عندما يغيب العقل

لإنسان هو حجر الزاوية في أي تطور أو نجاح ليس في سورية وحسب، بل وفي جميع المجتمعات البشرية، ومهما صدر من قوانين وأنظمة، ومهما توافر من أسباب التطور المادي والتكنولوجي,إلا أن ذلك يبقى مرتبطاً ارتباطاً وثيق الصلة بمدى احترام الإنسان كإنسان وتأمين الحرية له، ومرتبطا أيضاً بمدى تمتع هذا الإنسان  بتربية سليمة وتعليم جيد، ولهذا لم يكن مستغرباً أن الدول والمجتمعات التي احترمت مواطنيها ووفرت لهم قدراً كبيراً من المساواة في  الحرية والحياة الكريمة، وهيأت لهم أيضاً  قدراً واسعاً من التربية السليمة والتعليم الناجح،  وفتحت لهم الباب على مصراعيه لتلقي العلم والمعرفة بدون أية عوائق..الخ، تلك الدول التي سلكت ذلك النهج وما تزال، قد سبقتنا بمئات السنين، إن لم نقل آلاف السنين في كافة المجالات وعلى مختلف الصعد . بينما نحن العرب، ما زلنا نعتمد حتى في ستر عوراتنا على آلات الخياطة التي نستوردها من تلك الدول التي نشتمها وننعتها بالكذب والكفر والرذيلة في كل حين. ومازلنا نستهلك بلا حدود من غير أن ننتج إلا القليل القليل، نستورد كل شيء..حتى تلك المواد القليلة التي نصدرها لذلك الغرب الكافر، نعود ونستوردها مصنعة منه، نتلقى كل شيء جاهز  منه، من غير أن نرسل له شيئاً، إلا أولئك الذين يقفون في طوابير أمام السفارات كل صباح بحثاً  عن لقمة عيش أو حياة حرة، أو عن فرصة دراسية… فذلك الغرب الكافر اخترع الحاسوب والسفن الفضائية والأقمار الصناعية والطائرات والسيارات والدراجات و أبر الخياطة والورق ..الخ ومازال يخترع وينتج، ونحن ما زلنا نستهلك ونستورد،  حتى الطعام الجاهز المعلب الذي يطبخه الأجنبي نستورده أيضاً. وبدل أن نستفيد من التكنولوجيا المستوردة، نبالغ في إساءة استخدامها، كما في الهاتف الخلوي، الذي نستخدمه في غالب الأحيان من أجل الثرثرة والاشتراك بالمسابقات وتنزيل صور الفنانات وأغانيهن المبتذلة، وتبادل النكات الجنسية ومقاطع لأفلام الجنس.. وشركات الخلوي مسرورة لهذا الاستهلاك تشجعه، مادام يدر عليها الربح الوفير. ونتيجة لهذا الاستهلاك المنفلت.. أصبحنا بلا وزن وبلا بُعد وبلا أي قيمة اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية أو حتى ثقافية.. فكان مصيرنا المحتوم أننا تأخرنا في كل شيء ولم نتقدم في أي شيء على ذلك الغرب الكافر، إلا في إنجاب الأولاد والركض وراء النساء.. فقط في هذين الأمرين تفوقنا بجدارة وامتياز، وقد عبر عن ذلك شاعر العرب نزار قباني في قصيدته “أبو جهل يشتري ..فليت ستريت” بقوله : (( ها هم بنو تغلب.. في سوهو وفي فيكتوريا… يشمرون ذيل دشداشاتهم ويرقصون الجاز ..عنترة يبحث طول الليل, عن رومية بيضاء كالزبدة..أو مليسة الفخذين .. كالهلال ..يأكلها كبيضة مسلوقة من غير ملح – في مدى دقيقة- ويرفع السروال.!!)).  أجل هذا هو وضع العرب، فلم يتغير منذ  أن رآه  ولمسه وصوره الراحل الكبير نزار قباني في أشعاره منذ عشرات السنين، ومازال العرب  يسيرون في نفس الصورة والطريق نفسه، لا بل نراهم  اليوم يتفاخرون بكثرة إنجاب الأولاد.. والانغماس أكثر في الملذات الجنسية وتشجعيها،  وبدل أن يستثمر أغنياء العرب أموالهم في مشاريع تنموية تعود بالنفع على بلدانهم، أو يخصصون القليل القليل من أموالهم لدعم المشاريع الثقافية والتعليمية، تراهم  يستثمرون تلك الأموال في تجارة الجنس عبر القنوات الفضائية ومواقع الانترنيت. فقد ذكرت صحيفة therun  الفنية الاسكتلندية في تقرير لها: ”  أن أكثر من 320 قناة على القنوات الفضائية الأوروبية على الأقمار hot bird و fulel sat و astra و kopernikus مملوكة لرجال أعمال عرب باستثمارات تفوق 460 مليون يورو .. وأكدت الصحيفة أن هناك 270 قناة من الـ 320 يستثمر أصحابها أموالهم في القنوات الجنسية الموجهة إلى الشعوب العربية وأمريكا اللاتينية، مشيرة إلى أن المصريين واللبنانيين والقطريين والجزائريين في مقدمة هؤلاء الذين يستثمرون أموالهم في تجارة الجنس من خلال العرض والحديث عبر الهاتف . .كما أشارت الصحيفة في تقريرها إلى وجود 170 قناة جنسية باستثمار مشترك بين رجال أعمال مصريين ولبنانيين يتخذون من دول أفريقية وأوروبية مقرًا لإرسال قنواتهم وتلقي الاتصالات التليفونية عليها، وأكد وجود 15 مصريًا يملكون وحدهم 56 قناة ..
وأضافت الصحيفة أن رجال الأعمال العرب الذين أقاموا قنوات جنسية على الأقمار الصناعية الأوروبية جنوا مكاسب تخطت المليار يورو خلال سبع سنوات فقط، وأشارت إلى أنهم لم يكتفوا بالعرض من خلال الشاشة فقط بل أنشئوا مواقع على شبكة الانترنت باسم قنواتهم للترويج، كما استخدموا التقنيات الحديثة في إرسال مشاهد فيديو عن طريق الموبايل وإرسال صور جنسية لمن يريد.. وأضافت الصحيفة أن القنوات الجنسية العربية تلقى إقبالا كبيرا من الشباب العربي وبعض المقيمين في الدول الأوروبية مثل اليونان وإيطاليا وقبرص، مشيرة إلى أن بعض رجال أعمال من دول إسلامية مثل إيران وأفغانستان يقومون بنفس الاستثمار على هذه القنوات الأوروبية.. واختتمت الصحيفة تقريرها مؤكدة أن بعض شعوب المنطقة العربية مهووسة بالجنس، مرجعة ذلك إلى إقبالها بصورة كبيرة على مشاهد الباقات الفرنسية multivision و  alfa. كما أن الشركات الأوروبية التي تعمل في مجال الأقمار الصناعية بالشرق الأوسط يزيد الطلب عليها للكروت الخاصة لفتح القنوات الجنسية ذات الاشتراكات. وأشارت أن الشركات الفرنسية صاحبة امتياز الـ multivision تقوم باستمرار بتعزيز ترددها نظرا لقيام القراصنة من الدول العربية بحل وفك شفرته لمشاهدتها دون دفع الاشتراك” ..!!

    وقد انتهزت فرصة وجود صديقي المغترب القادم من أمريكا، الذي كان في زيارة لبلده سورية هي الأولى له منذ عشرين عاماً، وسألته فيما إذا كان المواطن الغربي يتفرج على تلك القنوات الإباحية، وهو الذي سبق له أن زار الكثير من دول العالم ومن بينها الدول الأوربية.. فضحك ورد علي قائلاً: ” إن من يتفرج على تلك القنوات الإباحية هم في غالبيتهم الساحقة الأشخاص الذين وفدوا من الدول العربية والإسلامية، أما المواطن الغربي فهو لا يهتم بمثل تلك القنوات، بل تجده دائماً إما منشغلا في عمله أو في قراءة الكتب والروايات.. تراه يبحث عن كتاب جديد أو رواية جديدة ، يركب السيارة أو المترو وبيده كتاب  يقضي وقته في قراءة الكتاب طيلة الرحلة، حتى سائق سيارة الأجرة تراه يجلس خلف مقود سيارته والكتاب بين يديه ريثما يأتي دوره،  وسوف تستغرب إذا قلت لك أن الناس هناك في الغرب يقفون في طوابير طويلة  أمام المكتبات عندما يصدر كتاب جديد أو رواية جديدة.. وهذا ما رايته بأم عيني في الولايات المتحدة الأمريكية العام الماضي عندما شاهدت طابوراً طويلاً من الناس بانتظار أن تفتح المكتبة التي كانت تبيع الجزء الأخير من رواية الأطفال من سلسلة “هاري بوتر” الشهيرة، وقد تحدثت الصحف في اليوم التالي أنه في نفس اليوم تم بيع ثمانية ملايين نسخة من تلك الرواية في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية”.

  فقلت لصديقي، وأيضاً في بلادنا تقف الناس في طوابير طويلة، ولكن ليس لشراء كتاب أو رواية، بل لشراء أسطوانة غاز أو تعبئة بيدون من المازوت أو لشراء كيلو خبز..الخ، ولكن قل لي ما هو سر إدمان الناس في الغرب على القراءة، بينما هنا في بلادنا من النادر أن تجد أشخاصا أدمنوا القراءة؟ ولا زلت أذكر منظر الكتب المدرسية الممزقة المرمية أمام باب المدرسة بعد الانتهاء من تقديم الامتحان، وقليلون هم أولئك الذين فتحوا كتاباً بعد أن تخرجوا من الجامعة كأطباء أو مهندسين أو محامين أو صيادلة ..الخ، وإذا شاهدت أحداً يشتري صحيفة، فإنما يشتريها من أجل قراءة الأبراج وأخبار الفنانات وحل الكلمات المتقاطعة..الخ ومع ذلك ترى الجميع ينبري للتحدث في شؤون الفضاء والفلك والمناخ والطبخ والنفخ ..الخ. وليس هذا وحسب، بل نادراً ما تجد أحداً يقرأ صحيفة أجنبية أو كتاباً بلغة أجنبية..

 أجابني صديقي: إذا أردت أن تعرف أن هذا الشعب أو ذاك يحب القراءة، فما عليك إلا أن تعرف كم كتاباً أو عنوانا يطبعون سنوياً في بلدانهم، فمثلاً في بلجيكا التي يقل عدد سكانها عن عدد السكان في سورية يطبع فيها سنويا خمسة عشر ألف كتاب وعنوان، أما في فرنسا فيطبع سنوياً أكثر من أربعين ألف عنوان وأما في بريطانيا فإنه يطبع أكثر من مائتي ألف كتاب وعنوان، فكم عنوان تطبعون في سورية وبقية البلاد العربية؟  فقلت له : ليس لدي إحصائية دقيقة عن ذلك، لكنني قرأت مرة في إحدى الصحف أنه يطبع في الأردن نحو ستمائة عنوان وفي سورية سبعمائة عنوان وفي مصر فقط ثمانمائة عنوان، يغلب عليها العناوين الدينية والأبراج وتلك التي تتحدث عن سيرة هذا الحاكم أو ذاك وخطبه وأقواله.. أما الكتب العلمية فإن وجدت، فهي قليلة جداً ومرتفعة الثمن جداً.. مقابل دخول متدنية بالكاد تكفي لعشرة أيام في الشهر.. حتى في البلدان العربية ذات الدخول المرتفعة، فإنهم يقضون أوقاتهم بعيداً عن القراءة في إشباع شهواتهم الجنسية سواء داخل بلدانهم إن أمكن ذلك تحت ستار الخادمات التي يستوردونها، أو يضطرون إلى السفر إلى بلدان يجدون فيها المتعة الجنسية الرخيصة بعيداً عن العيون ..

  قاطعني صديقي قائلا:  لقد كنت في زيارة إلى لندن العام 1998، وقد استغللت وجودي هناك لحضور أمسية شعرية للشاعر المنفي الراحل نزار قباني  ألقى فيها قصيدته الشهيرة :”متى يعلنون وفاة العرب” ومما جاء في تلك القصيدة :

    
أراقبُ حال العربْ.
وهم يرعدونَ ، ولا يمُطرونْ…
وهم يدخلون الحروب ، ولا يخرجونْ…
وهم يعلِكونَ جلود البلاغةِ عَلْكا
ولا يهضمونْ…

أنا منذ خمسينَ عاما
أحاولُ رسمَ بلادٍ
تُسمّى – مجازا – بلادَ العربْ
رسمتُ بلون الشرايينِ حينا

أحاولُ منذُ بدأتُ كتابةَ شِعْري
قياسَ المسافةِ بيني وبين جدودي العربْ.
رأيتُ جُيوشا…ولا من جيوشْ…
رأيتُ فتوحا…ولا من فتوحْ…
وتابعتُ كلَ الحروبِ على شاشةِ التلْفزهْ…
فقتلى على شاشة التلفزهْ…
وجرحى على شاشة التلفزهْ…
ونصرٌ من الله يأتي إلينا…على شاشة التلفزهْ…

 

وأضاف.. هذه القصيدة التي منعت من الدخول إلى معظم البلدان العربية كبقية قصائد نزار قباني، ومع ذلك فقد تناقلها الناس فيما بينهم، هذه القصيدة تعبر تماماً عن العرب والحال التي وصلوا إليها، ومازالوا كذلك  وسيبقون كذلك ما داموا قد عطلوا عقولهم وانشغلوا في إنجاب الأولاد، والانغماس أكثر فأكثر في البحث عن الملذات الجنسية وتمويل القنوات الفضائية الإباحية بهدف إشغال الناس كل الناس وحرف تفكيرهم نحو الجنس ولاشيء غير الجنس..

  وقبل أن أودعه على أمل اللقاء به في زيارة قادمة قلت له: معك حق يا صديقي، فعندما يتعطل عقل الإنسان، فإن الغريزة هي التي سوف تتحكم في سلوكه وتصرفاته.!!

دمشق

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق