عن أنطون المقدسي.. سقراط سوريا (من دون مناسبة)

قدري أنني أنتمي إلى جيل فُرضت عليه ثقافة التسطيح.. التسطيح المعرفي، والتسطيح العلمي.. تسطيح يبدأ من تهميش الوعي الذي كان من ثماره زيف الوعي بالواقع والتاريخ في آن.. أقول هذا وأنا أستحضر في ذاكرتي ما قاله طه حسين في حواره الأخير مع غالي شكري “أصبحت ثقافة العامّة في زماننا هي ثقافة الخاصّة في زمانكم”، ولأنّني أنتمي إلى جيلٍ هذه بعضُ مفردات حياته وثقافته، كان من الصعب عليّ معرفة أنطون المقدسي سوى من مقالاته السياسية التي كتبها وهو يطرق أبواب التسعين من العمر.

لم أكن أرى تلك المقالات تتّفق وما سمعته عن موسوعيّة الأستاذ المقدسي الثقافية والفلسفية والمعرفية، وإن كان قد أسرني بتواضعه وبساطته خلال وجودي في مجلسه، فضلاً عن أني لم أقدّر أن أستاذنا المقدسي كتب هذه المقالات وهو في سنّ التقاعد من كلّ شيء، سوى التقاعد عن خدمة مجتمعه وثقافته اللذين نذر حياته لهما!

يقول عباس بيضون عن المقدسي عقب رحيله: “كان الثقافة نفسها بلا حاجز، ولم يضع المقدسي كتاباً، كان كتابه مكنوزاً فيه، بل كان في نفسه كتاباً مفتوحاً، ومن حضره قرأ واستزاد.. إلخ”.

شُغل المقدسي بالفكر العربيّ ومستقبله حتى كاد يغدو بالنسبة له هاجساً، وهي أفكار وهواجس لا مبالغة في قولنا إنها ما زالت راهنة، وسنسلّط الضوء على بعضها في هذه العجالة.

فعلى صعيد الفكر العربيّ، يعتقد المقدسي أنّ الأحداث منذ بعيد الحرب العالمية الثانية إلى أيامنا (كان هذا الكلام عام1968 ( تسارعت بشكل مذهل، بحيث لم تترك مجالاً للفكر العربي كي يلحق بها، وهذا ما أفسح المجال أمام الارتجال السياسيّ، فتجاوز السياسيّ المفكّر، لا بل الفكر أحياناً، وبذلك حذف مستوى من مستويات المشكلة، فأصبحت هذه مبتورة وكأنها فقدت عقلها. وهذه رؤية تتقاطع ورؤية طه حسين المتمثّلة في أنّ جيل الستينات (جيل الثورات والأحلام الكبرى (اشتغل بالسياسة أكثر ممّا اشتغل بالثقافة، واشتغل بالسياسة دون فكر سياسي.

في ما يخصّ الفكر (بشكل عام) يرى المقدسي، أنّه كي يعيش ويثمر، لا بدّ له من فسحة من الهدوء والتفرّغ، معتقداً “أنّ هذا ترف نعجز عن دفع ثمنه”. وفي الوقت ذاته يؤمن أنّ “العقل السليم يفيد من الهزّات العنيفة التي قد تقضي على العقل المريض”.

وفي معرض طرحه لاستحقاقات الفكر العربي يرى: أنّه عندما تصبح الأمّة العربية قوّة سياسيّة وفكريّة (والاثنتان متلازمان) فاللقاء مع الفكر، في شرق الأرض وغربها يأتي تلقائياً دون أن نستثيره أو نستجديه. فالفكر لا شرق ولا غرب: ثمة فكر أو لا فكر. صحيح أن الفكر ينبثق من الواقع ليجيب عن أسئلته، لكنه سرعان ما يتخطّاه ليفتح أمام مشكلاته آفاقاً جديدة.

قد يكون كلام المقدسي، آنف الذكر، ما يزال مطروحاً أمامنا رغم أنّه قيل منذ قرابة نصف قرن، وإلاّ فما مبرّر قيامنا في حوار مع ماضينا ومع ماضي الأمم الأخرى (حسب تعبير المقدسي أيضاً)؟ لماذا نطلب من أرسطو وابن خلدون، ومن أفلاطون وابن رشد الإجابة عن تساؤلاتنا؟ ذات التساؤل أعاده على مسمعي المفكّر الفلسطينيّ المعروف يوسف سلامة منذ قرابة الأربع سنوات، وإن كان بصيغة مختلفة نسبياً! أسمح لنفسي بالاستطراد بغية القول: إنّ واقع الحال يغدو أكثر فجائعية عندما ندرك أنّ غالبيّة مثقّفي حاضرنا صارت ترى الأجوبة عن أسئلة الواقع لدى الغزّالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية، وهذا ما يدلّ عليه بشكل واضح وجليّ ذلك الهوس ببناء المساجد عوضاً عن المدارس! والإقبال الشديد والمخيف على حلقات التعليم الديني الكلاسيكيّ بدلاً من الانشغال بتحديث جامعاتنا التي يصدق فيها قول الشاعر الراحل محمد عمران: “إنها عبارة عن ثانويات كبيرة”.

ومن دلالات ما سبق ذكره أنّ الفكر العربي، إلى جانب ضعفه في التحليل الانتقادي، هو كذلك آنيّ تستثيره الحوادث فيجيب عنها دون أن تكون له القدرة على المبادهة والتطلع، تعوزه دوماً الفسحة التي يتّسم بها الفكر العلميّ أي فسحة التأمّل والرويّة، حسب وجهة نظر المقدسي.

ببراءة يصارحنا سقراط سوريا: “يجب أن نكون صريحين مع أنفسنا، فنقول إن الفكر العربيّ في أوّل يقظته ولمّا يتكوّن بعد. فكل ما كتب عن القوميّة مثلاً، تقليد نزعم أنه علميّ مع أنّ الأبحاث تخطّته منذ زمن طويل. وكلّ ما كتب وما يكتب عن الثورة صالح لاستثارة الجماهير لا لتربية عقلها. وما كتب عن الاشتراكية قد يكون نقيض الفكر الاشتراكي، فهذا تحليل دقيق لواقع معين على ضوء علم يتكامل باستمرار هو علم الاقتصاد وعلى ضوء منهج ينمو دون انقطاع هو الديالكتيك”.

ركز المقدسي في الكثير من كتاباته على الأمراض التي تصيب الفكر العربي، منها عقدة الخوف، وغنيّ عن القول إنه خوف متبادل بين الحاكم والمفكّر، تنتج عنه قطيعة متبادلة بين الشعب والحاكم والمفكّر.. فعلى المفكّر –من وجهة نظر المقدسي- أن ينتصر على عقدة الخوف من الحاكم، وعلى الحاكم أن ينتصر على عقدة الخوف من الانفتاح. وعلى الاثنين أن يعرفا أنّ الانفتاح على الشعب معناه تحرير عقل الشعب لا استثارة غرائزه.

ويلخّص وجهة نظره سابقة الذكر بقوله: “ليس الحاكم هو الذي يحرّرك ويحرّرني. إنّما نحن الذين نحرّر أنفسنا، كلّ منّا بنسبة انتصاره على غرائزه وأنانيّته، وكذلك الحاكم ينفتح عليك وعليّ عندما ينتصر على كبريائه ليصغي إلى صوتي وصوتك”.

في معرض حديث لي معه عن حزب البعث والترجمة، انتقد بشدّة حال الترجمة عندنا، وقال “إن الكثير من المترجمين لدينا لا يعرفون المعنى المطلوب للكلمة المراد ترجمتها، ولا يجيدون اشتقاقات الكلمة في معناها الأصلي!”، ويعطف قائلاً: “المنطلقات النظرية لحزب البعث التي وضعها ياسين الحافظ في ستينات القرن الماضي عبارة عن ترجمة ركيكة للأدبياّت الماركسية”.

خصّ المقدسي الشاعر أدونيس بمقالة بعنوان “أدونيس في باريس”. ومناسبتها أن أدونيس ألقى في الكوليج دو فرانس خمس محاضرات عن (الشعرية العربية)، وأجد من المفيد التطرق إليها.

قال المقدسي في مقالته عن أدونيس”:قد تخالفه – وأخالفه- الرأي في العديد من القضايا التي دافع عنها. ولكن لا يمكنك – ولا يمكنني- إلا أن نعترف بسعة توثيقه، عمق نظرته، دقّة عرضه، قدرته على تحريض الفكر”.

ويذكر، ضمن طياّت مقالته المطوّلة عنه، أجوبة أدونيس عن حوار أجري معه للمناسبة السابقة الذكر. أجرى الحوار في ذلك الحين (أندريه والتر). ننقل هنا بعض ما وجه لأدونيس من أسئلة نظراً لراهنيته من جهة، ولعمقه الإنسانيّ من جهة ثانية: – بقيت في بيروت حتى أثناء القصف الشديد(أوائل ثمانينات القرن الماضي)، فما هو، في هذا الجحيم، الأمر الأساسي الذي استهدفت إنقاذه؟ يجيب أدونيس: بقيت على صلة جسدية مع الأرض، ومع كل الذين حرصوا على إنقاذ هذه الصلة. كنت مستعداً لتقبّل الموت، إذ لا يحقّ للمرء في ظرف كهذا أن يؤثر الحياة على الموت أياً كان الثمن. كما أنّي أبيت الانهزام أمام عذاب الآخرين.

ومن الأسئلة التي يثبتها المقدسي لأدونيس: لك شعبية عند القرّاء العرب. لكن لا تفوح منك رائحة القداسة عند الحكام. لماذا؟ يجيب أدونيس: زهيد هو تقدير الحكام العرب لي. إلا أنّ الأجيال الناشئة تحتضنني وأيضاً الشعراء والكتّاب والطلاّب. أنا عامل تناقض… وأفخر أني لم أكن يوماً ضيف حكومة عربية.

اتفق المثقفون السوريون على تسمية انطون المقدسي بشيخهم، لا بل إنّ بعضهم منحه لقب (سقراط سورية) لأنه لم يترك كتاباً على غرار سقراط أثينا، دون أن يلهث هو خلف اسم أو منصب أو حتى شهرة، بدليل أنه كان دائماً يرفض جمع مقالاته في كتاب علماً أنه شغل منصب مدير التأليف والترجمة في وزارة الثقافة السورية قرابة العشرين عاماً!

والأكثر دلالة أيضاً من كل ما سبق ذكره عن تواضع المقدسي وترفّعه عن نيل تلك (المكاسب) هو أنه أوصى قبيل وفاته، كما هو معروف، بعدم إجراء جنازة رسمية أو كنسية له، ومن يريد الحضور فليحضر بصفته الشخصيّة، وربّما كان هو المثقّف السوريّ الوحيد الذي تفرّد بهذا. ترى هل سننتظر كثيراً كي نشهد في سوريا مثقفين كباراً في فكرهم وإنسانيتهم كأنطون المقدسي؟ ألله أعلم!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق