

وعلى الرغم من ذلك، لم يمس رجال البوليس السري أيُّ سوء إثر إعدام تشاوشيسكو، لأنهم هم الذين أسقطوا نظامه، وقدموه إلى محكمة طوارىء، ثم أعدموه أمام الجدار الوسخ لثكنة عسكرية. إثر هذه الثورة المزعومة، استُبعد هؤلاء العناصر السابقون، ولكنهم ظلوا يتقاضون رواتبهم في السر، وتسلل بعضهم آمناً لينضم إلى الحرس الجديد، ولم يتورع الأذكياء منهم عن الابتزاز والتلاعب بالمعلومات التي بحوزتهم كوسائل تهديد جنوا من ورائها ثروات طائلة مشبوهة استثمروها كرجال أعمال في اقتصاد السوق. هذا هو السبب في تفشي الفساد في كل دوائر الدولة الرومانية حتى اليوم الراهن، وصار استفحاله حقيقة يومية يتداولها الناس كلهم في أرجاء البلاد كافة، لأن الإدارة القديمة قد غيرت أقنعتها فحسب. ففي المستشفيات على سبيل المثال، لا يزال البؤس مقيماً، هناك نقص دائم في المستلزمات الطبية، ولا حرج في تقديم الرشوة إلى رئيس الجراحين أو حتى عاملات النظافة والبوابين.

بعد عشرين عاماً من سقوط تشاوشيسكو لا يزال أرشيف البوليس السري في قبضة العناصر القدامى أنفسهم بعد انتسابهم إلى البوليس الجديد. ففي مطلع 2006، نقل مليون وستمائة ألف ملف إلى الهيئة الخاصة بالملفات القديمة التي استحدثت عام 1999، وما يزال بعضها قيد الدراسة إلى يومنا هذا، وهناك موظفون غامضون يقومون بمراجعتها ودراستها لأنها ملفات سرية وخطيرة. ولكن، من حين لآخر، تظهر إلى العلن معلومات حساسة إذا أرادوا التنكيل بأحدهم أو التشهير به وفضحه ومعاقبته. ما تزال ملفات الاغتيالات السياسية سرية، بالإضافة إلى تصفية أعداء الدولة في الخارج والداخل، أو حتى قتلهم في عمليات انتحار أو حوادث سيارات، أما منفذو هذه العمليات فلا يزالون أحراراً، هم وعددٌ لا يحصى من المخبرين والجواسيس المأجورين والوشاة المتطوعين والمرتزقين.

تصادف أحياناً مشاهد سريالية بين الضحايا وجلاديهم السابقين. عندما يحصل منشق سياسي سابق على وظيفة حكومية يتقدم لأداء القسم، وحين يفتح الباب يجد أن الشخص الجالس إلى المكتب ليسمعه يقسم على الدستور الديمقراطي هو المحقق نفسه الذي استجوبه منذ سنين. وعندما يتقدم سجين سياسي سابق بطلب للحصول على قرض من أحد بنوك التأمين، يرى أن مدير البنك الذي يرفض طلبه ليس سوى مدير السجن السابق.

أثناء فترة الدكتاتورية الأولى، كانت هناك كل يوم حوادث تسلل عبر الحدود إلى أوروبا الغربية فيختفي أناس أو يقتلون؛ هناك على الأرجح مقابر كاملة للمتسللين عبر الحدود وأقرباؤهم يجهلون مصائرهم، ولا يعرفون المسؤول عن كل تلك الميتات الغامضة.

{{
***}}

عندما اقتحمت هرتا مولر المشهد الأدبي الأوروبي عام 1984 بمجموعتها القصصية ( المنخفضات)، الصادرة في رومانيا عام 1982، قيل أنها كاتبة ذات أسلوب خداع ببساطته وفريد بين الكتاب الألمان يجمع بين صفاء اللغة والصور الشعرية القوية. وعلى غرار مكسيم غوركي في كتابه (طفولتي)، اخترقت مولر الصورة المثالية لحياة الريف بحديثها عن قريتها بانات حيث الأقلية الناطقة بالألمانية في رومانيا، وأبرزت على لسان الراوية الطفلة راعيةِ الأبقار قسوةَ الحياة والتأثيرات العميقة لذلك لاحقاً. وعندما زارت مولر مسقط رأسها بعد صدور كتابها الأول نالت منها بصقات الأهالي، ووجدت أن النساء يتجنبن أمها التي تعمل في الحقول، والحلاق يرفض أن يقص شعر جدها.

في روايتها الثالثة (أرض الخوخ الأخضر)، وهي أقرب أعمالها إلى سيرتها الذاتية، تستحضر الكثير من ذكريات طفولتها. تقول مولر: “لقد كتبتها في ذكرى أصدقائي الرومانيين الذين قتلوا، وشعرت بأن هذا هو واجبي”.

على غرار الفيلم الروماني (أربعة شهور وثلاثة أسابيع ويومان)، تبدأ الرواية في المدينة الجامعية للبنات في بوخارست خلال حكم تشاوشيسكو، حيث جاءت لولا الفقيرة من الريف كي تدرس الأدب الروسي. في بلد شيوعي يفتقر إلى البضائع الاستهلاكية، تحلم لولا وزميلاتها في غرفة السكن بجوارب نايلون رقيقة كالهمسة، بينما هنّ يستفدن مما بحوزتهن، “كانت هناك ست قوارير من المَسكرا تحت وسائد الأسرة الستة. ستّ بنات كنّ يبصقن في القوارير ويحركن الهباب بنكاشات الأسنان إلى أن يغدو المعجون الأسود لزجاً، ثم يفتحن عيونهن على اتساعها ويمسحن جفونهن بنكاشات الأسنان فتسمك رموشهن وتسودّ. ولكن بعد مرور ساعة واحدة تتخلل الرموش فجوات رمادية، ينشف اللعاب ويتفتت الهباب على خدودهن”.

لولا التي لم تكن مهيأة لحياة المدينة، تتعرض لتحرشات جنسية وحشية فتشنق نفسها وتُطرَد من الحزب الشيوعي بعد موتها؛ والساردة هي إحدى زميلاتها في الغرفة، لا تلبث أن تغدو موضع شبهات سياسية، وعندما تترك الجامعة تجد مفاجأة كريهة في السرير هي أذن خنزير.

تبدأ الرواية بالسنوات الدراسية التي تعيشها الساردة في جامعة تيميسوارا، وتستهلها بالمقطع التالي:

” قال إدغار: لا يطيقنا أحد إذا التزمنا الصمت، وإذا تكلمنا استحمقونا.

كنا جالسين نحدق في الصور المفرودة على الأرض منذ وقت طويل. تخدرت ساقاي من الجلوس.

تتسبب الكلمات التي في أفواهنا بالكثير من الأذى الشبيه بما تتركه أقدام تدوس العشب، ولكن صمتنا مؤذٍ أيضاً.

كان إدغار صامتاً.

حتى هذا اليوم، ليس بوسعي حقاً أن أتخيل قبراً، وما أستطيعه فقط هو تخيل حزام ونافذة وحبل ونواة ثمرة. بالنسبة إلي، كلُّ موتٍ يشبه كيساً كبيراً.

قال إدغار: من يسمع هذا الكلام فسيفكر بأنك قد جُننت.

ومن ثم، انتابني شعور بأن كلَّ شخص يتركُ بموتهِ كيساً كبيراً من الكلمات. والحلاقون وقصاصات الأظافر – هم أيضاً أفكرُ بهم دائماً، لأن الموتى ما عادوا بحاجة إليهم، وما عادوا يضيعون أزرارهم كذلك.

قال إدغار: ربما أحسوا بأن الطاغية كان خطأ بطريقةٍ تختلف عن تفكيرنا نحن.

لديهم ما يكفي من البراهين، لأننا، نحن أيضاً، اعتبرنا أنفسنا مجرد أخطاء. ففي هذه البلاد كان علينا أن نمشي ونأكل وننام ونحب ونحن خائفون، إلى أن يحين مرة أخرى موعد الحلاق وقصاصات الأظافر.

قال إدغار: كلُّ من يصنع المقابر، فقط لأنه يمشي ويأكل وينام ويحب، هو خطأ أكبرُ منا. خطأ من الطراز الأول. خطأ فادح.

ينتصب العشب عالياً داخل رؤوسنا. وهم يجزُّونه، سيان سكتنا أو تكلمنا”.

المشاهد والأصوات والصور تربط حاضر الساردة بذكريات ماضيها. وكي تفرق مولر بين هذين المستويين الزمنيين فإنها تكتب ذكريات الطفولة باستخدام ضمير المتكلم وضمير الغائب معاً، بينما تقتصر على ضمير المتكلم فقط عندما تتحدث عن الزمن الراهن. طالبة جامعية تشنق نفسها بحزام فستان صديقتها الساردة، فتتذكر الأخيرة كيف كانت أمها تستخدم حزام فستانها كي تربط ابنتها إلى الكرسي ثم تقلم أظافرها. يذكّرها حقل بني مبقع بالثلج بخفّ أبيها الملون بالأبيض والبني، وكيف سحق ذات مرة بين فردتيه يدَ ابنته. تغني جدة الطفلة “فليسترح الآن قلبك الوحش، لقد لعبتِ كثيراً اليوم”، وعبارة “القلب الوحش” تتردد على امتداد القصة، وهي عنوان الرواية الأصلي باللغة الألمانية. “كنتُ أغني دون أن أسمع صوتي. هويتُ من خوف ملؤه الريبة إلى خوف ملؤه اليقين المطلق. كان بمستطاعي الغناء كما تغني المياه. ربما جاءني اللحن من غناء جدتي في خَرَفها. ربما كنت أعرف الألحان التي أضاعتها عندما فقدت عقلها. ربما توافدت الأشياء الراقدة في دماغها وعبرت بين شفتي”.

يقول الأب لطفلته: “لا تأكلي الخوخ الأخضر القاسي لأن بذوره الطرية ستقتلك”، ولكنها ترى الشبان الذين يهربون من الأرياف ليصبحوا أعضاء في شرطة المدن وهم يأكلون الخوخ الأخضر بشراهة فلا يقتلهم، بل يجعلهم حمقى يستخدمون “النار السامة للبذور الطرية” كي يرعبوا الناس المذعورين.

” أثناء تجوالي لم أشاهد المعتوهين ومقتنياتهم الزهيدة فحسب، وإنما رأيت أيضاً الحراس وهم يسيرون في الشوارع صعوداً وهبوطاً. شبان ذوو أسنان مصفرة يقفون حراساً على مداخل بنايات كبيرة، خارج المحلات، في الساحات، في مواقف الباصات، في الحديقة العامة التعيسة، أمام المهاجع، في الحانات، خارج محطة القطار. بدلاتهم لا تناسبهم؛ فهي إما فضفاضة أو شديدة الضيق. كانوا يعرفون أين تقع أشجار الخوخ في كل منطقة يحرسونها. بل كانوا يسلكون طرقاً ملتوية كي يعبروا بتلك الأشجار. كانت الغصون مثقلة بالثمار، والحراس يملأون جيوبهم خوخاً أخضر يقطفونه على عجل فتنتفخ جيوبهم. كان قطافٌ واحد يكفيهم وقتاً طويلاً. وبعد ملئهم جيوبَ ستراتهم يتغاضون عن الأشجار ويسرعون خطاهم. كانت عبارة ناهش الخوخ بمثابة الشتيمة. وكانت تطلق على محدثي النعمة والانتهازيين والمتملقين وأولئك الذين يدوسون جثث الموتى دون ندم، كما كانت تطلق على الدكتاتور أيضاً”.

تحمل شخصيات الرواية أرياف طفولتها معها إلى المدن، فالقرويون المشردون يحملون ذكرياتهم ويضعونها في أشجار التوت التي جلبوها وزرعوها في أفنية المدينة، غير أنهم يحملون أريافهم في وجوههم أيضاً. الرعاة الهاربون من الريف كي يعملوا في المصانع ينتجون خرافاً من القصدير، والفلاحون يصنعون بطيخاً خشبياً. والعاملون في المسالخ يشبعون أنفسهم خلسةً من دماء الحيوانات، وأطفالهم هم شركاؤهم: “عندما يقبلهم آباؤهم قبل النوم، تفوح من أفواههم رائحة دم المسالخ، فيرغبون مثلهم بالذهاب إلى هناك (….) كل أسبوع، كان كورت يخبرني عن المسلخ، حيث يشرب العمال دماً دافئاً عندما يذبحون الحيوانات ويسرقون لحومها وأدمغتها. أطفالهم وزوجاتهم يتواطأون معهم، قال كورت. تستخدم الزوجات ذيول البقر القاسية لمسح الغبار، بينما يلعب الأطفال بالذيول اللينة”.

تعلق إحدى شخصيات الرواية “الجميع هنا قرويون. رؤوسنا غادرت قراها وأقدامنا تقف الآن في قرية مختلفة، لا يمكن أن تكبر أية مدينة في ظل حكم دكتاتوري، لأن كل شيء يبقى صغيراً عندما يخضع للمراقبة”. فالكاتبة تعود مراراً إلى التقويض الذي يسببه الخوفُ الطويل عارُ الإنسانية، الخوف الذي يدمر الإرادة ويشلها، ويحجر على حواس الفرد وعقله، وينهك مقدرته على الاحتفاظ بأبسط علاقاته الإنسانية.

“عندما رفعتُ البطانية كي أستبدل الغطاء، عثرت على أذن خنزير في منتصف الشرشف. تلك كانت طريقة الفتيات في الوداع. هززتُ الشرشف ولم تتحرك الأذن، فقد كانت مخيطة إلى وسطه مثل زرّ”.

في ختام الرواية تتساءل الراوية فيما إذا كانت قد تعلمت شيئاً من الحياة: “لقد آلمني موت تيريزا أشد الألم وكأن لي رأسين أحدهما يحطم الآخر؛ أحدهما مليء بالحب المجزوز، والآخر مليء بالكراهية. أردت أن ينمو الحب من جديد، لكنه نما كالعشب والقش المختلطين معاً، واستحال برهاناً جليدياً يعلو حاجبي”.

{{
***}}

تتحدث روايتها (جواز السفر) 1986 عن أحلام طحان في قرية رومانية ناطقة بالألمانية تقع في سهل الدانوب، يتقدم بطلب الهجرة إلى ألمانيا الغربية.

” تعلّق أمالي خريطةَ رومانيا إلى الحائط.

“كل الأطفال يعيشون في المنازل أو في شقق البنايات”، تقول أمالي. “هناك غرف في كل بيت، والبيوت كلها تؤلف معاً بيتاً كبيراً. هذا البيت الكبير هو وطننا. أرض آبائنا”.

تشير أمالي إلى الخريطة وتقول “هذه هي أرض آبائنا”، وتفتش برأس إصبعها عن النقاط السوداء على الخريطة. “هذه هي المدن في أرض آبائنا”، تقول أمالي. “المدن هي الغرف في هذا البيت الكبير، وطننا. يعيش آباؤنا وأمهاتنا في بيوتنا. إنهم آباؤنا. لكل طفل والداه. والأب في البيت الذي نعيش فيه هو أبونا، وكذلك الرفيق نيكولاي تشاوشيسكو هو أب وطننا. الأم في البيت الذي نعيش فيه هي أمنا، ومثلها الرفيقة إيلينا تشاوشيسكو هي أم وطننا. الرفيق نيكولاي تشاوشيسكو هو أب الأطفال جميعاً. والرفيقة إيلينا تشاوشيسكو هي أم الأطفال جميعاً. الأطفال كلهم يحبون الرفيق نيكولاي والرفيقة إيلينا لأنهما والداهم” “.

{{
***}}

أما روايتها (السفر على ساق واحدة) 1989، فهي رواية قصيرة عن متاهات المنفى تسردها من خلال اضطرابات إيرين الشابة ذات الثلاثين عاماً المتقاطعة في تفاصيل حياتها مع حياة الكاتبة. فهي مثلها هاجرت إلى برلين الغربية قادمة من البلاد الأخرى التي لا تذكر اسمها. عندما تلتقط إيرين الصور، يتراءى لها أن الصورة تظهر “إيرين الأخرى”، أو أناها البديلة التي تلقي بالظلال على حياتها هي. وعندما تمشي للمرة الأولى داخل شقة تحسب أن الغرف أيضاً تسير في داخل جسدها. كان السبب المباشر في هجرة إيرين هو لحاقها بفرانز، السائح المدمن على الكحول الذي التقت به في مقهى بحري في رومانيا. وعندما تصل إلى ألمانيا تجد إيرين نفسها وقد انجرت إلى علاقات حميمة مع أصدقاء فرانز أيضاً، فيبدون لها جميعاً بؤساء بطريقة أو بأخرى.

” التقت إيرين بتوماس عن طريق ستيفن على ضفاف لاندفيركانول. كانت الشمس دافئة، غير أن ضوءها يشي باقتراب فصل آخر. توافدت أصوات باعة الأشياء المستعملة تحملها الريح عبر الأشجار، قادمة من جهة سوق الأحد. وحملت الريح رائحة تشبه رائحة الغبار والملابس القديمة.

كان سوق الأحد واحداً من الأمكنة الكثيرة التي نسيتها المدينة، حيث يتقنّعُ الفقر بالعمل.

كانت تنمو في تلك الأمكنة حشائش جاءت من مناطق لا أحدَ يعيشُ فيها: أشواك واخزة وقرّاص ونبات الألفية، وهي بالنسبة لإيرين حشائشُ البلاد الأخرى.

فزعت إيرين عندما رأت حشائش البلاد الأخرى هنا في المدينة. ساورها الشك بأنها قد جلبت الحشائش معها داخل رأسها. تلمّست إيرين الحشائش لتتيقن من أنها ليست بنات خيالها.

ساور إيرين شك آخر، وهو أنها قد أبقت حنينها إلى الوطن صغيراً وحبيساً داخل رأسها فما عادت تتعرف إليه؛ و كذلك نحّت كآبتها كلما ظهرت، وشيدت حول حواسها أسواراًً من الأفكار لعلها تتغلب عليها”.

{{
***}}

رواية (الاستدعاء): ثمة شبه بين روايتها هذه وروايتي كافكا “القلعة” و”المحاكمة”، حيث تتحدث عن امرأة يتم استدعاؤها مراراً والتحقيق معها، كأنها تقرأ رسالة سرية أتت من قلب كابوس، إذ لا يخفى تأثير كافكا الكبير على معظم أدباء أوروبا الشرقية.

صباح يوم الخميس، شابة لن نعرف اسمها تستقل الحافلة متجهة إلى مكاتب البوليس السري أو المخابرات؛ إنها تعمل في مصنع للملابس الرخيصة، وإثر يأسها من مغادرة رومانيا تقوم بترك ملاحظات سرية داخل بدلات الكتان البيضاء التي يتم تصديرها إلى إيطاليا، حيث تخيط إلى جيوب هذه البدلات رسائل كتبت فيها “تزوجني”، و تتضمن اسمها وعنوانها. فيما بعد يتم العثور على رسائل مماثلة في الملابس المخصصة للتصدير إلى السويد أيضاً.

في هذا الكتاب تختلط ذكريات الساردة مع ملاحظاتها وأحلامها وأكاذيبها واكتشافاتها، إنها فوضى كبرى صعبة القراءة لأن السرد بتقنية تيار الوعي يخلي الرواية من أي اتجاه أو حدث واضحين تماماً، والدقة النفسية هنا أهم من مصائر الشخصيات، ليقترب الأسلوب من قصائد النثر أحياناً، محتشداً بتفاصيل عن الخوف والكبت الجنسي والألم. هذه الرواية تمرين في الصبر، وتجري أحداثها كلها داخل رأس الساردة، مروية بلسانها، أثناء ركوبها الحافلة وهي متجهة إلى مكتب التحقيق. إنها تلملم شظايا تجاربها وكسور حياتها دون خيط واضح في السرد، تحاول الوصول إلى نظامٍ ما يخصُّها لتحتمي به في عنف الفوضى. “كان فقدان الحس أسهل عليّ من فقدان الهدف”، تقول وهي تتأمل طرقاً لا تحصى تفسد بها الحكومة مواطنيها وتروّعهم؛ إنها تتأمل وتشرد وتضلّ داخل ذاكرتها وهواجسها، ولا تثق بأحد حتى بالقارئ: “الافتراءات سرقت مني روحي”.

المحقق، وهو الرائد ألبو، يطبع قبلة ندية على يدها مبتسماً قبل استجوابها ساعات طويلة بلا هوادة، يتهمها أثناءها بالدعارة. هذه التحقيقات غير منتظمة، فتعيش الساردة حياتها خائفة من استدعائها في أي وقت، دون أن تعرف إذا ما كانوا سيعتقلونها إلى الأبد. وفي الأيام التي لا تخضع فيها للتحقيق يتمزق قلبها لأنهم يلاحقون بول، زوجها الثاني الكحولي وهو مصدر أمانها الوحيد، وتشمئز لأنها هي نفسها تتحول أحياناً إلى محقق آخر، وتشكو “لا يعترف المدمنون بشيء، ولو في صمت أمام أنفسهم – ولن يتركوا أحداً ينتزع هذا الاعتراف منهم، وخصوصاً من يرتقب سماع اعترافهم”.

تقول الساردة التي تسترجع كل شيء خلال رحلة الحافلة فحسب: ” كم توجب علي الكذب أو إغلاق فمي كي أحمي الذين أحبهم –ففي تلك الأوقات كان بوسعي أن أتحمل قليلاً- وأمنعَ عنهم الانجرار إلى كارثة ما (….)كلما رغبتُ في استمرار كراهيتي إلى الأبد تخففت بالاشمئزاز. كنت أستسلم للكراهية التالية، ومعي من الحب نزر يسير، يقابله من جهة أخرى ركامٌ من توبيخ الذات. كنت دائماً أتمتع بالحس الكافي كي أحمي الآخرين، ولكني لم أملك منه أبداً ما يكفي كي أنقذ نفسي من المصيبة (….) كنتُ دائماً داخل الألم؛ ضباب الألم في كل مكان خانقٌ ومسموم، لا يُرى ولا يُلمس، لا يمكن تحديده ولا اختراقه”.

تغادر الساردة الشقة الواقعة في الطابق السابع التي تتقاسمها مع زوجها بول، وهي تستعيد نزهاتهما معاً أثناء ركوب الدراجة النارية. تتحدث أيضاً عن أعزّ صديقاتها ليلي، الحسناء التي قُتلت أثناء محاولتها التسلل عبر الحدود الهنغارية بصحبة عشيقها، الضابط العجوز البالغ من العمر 66 عاماً.

في مراهقتها تصادف الساردة والدها، وهو سائق باص عمومي، يمارس الجنس مع إحدى المومسات، فتفكر بأن تغويه كي تحميه، ثم تسخر من براءة هذه المناورة. وفي عملها، تضطر إلى الرضوخ لرئيسها في العمل فيغتصبها، وعندما يحاول التحرش بها مرة أخرى ترفضه، فيتوعدها ويجرها من شعرها، ويوشك أن يكسر أصابعها عندما يتظاهر بأنه سيقبل يدها، وفي النهاية يدس في محفظتها إصبعاً مقطوعة. أما هي فتدرب كل صباح قبضتها وتقوي مفاصل يدها، ولا شيء يحميها من الفساد والخوف. يتداعى عقلها وتشارف على الجنون، وتنفصل عن أحبتها وعائلتها وربما العالم بأسره، فالواقع كله ليس إلا عراقيل لا تنتهي، ولا شيء يفاجئها لأن الفوضى عمت كل شيء. ” كل شيء مهين. لا أجد كلمة أخرى غير الإهانة، عندما تشعر بجسدك كله وكأنه قدم حافية”، تقول الساردة المجهولة، “إني لا شيء، بصرف النظر عن استدعائي”.

أصدرت هرتا مولر العديد من الأعمال الشعرية: (الشيطان جالس في المرآة، ينحني الملك ويقتل، منذ وقت طويل كان الثعلب صياداً، حبة بطاطا دافئة هي سرير دافىء، سيدة تعيش في جديلة شعرها).

تتحدث هرتا مولر عن علاقتها مع اللغة الرومانية إثر ترجمة كتابها (سيدة تعيش في جديلة شعرها). يتضمن هذا الكتاب قصائد مكتوبة بطريقة الكولاج، حيث اقتطعت مولر الكلمات أو أجزاء من الكلمات المأخوذة من المجلات والصحف الرومانية، وأعادت تركيبها بطرق متنوعة، بل أنجزت أيضاً رسوماً توضيحية لبعض منها. لقد اكتشفت هذا الولع بالكولاج خلال إحدى رحلاتها، حيث استبدلت بالبطاقات البريدية المألوفة كلمات مقصوصة من المجلات. تقول: “كنت في غاية السرور عندما رأيت قصائدي الكولاج مطبوعة باللغة الرومانية، كل ما احتجت إليه هو المقصات، وطوال عملي أحسست باللغة تخدمني مرة واحدة فحسب. كانت تلك لعبة صغيرة مع اللغة الرومانية إذ أنني عاجزة عن الكتابة بها. استخدام الكلمات المتداولة يختلف عن شعورك بالمعاني التي تبطنها، فتمكني من اللغة الرومانية متوسط المستوى، وباعتقادي أن أجمل ما في هذه اللغة هو لغة الحياة اليومية التي تعلمتها جيداً أثناء عملي كمترجمة في مصنع السيارات. اليوم، سألني أحدهم عما تعلمته من الكتاب الطليعيين، فأجبته بأنني قد تعلمت الكثير من الأغاني الفولكلورية. عندما استمعت للمرة الأولى إلى غناء ماريا تاناس لم أصدق ما سمعته، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أشعر فيها حقاً بمعنى كلمة الفولكلور. الموسيقى الرومانية الفولكلورية تشدك إلى الوجود بطريقة مليئة بالمعاني، أما الفولكلور الألماني فلم يلهمني شيئاً على الإطلاق”.

تأخرت هرتا مولر في تعرفها إلى اللغة الرومانية حتى عمر الخامسة عشرة، إذ ما من أحد يتكلم تلك اللغة في مسقط رأسها بانات. ذهلت باكتشاف الاختلاف الكبير بين اللغتين الألمانية والرومانية، وهو اختلاف قد يبلغ حد التناقض أحياناً: “المجازات في اللغة الرومانية أكثر حسية ومباشرة، وتلك الصور المباشرة تلائمني على نحو أفضل مما تتيحه لي لغتي الأم الألمانية، وهذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلتني أرغب في تعلم اللغة الرومانية. أنا حساسة جداً فيما يتعلق بهذه اللغة، لكن مفرداتي ليست بذاك الغنى. ومن الصعب أن تعبر عن نفسك إذا افتقرت إلى المفردات. أتذكر أنني عندما التقيت إميل سيوران في باريس أخبرني برفضه أن يتكلم الرومانية منذ قدومه إلى فرنسا، ولكن مع تقدمه في السن صار يحلم بالرومانية، وما عاد بوسعه أن يتغلب على هذه الرغبة. فهي، كما قال لي، لغة تنقضُّ علي ولا أستطيع أن أحمي نفسي منها. (بول تسيلان أيضاً لم يكتب بالرومانية).

ولأذكر هنا مثالاً؛ ففي الرومانية تعني زهرة الثلج حرفياً “دموع صغيرة” أما في الألمانية فتعني “أجراس أيار الصغيرة”، فهنا لا نتكلم عن كلمات مختلفة فحسب وإنما عن عالمين مختلفين تماماً. بالنسبة للرومانيين يعني انسكابُ نيزك موتَ شخص ما، أما الألمان فيرونه أمنيةً تتحقق”.

لقد رتبت هرتا مولر، من أجل إنجاز نصوص الكولاج هذه، جدولاً خاصاً ومكتبة كاملة مصنفة أبجدياً، “فالكولاج شديد الشبه بالحياة، إذ أن الصدفة تلعب دوراً أساسياً في هذا المضمار؛ تبحث عن كلمة فتصادف كلمة أخرى، وتبدو لك الأخيرة هي الكلمة المناسبة فتلصقها على الورق المقوى وترى القصيدة أمامك وأنت عاجز عن تغيير أي شيء فيها. ليس بمستطاعك استرجاعُ الماضي، ولا تعديلُ هذه القصيدة كما هو ممكنٌ عادة في القصائد الأخرى”.

{{
***}}

{{
مقاطع من رواية (أرض الخوخ الأخضر) 1993}}

لم أعد إلى الوطن. كنت في ألمانيا، وتلقيت من الكابتن بيل مكالمات هاتفية من خارج ألمانيا أو تهديدات بالموت عبر البريد. كانت ترويسة الرسائل تظهر فأسين متصالبتين، وكل رسالة تحوي شعرة سوداء. لمن كانت؟

تفحصتُ الرسائل عن كثب، وكأن القتلة الذين سيرسلهم الكابتن بيل جالسون بين السطور وهم يحدقون في عينيّ.

رنّ الهاتف. رفعت السماعة. كانت تيريزا.

أرسلي إلي بعض النقود، أريد أن أزورك.

هل يُسمح لك بالسفر؟

نعم، أعتقد ذلك.

كان ذاك هو حديثنا.

ثم جاءت تيريزا لزيارتي. لاقيتها في محطة القطار. كان وجهها ساخناً وعيناي نديتين. على رصيف تلك المحطة رغبت فجأة في لمس كل جزء من تيريزا. كانت يداي ضئيلتين بالنسبة إليها، رأيت السقف فوق شعر تيريزا، وشعرت بنفسي أطفو صوبه. أثقلتْ حقيبة تيريزا ذراعي، ولكنني حملتها وكأنها مملوءة بالهواء. لم أنتبه إلى احمرار يدي بسبب مقبض الحقيبة إلا عند ركوبنا الباص. تمسكت بمسند الركاب الواقفين حيث كانت يد تيريزا. شعرت بخواتم تيريزا داخل يدي. لم تنظر تيريزا إلى المدينة عبر النافذة وإنما حدقت في وجهي. ضحكنا وكأن الريح تدغدغنا عبر النافذة المفتوحة.

قالت تيريزا في المطبخ: هل تعرفين من أرسلني؟ إنه بيل. لم أجد طريقة أخرى للقدوم. شربتْ كأساً من الماء.

لماذا جئت؟

أردت أن أراك.

بم وعدته؟

لا شيء.

لماذا أنت هنا؟

أردت أن أراك. شربتْ كأساً آخر من الماء.

قلتُ: سأكون على حقّ إذا طردتك الآن.

قلتُ: إن الغناء أمام الكابتن بيل لا يقارن بفعلتك هذه التي عرّتني أمامه.

ولكن رغبتي في رؤيتك ليست أمراً بهذا السوء، قالت تيريزا. سأتدبر شيئاً ما أقوله لبيل، شيئاً لا أهمية له بأية حال. نستطيع أن نتدبره معاً، أنا وأنت.

أنا وأنت. لا تفهم تيريزا أن “أنا وأنت” قد انتهت، ولم يعد من الممكن نطقها بالنفس إياه، وعجزتُ عن إغلاق فمي لأن قلبي كان يخفق داخله.

شربنا القهوة. كانت تشربها كالماء، ولم تدع الفنجان يفارق يدها، فقلت في سري، ربما هي عطشى بسبب الرحلة. كان الوقت ساكناً؛ ستذهب تيريزا ولكنها ستترك وجهها هنا يراني لأنني افتقدته دائماً. أرتني الندبة تحت ذراعها حيث استأصلوا الكتلة. وددت لو آخذ الندبة في يدي وأضربها. وددت لو أقتلع حبي من داخلي فأرميه على الأرض وأدوسه. عليّ بالإسراع إلى الاستلقاء حيث رميته لأدعه يزحف عائداً عبر عينيّ إلى رأسي. وددتُ لو خلعتُ الذنب عن تيريزا كما لو كان ثوباً بخساً.

خمد عطشها، فشربت فنجان القهوة الثاني ببطء. أرادت أن تمكث شهراً. سألت عن كورت، فقالت تيريزا: لا شيء يدور داخل رأسه غير المسلخ، ولا يتكلم إلا عن شرب الدم. لا أعتقد بأنه يحبني.

كانت تيريزا ترتدي بلوزاتي وفساتيني وتنانيري، كانت تذهب إلى المدينة برفقة ثيابي عوضاً عني. في المساء الأول أعطيتها المفتاح وبعض النقود وقلت: لا وقت لدي. لم تستوعب رهافتُها عذري. خرجت بمفردها وعادت بأكياس ملأى بالمشتريات.

وفي المساء وجدتها إلى جوار حوض الحمام، موشكةً أن تغسل ثيابي فقلت: لا عليك، لا تعيديها إلي.

بعد خروج تيريزا، خرجتُ أنا أيضاً من البيت. لم أستطع الشعور بأي شيء سوى الخفقان في حلقي. لازمت الشوارع المحيطة وتجنبت المحلات كي لا أصادفها. لم أمكث في الخارج طويلاً وعدت قبلها.

كانت حقيبة تيريزا مقفلة. وجدت المفتاح تحت السجادة. في القسم الداخلي من الحقيبة وجدت رقم هاتف ومفتاحاً جديداً. اتجهت إلى باب بيتي الأمامي فوجدت المفتاح ملائماً له. اتصلت بالرقم فأجابني صوت: السفارة الرومانية. أقفلت الحقيبة وأعدت مفتاح الحقيبة إلى مكانه تحت السجادة. وضعت مفتاح الباب الأمامي ورقم الهاتف في درج مكتبي.

سمعت المفتاح يدور في الباب، وقع خطى تيريزا في الممر، باب غرفتها ينفتح. سمعت خشخشة أكياس التسوق، وباب غرفتها وباب المطبخ وباب البراد. سمعت صليل الشوكة والسكين، الحنفية المفتوحة، باب الثلاجة وهو يصفق، باب المطبخ، باب غرفتها. كنت أبلع ريقي بمشقة لدى كل ضجة تحدثها. شعرت بأياد تمسك بخناقي، وبكل ضجة تتمكن مني.

ثم انفتح باب غرفتي، ووقفت تيريزا هناك وفي يدها نصف تفاحة مأكولة، وقالت: لقد فتشتِ حقيبتي.

أخرجت المفتاح من درج المكتب وقلت: هل هذا هو الشيء الذي لا أهمية له بأية حال لدى بيل؟ لقد جئت لكي تنسخي مفتاحي. قطارك سيغادر الليلة.

شعرت بلساني أثقل من باقي جسدي. تركت تيريزا تفاحتها وحزمت حقيبتها.

ذهبنا إلى موقف الباص. كانت هناك امرأة عجوز تنتظر وفي يدها بطاقتها وحقيبة مربعة.

كانت تمشي ذهاباً وإياباً قائلة: سيصل باص في أية دقيقة. ثم رأيت سيارة أجرة فاستوقفتها إذ قد لا يأتي الباص أبداً، فلا يتوجب علي الجلوس أو الوقوف هناك وأنا أنتظر برفقة تيريزا.

ركبت إلى جوار السائق.

وقفنا على رصيف المحطة، هي تتمنى لو استطاعت المكوث هنا ثلاثة أسابيع أخرى وأنا أتمنى تلاشيها على الفور. لم نتبادل الوداعات، ثم انطلق القطار ولم تلوح أية يد بالوداع سواء داخل القطار أو خارجه.

كانت الطرقات خالية وساقاي أوهن من خيطين. عدت من المحطة إلى البيت مشياً واستغرقت من الليل نصفه وتمنيت ألا أصل إلى هناك أبداً. ما عدت أنام في الليل.

وددتُ أن ينمو الحب من جديد كالعشب عندما يجزونه، أن ينمو نمواً مختلفاً إذا اقتضت الحاجة، كأسنان الأطفال، كالشعر، كأظافر اليدين. فيتواثب متى ما شئت، جامحاً وطليقاً. جعلتني برودة الشراشف أرتجف، وكذلك الدفء الذي أعقب استلقائي.

عندما ماتت تيريزا إثر عودتها إلى الوطن بستة أشهر، أردت أن أنسى هذه الذكرى. ولكن لمن سأمنحها؟ وصلت رسالة تيريزا الأخيرة بعد موتها:

الآن كل ما بوسعي القيامُ به هو أن أتنفس كالخضار في الحديقة، جسدي مشتاق إليك.

حبي لتيريزا عاد إلى النمو من جديد، أرغمتُه على النمو، إذ علي أن أحمي نفسي، أحمي نفسي من تيريزا ومني، لعلي أعود على النحو الذي كناه قبل زيارتها لي. كان علي أن أربط يديّ إذ أرادتا أن تكتبا لتخبرا تيريزا إني لا أزال أتذكر كلينا معاً، وإن البرد الذي في داخلي قد حرك الحب رغماً عن عقلي.

بعد أن غادرت تيريزا، تكلمت مع إدغار فقال: لا ينبغي أن تكتبي لها، لقد رسمتِ مساراً، إذا كتبت وأخبرتها كم كنت تتعذبين فسيبدأ الأمر كله من جديد مرة أخرى. ثم ستعاود زيارتك. أعتقد أن تيريزا كانت تعرف بيل عندما عرفتك، أو ربما قبل ذلك.

كيف ومتى ولماذا اختلط الحب الحميم بالجريمة؟ شعرت بأنني أصرخ اللعنات التي تفوقُ طاقتي.

من يحب ويهجر سيلقى غضب اللـه، سيعاقبه اللـه بالخنافس وعويل الريح وغبار الأرض.

أصرخ اللعنات، ولكن في أذنِ من؟

اليوم ينصتُ العشب عندما أتكلم عن الحب…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق