عن إسلاميي ما بعد الثورات / عبد الله امين الحلاق

يأتي إعلان بعض الكتائب والسرايا والمقاتلين ضد النظام الشمال السوري إمارة إسلامية، تبعاً للفيديو المنشور على «اليوتيوب، والذي تناقلته بعض الفضائيات العربية الداعمة للثورة السورية، ليعزز مخاوف كانت ترتفع ويعلو صوت أهلها منذ بدء الثورة قبل حوالي واحد وعشرين شهراً. الخطاب الذي اعتمده الإعلام الكاذب للنظام السوري وخوّف السوريين منه بعد انطلاق ثورتهم ضده، بات اليوم وثيقة وفيديو يختزنه «اليوتيوب» وصفحاتنا الفيسبوكية كناشطين ضمن الثورة، فيما تذكرنا ممارسات «جبهة النصرة» و«لواء صقور الشام» انه ليس الوثيقة الوحيدة.

بعيداً عن الغبطة البالغة التي شعر بها النظام السوري لدى صدور موقف كهذا، وهذا النظام كان الدافع الأول باتجاه العنف والتطرف منذ بدء الثورة وحتى اليوم، وبعيداً عن اعتقادنا بعدم أهلية المجتمع السوري لاستقبال هذا النوع من المشاريع الراديكالية التي ستطيح حتى المسلمين المؤمنين إيماناً بسيطاً، ينافي إيمان دعاة الإمارة الإسلامية في حلب والشمال… نقف عند الإسلاميين في خضم هذه الثورات العربية التي كانوا ملتحقين بها أكثر من كونهم فاعلين فيها منذ انطلاقها.

لا نعتقد ان الإسلام السياسي الذي عرفته مجتـمعاتنا سابقـاً وتعرفه اليوم هو إسلام جاهز لدخول العملية الديموقراطية بكل ما تعنيه الديموقراطية السياسية وعلاقتها بالحريات المجتمعية بعد إنجاز الهدف الاول من الثورات، ونعني إسقاط الأنظمة. خطاب الإسلاميين السوريين يتطلب منهم توضيحات أكثر بخصوص علاقتهم بالدولة المدنية ومفهومهم لها ووضع غير الإسلاميين في المجتمع السوري، إن قيض لهؤلاء أن يقفزوا إلى الحكم بالديموقراطية المرجوة مستقبلاً، على ما هو الحال اليوم في مصر. ما نراه، ونرجحه، أن الدولة الدينية، وكما هي شبح للكثيرين من غير الإسلاميين، أقليات دينية وطائفة وليبراليين وعلمانيين وملاحدة ولا أدريين وغيرهم، فإنها بنية وهدف يصعب على الإسلام السياسي المعروف والإسلام المتطرف الشعبي الذي يلوح من قلب المأساة السورية الطلاق معها بسهولة مستقبلاً.

ثمة تماهٍ بين الإعلان السريع لدى مقاتلين إسلاميين سوريين للدولة الإسلامية التي تقيم «شرع الله» وفق بيان هؤلاء، وهو إعلان لم يغادر كونه فقاعة وغمامة عابرة في ظل رفض شرائح واسعة من السوريين المتتفضين له.. وبين إعلان «الإخوان المسلمين» على لسان الرئيس محمد مرسي لصلاحيات نافذة تجعل منه «خليفة لله على الأرض وحاكماً باسمه» استكملها مشروع استفتاء على دستور يضع الإسلام مصدراً رئيسياً من مصادر التشريع.

النفس الطويل لدى «الإخوان المسلمين» المصريين والذي حدا بهم للانتظار إلى حين رحيل مبارك وخوض الانتخابات والبدء بإعلان مشروعهم الإقصائي، لا يتميز به إسلاميون سوريون يحترفون التشويش على الثورة والهدف الأساسي لها بإسقاط النظام، وهم يعلنون مشروعهم قبل سقوط النظام، ويبدو مشروعهم نذيراً بصعوبات جمة ستشهدها سوريا بعد ذلك السقوط. ذلك لا يعني طبعاً أن «الإخوان المسلمين» السوريين سيكونون أكثر نضجاً ومصالحةً مع العصر ومفاهيم الحداثة والدولة المدنية الحقة من نظرائهم المصريين. ليس ثمة ما يدعو للتفاؤل بتغيير عميق في خطاب الإسلام السياسي ومنطلقاته النظرية ومشاريعه مستقبلاً في العالم العربي ككل إلا بمعارك سياسية واحتجاجات قوية وضاغطة كالتي قامت ضد من خلفهم الإسلاميون بحكم بلدان الربيع العربي..

للشعب السوري معاناته اليومية التي فرضها النظام عليه، وألقت بشرائح كثيرة من هذا الشعب خارج السياسة والتفكير سياسياً بالمستقبل، وقذفتها في مهب التشرد والبرد والعراء والنزوح أو العمل على اتقاء شر النظام في اليوم التالي. من السوريين من يقبل بانقضاض الإسلام التكفيري على أهداف ثورة عظيمة كالثورة السورية، وهؤلاء قلة على ما نعتقد، ومنهم من يرفضها ولا يرى حيزاً للتعبير عن ذلك بشكل سياسي وسط محرقة ميدانية يومية يشعلها النظام بدم بارد.

لكن، خارج تلك المعاناة الشعبية، يتجلى نمط من السياسيين الانتهازيين «والمثقفين» والكتاب والإعلاميين الذين يغضون النظر عما يجري في مصر، وما يلوح خطراً في سوريا، بهدف استجدائهم إجماعاً شعبياً مفتقداً، أو لمشاريع سياسية قد ينغصها الصدق والمصارحة وتقديم طرح سياسي يوصّف الواقع الإجرامي على يد النظام، والمنذر بالمزيد من الأسلمة والخطورة على مستقبل السوريين. هؤلاء، بِصمتهم وشعبويتهم يعززون خطاب النظام الذي انطلق منذ بدء الثورة في ظل غياب خطاب وازن يتعلق بموقع الديموقراطية والحريات والتطرف الديني في ظل النظام وفي سوريا ما بعد النظام، وهم بذلك إنما يعززون ايضاً مخاوف من يرون شبح التطرف ينمو ويسهم الإعلام في تضخيمه، فيلوذون بالنظام الذي صدّر نفسه حامياً لهم، ويتماهون معه ليكون خياراً في مواجهة المجهول الذي سيتلو سقوطه، وبئس الخيار.

 

عن جريدة السفير 21/12/2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق