عندما يكون الأمل في الجحيم والسعادة في اليأس

كتب كثيرة قراءتها واجب، وكتب كثيرة قراءتها متعة. وكتاب الفرنسي أندريه كونت سبونفيل “السّعادة يأسا Le bonheur désespérément” إنّما ينضوي إلى النوع الثاني. وعندما يكون كتاب بهذه الصفة، إمتاعا ومؤانسة، فإنّه من الصّعوبة بمكان تقديمه أو تلخيصه. تقرأ هذا الكتاب، وكأنّك لا تقرأ كتابا في الفلسفة، وإنّما الحياة مكتوبة بلغتين: لغة المفاهيم الفلسفيّة ولغة الرّموزالأدبيّة. ولعلّ الشذرات المتفرّقة التي أسوقها من الكتاب، وليس لي فيها من فضل، فهي لصاحبها، وإنّما تصرّفت في بعضها تصرّفا بسيطا، أن تعزّز من وجاهة هذا الوصف.

يقول سبونفيل: إنّ الحبّ رغبة، لكنّ الرّغبة ليست نقصا. إنّ الرّغبة قدرة: قدرة على التّمتّع واستمتاع باقتدار!

وفي ما يخصّ الحبّ، فهو أيضا لم يعدْ نقصا (بما أنّه رغبة وبما أنّ الرّغبة قدرة): فالحبّ فرح. وهذا تعريف نجده في الكتاب III من الأتيقا: إنّ الحبّ فرح تصاحبه فكرة عن علّته. هذا تعريف فيلسوف، وهو مجرَّد كما ينبغي، لكن لنحاول فهمه. فما عساه يعني هذا؟ هذا، الذي نلفيه بعْدُ لدى أرسطو: “أن نحبّ، هو أن نتمتّع”، أو على نحو أدقّ (بما أنّه تجب فكرة عن العلّة) أن نتمتّع بـ. فأيّ مثال عن ذلك؟ تصوّر أحدهم يقول لك، هذا المساء، بعد قليل: “أنا مبتهج لفكرة أنّك توجد. “أو: “ثمّة انشراح لديّ، وعلّة انشراحي، هي فكرة أنّك توجد.” أو أيضا، ببساطة أكثر: “عندما أفكّر في أنّك توجد، فهذا يجعلني فرحا…” ستأخذ هذا على أنّه تصريح بالحبّ، ويقينا لك الحقّ. لكن سيكون لك أيضا الكثير من الحظّ. أوّلا لأنّه تصريح سبينوزي بالحبّ، وهو ما لا يحدث دائما (لقد مات كثير من النّاس دون أن يكونوا قد سمعوا بهذا؛ فاغتنموا ذلك جيّدا!) ثمّ تخصيصا، لكونه تصريحا بالحبّ لا يكلّفك شيئا، وهذا استثنائيّ بشكل خاصّ.

ستعترضون عليّ: “لكن متى يقال “أحبّ “، فذلك لا يكلّفك شيئا أيضا… “كلاّ. وليس فقط أنّ الآخر يردّ “أنا أيضا”. أو بالأحرى فكلّ الأمر يتعلّق بأيّ ضرب من الحبّ نتناول. إذا كان الحبّ الذي تصرّح به نقصا (كما الشّأن لدى أفلاطون، غير أنّ المسالة ليست في أن يكون المرء أفلاطونيّا أم لا، بحسب عبارات مذهبيّة، المسألة هي أن يكون المرء أو لا يكون لدى أفلاطون؛ فلم أكن أبدا أفلاطونيّا لكنّي أحيا كثيرا جدّا لدى أفلاطون، مثل كلّ النّاس: ففي كلّ مرّة نحبّ فيها ما نفتقد، فإنّنا لدى أفلاطون)، فإنّك عندما تقول “أحبّك”، فإنّ هذا يعني “إنّي افتقدك” وبالتّالي “أريدك” («Te quiero » كما يقول الإسبان: أحبّك، أريدك، نفس الكلمة). هو تماما مطالبة بشيء ما، إذن، بل هو المطالبة بكلّ شيء بما أنّه مطالبة بشخص ما، بما أنّه مطالبة بالشّخص نفسه! “أحبّك: أريد أن تكون لي. ” فأن يقال عندئذ “أنا فرح لفكرة أنّك موجود”، فهو ليس طلب أيّ شيء: هو إنشاء حالة فرح، وبعبارة أخرى حالة حبّ، وهي تستطيع لا محالة أن تناسب رغبة في التّوحّد أو التّملّك، لكن لن تُختزل في ذلك. فالأمر وقف على نوع الحبّ الذي نختبر، ومن أجل أيّ موضوع. إنّ هذا يكون حيث يقيم، على ما يوضّح سبينوزا، “كلّ هنائنا وكلّ بؤسنا”.

تصوّرن، سيّداتي، رجلا يقترب من الواحدة منكنّ هذا المساء في الطّريق، أو غدا، وهو يقول لها: “سيّدتي، آنستي، أنا سعيد لفكرة أنّك موجودة!”وبما أنّه ليس مستبعدا كونه يستعير هذه الفكرة من نصّي، فإنّه ينبغي بعد كلّ شيءأن أوفّر لكنّ بعض عناصر الإجابة، حيث تفعلن بها ما تشأن… فما عساكنّ تجبنه؟ ليكن مثلا هذا الجواب:
– سيّدي العزيز، هذا يسرّني. إنّك فرح لفكرة أنّي موجودة؛ وها أنت ترى أنّي موجودة فعلا، فكلّ شيء على ما يُرام إذن، عمت مساءً سيّدي!
سيحاول بلا ريب استبقاءكِ:
انتظري، لا تغادري: أريد أن تكوني لي!
في هذه الحالة، سيّدي المسكين، يكون هذا شأنا آخر تماما. أعدْ قراءة سبينوزا: “الحبّ فرح تصاحبه فكرة عن علّته”. هل أنت موافق؟
نعم. . .
– لكن عندئذ، ما الذي يجعلك فرحا؟ هل إنّ ما يجعلك فرحا، هو فكرة أنّي أوجد، كما فهمتُ في البداية؟ وهي الحالة التي أذنت لك فيها بأنْ تحبّني، وابتهجت وقلت لك عمتَ مساءً. أم هل إنّ ما يجعلك فرحا، هي فكرة أنّي أكون لك، كما أخشى أن أفهم الآن؟ وهي الحالة التي فيها ما أنت تحبّه، ليس أنا، وإنّما امتلاكي، ممّا يعني، سيّدي المسكين، أنّك لا تحبّ إلاّ نفسك. وهذا لا يعنيني البتّة!

ستشوّشينه لا محالة. سيتلعثم، ويغمغم، ويقول لك مثلا:
لم أعد أعرف… أنا محبّ، ماذا!

حسنا أن أُتعب نفسي لأفسّر لك! أنت محبّ، فأنت لدى أفلاطون، إنّك لا ترغب إلاّ في ما ليس لديك: أنا أنقصك، فتريد أن تحوزني. لكن تصوّر أنّي ألبّي عروضك… فمن فرط أن أكون لك، أن أكون هنا كلّ الأماسي، كلّ الصّباحات، ستفتقدني حتما أقلّ فأقلّ، ثمّ أقلّ من أيّ شيء آخر أو أقلّ من العزلة. ولقد عشنا كفاية، أنا وأنت، لندرك كيف تجري هذه الأمور… فهل تريد حقّا أن نكرّر هذه القصّة، مرّة أخرى؟ هذا لم يعد يعنيني… اللّهمّ… اللّهمّ إلاّ إذا كنتَ قادرا على أن تحبّ بطريقة أخرى، أن تكون سبينوزيّا، على الأقلّ أحيانا، أو أن تحيا لدى سيبينوزا، أريد أن أقول أن تحبّ من لا تفتقد، أن تبتهج بمن هو كائن، وفي هذه الحالة، فإنّ هذا يمكن أن يشدّني. فكّر في الأمر. وها رقم هاتفي. “

لا يوجد حبّ سعيد، ولا سعادة من دون حبّ. لا حبّ سعيد طالما هو يفتقد موضوعه. ولا سعادة من دون حبّ، طالما أنّها تستمتع به.

ثمّة شيء لا يفسّره الحرمان، لا تفسّره الأفلاطونيّة: هو أنّ هناك أزواجا سعداء، أحيانا، هو أنّ هناك حبّا لا يكون عن نقص بل عن فرح، لا عن كبت بل عن متعة، لا عن قلق بل عن نعومة، لا عن وهم بل عن حقّ، عن حميميّة، عن اطمئنان، عن إحساس، عن امتنان، عن مرح، عن سعادة… “أحبّك، يقول الواحد للآخر: أنا سعيد أنّك موجود، سعيد أنّك تحبّني، سعيد أن أقاسمك السّرير، سعادتَك، حياتَك. ” فكلّ زوج سعيد هو طعن في الأفلاطونيّة. وهذه حجّة إضافيّة لي لأحبّ الأزواج، عندما يكونون سعداء، ولارْتَابَ في الأفلاطونيّة.

لكنّ الحبّ يمتدّ إلى ما أبعد من الزّوج، بل حتّى أبعد من الأسرة. “إنّ الصّداقة تقود رقصتها حول العالَم، تحثّنا كلّنا على أن نستيقظ لأجل الحياة السّعيدة. “على ما كان أبيقور يكتب. فلا حكمة إلاّ للفرح؛ ولا فرح إلاّ بالحبّ. هذه روح السّبينوزيّة، ولكن أيضا روح كلّ حكمة حقيقيّة. وحتّى لدى أفلاطون أو سقراط، وبالأحرى لدى أرسطو أو أبيقور، فإنّ لحظات الحكمة تكون من هذا الجانب. من جانب الفرح، من جانب الحبّ. فأن يبتهج المرء بما هو حاضر أَوْلَى به من أن يتكدّر (أو ألاّ يبتهج إلاّ بطريقة لا واعية) بما ليس موجودا. أولى به أن يحبّ من أن يؤمّل أو يخاف.

وخلاصةً، أذكّر ببساطة أنّ عكس الأمل، ليس الخوف، وإنّما العلم، والاقتدار والتّمتّع. وفي كلمة واحدة، أو بالأحرى في ثلاث، عكس الأمل، هو أن نعرف، وأن نفعل، وأن نحبّ. هذه هي السّعادة الوحيدة التي لا تكون منقوصة. فلا الرّغبة في ما ليس لدينا، أو في ما ليس موجودا (الحرمان، الأمل، الحنين)، وإنّما معرفة ما هو موجود، وإرادة ما نستطيع، وأخيرا حبّ ما يمضي وما لا حاجة بعدُ إلى امتلاكه. لا النّقص ولكن القدرة، لا الأمل ولكن الثّقة والشّجاعة، لا الحنين ولكن الوفاء والامتنان.

إنّنا لا نؤمّل إلاّ في ما ليس وقفا علينا؛ وإنّنا لا نريد إلاّ ما يعود أمره إلينا. إنّنا لا نؤمّل إلاّ في ما ليس موجودا؛ ولا نحبّ إلاّ ما هو موجود. فما ينبغي الاضطلاع به، إنّما هو تحويل الرّغبة إذن: هنا حيث لا نعرف، مثل الطّفل قبل أعياد الميلاد، إلاّ أن نرغب عفويّا في ما ينقصنا، في ما ليس وقفا علينا، فالأمر يتعلّق على العكس من ذلك بتعلّم أن نرغب في ما هو وقف علينا (بمعنى أن نتعلّم أن نريد وأن نفعل)، يتعلّق الأمر بأن نتعلّم الرّغبة في ما هو موجود (أي أن نحبّ) أحرى من أن نرغب دائما في ما ليس موجودا (أن نأمل أو أن نأسف).

لا يجوزنّ، وأنتم تغادرون هذا النص، حرمانكم من أن تؤمّلوا! حصرا لا! إنّكم لا تستطيعونالعيش بقطع الرّجاء. فلماذا؟ لأنّه مُذْ تكون ثمّة رغبة وجهل، رغبة وعجز، رغبة ونقص، فإنّه ثمّة لا محالة أمل. مُذْ نرغب في ما لا نعرف، في ما ليس وقفا علينا، في ما ليس لدينا، فإنّ الأمل يكون هنا دائما. فلا يتعلّق الأمر بأن نمتنع عن الأمل: إنّما يتعلّق الأمر بأن نتعلّم أن نفكّر، وأن نريد، وأن نحبّ! وآلانْ (Alain) يَكْتُبُ “إنّ الحكيم حكيم، لا لجنون أقلّ، وإنّما لحكمة أكثر”. فلا تحاولوا أن تحرموا أنفسكم من نصيبكم من الجنون، من الأمل، وبالتّالي من القلق والخوف. وتعلّموا بالأحرى أن تنمّوا نصيبَكم من الحكمة، من القدرة، كما كان يقول سبينوزا، وبعبارة أخرى من المعرفة، من الفعل ومن الحبّ. لا تمنعوا أنفسكم من أن تؤمّلوا: تعلّموا أن تفكّروا، تعلّموا أن تريدوا أكثر قليلا وأن تحبّوا أفضل قليلا.

كتب شومفورت Chamfort معلّقا على بيت لدانتي: “ليس الأمل غير دجّال يغشّنا باستمرار؛ وبالنّسبة إليّ، لم تبدأ السّعادة إلاّ عندما افتقدته” [=الأمل]، وأضاف: “سأعلّق مطمئنّا على باب الفردوس، البيت الذي علّقه دانتي على باب الجحيم: أنتم أيّها الدّاخلون هنا ! اقطعوا كلّ أمل”. وعقّب الفرنسي أندريه كونت سبونفيل، في تفسير هذا الاستبدال أن لا مسوّغ لتعليق هذا البيت على باب الجحيم. إذ كيف لا يِؤمّل المعذَّبون؟ وهم الذين يتألّمون كثيرا! فلا بدّ أنّهم يؤمّلون شيئا ما، أن ينتهي عذابهم. وربّما تشملهم رحمةً إلهيّةً، أو ربّما يتعوّدون على ذلك فيكون عذابهم أقلّ… ومن المستحيل تقريبا، سواء في الجحيم الإلهي أو جحيم دانتي أو جحيم المعرّي، ألاّ يكون هناك أمل. ولعلّ الآية” ونادى أصحاب النّار أصحاب الجنّة أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم الله، قالوا إنّ الله حرّمهما على الكافرين” (سورة الأعراف50) ليست إلاّ دليلا على هذا الأمل، وإن يكن أمل الإنسان الذئب في ذئبه الإنسان.

ومثال ذلك أيضا ما ساقه سبونفيل كأن يكون الواحد منّا بصدد التّجوّل في البراري، والطّقس حارّ، ويشعر بالعطش، فلا يقول في نفسه: كم سأكون سعيدا لو كنت أستطيع أن أشرب بيرة فاترة جدّا”، فهو ليس ساذجا إلى هذا الحدّ، وإنّما يقول: “لا شيء، في هذه الحال، يعدل متعة شرب بيرة فاترة جدّا!” وعند الرّجوع عبر أحد الدّروب، يعثر على فندق ريفيّ؛ وتُقدَّم له بيرة فاترة جدّا. ويشرع في احتسائها… وخيال شوبنهاور يوشوشه، متهكّما: “أي نعم، أعرف جيّدا، ليس غير هذا… إنّها نفس البيرة، المرغوب فيها تماما، لطالما افتقدتها، ها أنت تملّها…” فيجيبه: “كلاّ، أيّها الأحمق! كم هو طيّب أن نشرب بيرة فاترة جدّا عندما يأخذ منّا العطش!”

أو أن يكون الواحد منّا (رجالا ونساء) بصدد ممارسة الحبّ مع من يحبّ، أو يرغب فيه (هكذا يترجم العرب المعاصرونfaire l’amour، برغم أنّهم يملكون ـ على ما يبدو ـ أغنى معجم في النّكاح، ولكنّهم ـ على ما يبدوـ صاروا ينكحون ترجمة أي خيانة) وخيال شوبنهاور، الذي يمسك بالشّمعدان، يوشوشه، متهكّما، في الأذن:
-أي نعم، أعرف جيدا، تتشابه الأمور دائما: ليس غير هذا… كنت تقول في نفسك: “كم أحبّ أن تكون لي، كم سأكون سعيدا لو كانت لي!”
نعم طالما كنتَ تفتقدها، أو كنتِ تفتقدينه. أمّا الآن وهي لكَ أو هو لكِ، فهي لا تنقصكَ أو هو لا ينقصكِ، فتضجرُ/تضجرين بعدُ. . .
-لكن كلاّ، أيّها الأحمق! كم هو طيّب أن نمارس الحبّ عندما نشتهي، مع من نشتهي، وهو أطيب أكثر عندما لا نفتقده، عندما يكون هنا، وعلى العكس، عندما يهب نفسه، عندما يكون رائع الحضور، رائع الاستعداد!

وبجدّية، إذا كنّا لا نستطيع أن نرغب إلاّ في من نفتقد، في هذا الذي ليس أو هذه التي ليست هنا، فإنّ حياتنا الجنسيّة –لاسيّما حياتنا نحن أيّها السّادة- ستكون معقّدة أكثر ممّا لم تكن…

وإذا كنّا لا نستطيع أن نرغب إلاّ في ما ينقصنا، فكيف يتسنّى لي أن أحصّل المتعة وأنا أتحدّث إليكم، كيف يتسنّى لكم أن تحصّلوا، ربّما، المتعة وأنتم تصغون إليّ؟

لا يستطيع السّعيد تماما، في الفردوس، أن يؤمّل أكثر –بما أنّ لديه كلّ شيء. وقد كتب ذلك بوضوح القدّيس أوغسطين والقدّيس توما الأكويني: في الملكوت لن يكون هناك أمل، بما أنّه لن يكون هناك ما يؤمّل؛ لن يكون هناك إيمان بما أنّنا سنعرف اللّه؛ لن يكون هناك غير الحقيقة والحبّ. ومن وجهة نظر الملحد، ينبغي أن نضيف ببساطة أنّ الملكوت (الجحيم والفردوس: وحدة الاثنين!)، إنّما نحن فيه بعد، إنّه هنا والآن. يتعلّق الأمر بأن نقيم في هذا الكون الذي هو كوننا، أو بالأحرى الذي يحتوينا، حيث لا شيء ليُعتقَدَ فيه، بما أنّ كلّ شيء موجود ليُعرف، حيث لا شيء يُؤَمَّل، بما أنّ كلّ شيء موجود ليُفْعَلَ أو لِيُحَبَّ. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This