عن التّرجمة ومشاكلها على موقع الأوان

كان من حسن حظّي أن اطّلعت في المدّة الأخيرة على نصّ فلسفيّ باللّغة الانكليزيّة نشره موقع “الفلسفة الآن” الأمريكي منذ حوالي الشّهر ونيّف، وهو من نوعيّة تلك النّصوص المستفزّة للفكر، إذ يعتريك إحساس غامض عند قراءته بأنّك صاحبه لأنّه لا يقول “إلاّ مُعادا مكرورا” على رأي الشّاعر زهير بن أبي سلمى. وقد يكون هذا الإحساس غير حاثّ على التّفكير، ناهيك عن الكتابة والتّحبير، إلاّ أنّه أفضل طريقة لتبرير الكسل الفكريّ كي لا نقول الرّقابة الذّاتيّة الرّاسخة في أعمق أعماق وجداننا العامّ.

المهمّ أنّ عنوان المقال المنوّه به كان في حدّ ذاته مستفزّا، فهو ” Why I am an atheist” (لماذا أنا ملحد ؟) [1]. والأهمّ من ذلك أنّ ما شدّ انتباهي (وأنا في هذا صادق تمام الصّدق) ليس ما طرحه المقال من تساؤلات، فقد تجاوزت مرحلة التّساؤل ما إذا كان الله جبّارا يسكن السّماوات العلى مستقرّا على عرش فخم يحفّ به وزراء/ملائكة لا يعصون له أمرا على صورة ما خبرناه من ملوك الأرض، أو هو في كلّ ذرّة من ذرّات الوجود – وهذا بالضّبط ما كان يحاوله المقال في نَفَسٍ فلسفي طفوليّ واضح- بل أمر آخر مختلف تماما رغم عدم خروجه عن إطار محاولة الإجابة عن التّساؤلات المطروحة في المقال. وباختصار، فإنّ الأمر يتعلّق بإشارة كاتب المقال إلى انتمائه لبقيّة باقية في الغرب لا تزال تجادل في مسائل الإيمان والإلحاد بأدوات مفاهيميّة تعود إلى ما قبل ألفي سنة !

وإحقاقا للحقّ لم يكن لمثل هذا الأمر أن يثير أيّ ردّ فعل لديّ، إذ ما أكثر من لا يزال يعيش حولي وفق تصوّرات لو عرضت على نوح لنفر منها وأشار إلى أنّها تعود إلى ما قبل عصر طّوفانه ! فما أثار استغرابي هو إشارة الكاتب إلى اعتناقه منذ دخوله مرحلة النّضج ما أسماه “العقيدة اللّوكريسيّة” (Lucretian doctrine)، وهو ما أشعرني بجهلي أنا من يدّعي في علم الأديان المقارن فلسفة، ذلك انّني أجهل تمام الجهل ما تعنيه تلك التّسمية، ناهيك عن علمي بوجودها أصلا ! فما هي تلك العقيدة يا رعاك الله (حتّى وإن كنت لا تؤمن به) ؟. وأمام هذا التعرّي الفاضح للأنا العارفة أمام ما تبدّى لها من جهلها، سارع كاتب هذه السّطور إلى الاستنجاد بكتاب شيخ فلاسفة العصر الحديث برتراند رسّل الموسوم بحكمة الغرب، فوجد فيه بعض ما بلّ ظمأه لكن دون أن يرويه، إذ تبيّن له أنّ تلك العقيدة هي ممّا يُنسب شرف نشره إلى الشّاعر والفيلسوف الرّوماني لوكريتيوس [99-55 ق م] (اسمه الكامل باللاّتينية تيتوس لوكريتيوس كاروس Titus Lucretius Carus، واشتهر بالفرنسيّة باسم Lucrèce ) في أنحاء إيطاليا خلال القرن الميلاديّ الأوّل من خلال قصيدته الفلسفيّة المسمّاة De rerum natura (في طبيعة الأشياء)، وأنّ تلك العقيدة لم تكن سوى ما كان يعرف مند القرن الرّابع قبل الميلاد – ولا زال الأمر كذلك إلى أيّامنا- باسم “المذهب الأبيقوري” (L’épicurisme) أي جملة الآراء التي كان يعمل الفيلسوف اليوناني أبيقور [342-270 ق.م] على نشرها والدّعوة إليها في المجتمع اليوناني المتفكّك آنذاك بخصوص الدّين، وهي الآراء التي يمكن اختصارها في مبادئ ثلاثة لا رابع لها: لا يجب الخوف من الآلهة؛ إذ لا شأن لها بنا ولا تكترث بمشاكلنا ولا تفرض ثوابا ولا عقابا، ولا يجب الخوف من الموت؛ إذ لا يمكننا أن نجربّه وبالتّالي فهو لا يعني إلاّ الأموات، ويمكن التغلّب على الألم بسلوك سبيل الحرص والاعتدال بهدف بلوغ حالة من التّوازن الذي لا يعكّره شيء، وهو أرفع اللذّات، ومن ثمّ فهو الخير الأسمى.

إلى هنا تنتهي قصّة قراءتي لهذا المقال، أو كهذا خيّل إليّ، إلى أن فوجئت أوّل أمس بنشر موقع الأوان [مقالا مترجما للأستاذ عمّار سليمان عليّ->http://www.alawan.org/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D9%85%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%9F.html] بنفس عنوان المقال العتيد (هو كذلك رغم أنفي؛ ألم يكشف لي مدى جهلي ؟)، فسارعت إلى قراءته ممنّيا النّفس بإرواء ظمئي (هو نفسه الظّمأ المنوّه به أعلاه، ولا فخر !)، إلاّ أنّني فوجئت والحقّ يقال بأنّ ما أقرأه قد لا يكون ترجمة للمقال العتيد الذي أثار بعض شجوني المعرفيّة وأحرج تعالمي، لولا أنّ المقالين يحملان نفس العنوان وعليهما اسم الكاتب نفسه !

قد يكون هذا التّوصيف قاسيا بعض الشّيء على الأستاذ عمّار الذي أقدم مشكورا وبكلّ شجاعة على ترجمة هذا النصّ الفلسفيّ من الانكليزيّة إلى العربيّة، فهو نصّ أعترف بأنّ ترجمته لم تكن سهلة ولا هي في متناول الجميع، بل ولربّما أحجم كاتب هذه السّطور عن ترجمته تهيّبا لو عرض عليه أن يفعل. وأنا أستسمحه هنا في أن أتّخذ من مقاله نموذجا لنقد ما ينشره موقع الأوان أحيانا من مقالات مترجمة، لا نشكّ في قيمتها وفي وجوب إتاحة الفرصة لقرّاء العربيّة للاطّلاع عليها توسيعا لآفاق معرفتهم بما يدور حولهم، فشكّنا لا يطال هذا البعد، ولا يطال جهد الأستاذ عمّار رغم اتّخاذنا عمله نموذجا، بل هو مخصوص فحسب بمدى دقّة ما يترجم من مقالات من لغات أخرى إلى لغتنا العربيّة، وفي هذا فرصة سانحة للتعرّف على بعض مشاكل التّرجمة واقتراح ما يمكن أن يمثّل حلاّ لها بخصوص ما ينشره الموقع من مقالات تدخل في هذا الإطار.

وعودا على بدء، أشير إلى أنّ حكاية “العقيدة اللّوكريسيّة” واستغلاق فهمها عليّ هي ما دفعني إلى كتابة هذه السّطور، فقد بدا لي أنّ ما استغلق عليّ بشأن تلك العقيدة قد استغلق أيضا على الأستاذ عمّار، إذ جاء في نهاية الفقرة الثالثة من النصّ العربيّ ما يلي:

” وبتأثير من ذلك فقد اعتنقت في سنّ الرشد، عن قناعة تامة، مذهباً خاصاً مناقضاً للكاثوليكيّة يسمّى Lucretian doctrine أو على نحو أدقّ Tantum religio potuit suadere malorum (كذا كان الدّين فعالاً في حثّ “الأشرار” على الانتقال).”

وبمراجعة النصّ الانكليزي، نجد الجملة كما يلي:

“I therefore entered maturity fully persuaded of the Lucretian doctrine Tantum religio potuit suadere malorum (‘So potent was religion in persuading to evil deeds”.’

ويتّضح من خلال المقارنة بين الجملتين أنّ الأستاذ عمّار لم يترجم عبارة ” Lucretian doctrine” وتركها كما هي في النصّ الانكليزيّ، وهو معذور في ذلك بلا أدنى شكّ إذ تعرّض لنفس ما أشرت سابقا إلى تعرّضي له !

ولئن كان ممّا يشكر عليه الأستاذ عمّار إشارته إلى أنّ تلك “العقيدة اللّوكريسيّة” (الملعونة لاستغلاقها على أفهامنا!) هي “مذهب خاصّ مناقض للكاثوليكيّة”، إذ نبّه القارئ إلى تعارض تلك العقيدة مع العقيدة الكاثوليكيّة، إلاّ أنّ ما أزعم ألاّ عذر للأستاذ عمّار فيه هو عدم إشارته إلى مناقضة تلك العقيدة لجميع العقائد الدّينيّة المعروفة. فلمَ خصّص الكاثوليكيّة دون غيرها من العقائد ؟ يبدو أنّ ذلك يعود إلى عدم دقّة ترجمة كاتب المقال الأصليّ للعبارة اللاّتينيّة التي حاول بها التّعبير عن تلك “العقيدة اللّوكريسيّة”، أي أنّه لم يحسن ترجمة العبارة من اللاّتينيّة إلى الانكليزيّة فأوقع الأستاذ عمّار وأوقعنا معه في نفس الخطأ !

تقول العبارة اللاّتينيّة: ” Tantum religio potuit suadere malorum” أي ما يمكنه تعريبه بعبارة “كم من الشّرور تولّدت عن الدّين”، وقد كان حريّا بالأستاذ عمّار أن يستعين بمن يحسن اللاّتينيّة لترجمة هذه العبارة مباشرة من لغتها الأمّ (ما أقساني ! وصلت إلى حدّ مطالبته بأن يكون أيضا مراجعا لما يترجمه !) ما دام الكاتب الأصليّ للمقال لم يحسن ترجمتها حين جعلها – إن أردنا التّرجمة الحرفيّة من الانكليزيّة – “لذلك كان الدّين قويّا في الإقناع بأفعال الشرّ !”.

وعلى كلّ حال، نشير، دون ادّعاء في العلم فلسفة، إلى أنّ العبارة اللاّتينيّة المذكورة هي بيت شعريّ للفيلسوف الشّاعر لوكريتوس (اللّعين مرّة أخرى !)، وهي عبارة شهيرة مقتطفة من قصيدته الفلسفية De rerum natura (في طبيعة الأشياء) [2] طالما استشهد بها الكتّاب والفلاسفة على مرّ الأزمان [3]، ومن هنا عدم استغراب الرّبط بين العقيدة اللّوكريسيّة والعبارة اللاّتينيّة بعبارة “أوعلى نحو أدقّ” التي توحي بأنّ العبارة اللاّتينيّة تفسّر ما سبقها من كلام، وهذا هو واقع الحال الدالّ على أنّ الأستاذ عمّار قد استوعب تماما المقصود بالعبارة اللاتينيّة، وذلك رغم خطأ الكاتب في ترجمتها إلى الانكليزيّة.

وما دام الأمر قد وصل بنا إلى هذا الحدّ من الجرأة، فإنّه لا بأس أيضا من الإشارة إلى خطأ ربّما كان يتعلّق بالأستاذ عمّار وقد يكون راجعا إلى عدم وجود مراجع لغويّ للنّصوص المترجمة ضمن هيئة تحرير موقع الأوان. وليعذرني الأستاذ عمّار مرّة أخرى في الإشارة إلى هذا الخطأ (ولا أطلب ذلك من المشرفين على موقع الأوان نكاية بهم !) وهو يتعلّق بلفظ ” apophati” الوارد في الفقرة قبل الأخيرة، فقد جاء في النصّ العربي:

” إن اللـه ” apophati”، الذي يعرّف بمصطلحات من نوع (اللـه ليس..)، عند الفيلسوف اليوناني كزينوفينس Xenophanes وبعض تيّارات المسيحيّة الأرثوذكسيّة، هو نوع من الإقرار بهذا اللاّتصوّر للألوهيّة”.

بينما جاء في النصّ الانكليزي:

The ‘apophatic’ God, defined in terms of what God is not, of the Greek philosopher Xenophanes and some strands of Orthodox Christianity, is some acknowledgement of this unthinkability of the deity.

وواضح أنّ الأستاذ المترجم ربّما سها عن تقييد اللّفظ المقصود بتمامه فسقط منه الحرف الأخير، إلاّ أنّ ذلك لا يشفع له برأينا إذ لم يترجم هذا اللّفظ واقتصر على إيراده في صيغته الانكليزيّة (النّاقصة !)، فاسحا المجال كي يفهم القارئ أنّ المقصود من نعت ” apophatic ” هو اسم لله أو صفة له (هذا ما فهمته أنا على الأقلّ ؟) بينما المقصود هو النّسبة إلى تيّار دينيّ يعرف أتباعه بالنُّفاة، أي أصحاب “اللاّهوت السّلبيّ” Théologie apophatique (مقابل اللاّهوت الإيجابي Théologie cataphatique)، وهو تيّار ينفي الصّفات عن الله لأنّه متعال عن التّعريف وعن الاتّصاف بصفات محدودة، وبالتّالي فهو مخالف لكلّ ما يخطر على بال بشر. وقد عرف التّراث العربي الإسلامي مثل هذا المذهب العقدي ومن أشهر فرقه الجهميّة أتباع الجهم بن صفوان الذين تقيّدوا بآية {لَيْسَ كَمِثلْهِ شَيْءٌ} لنفي الصّفات عن الله نفياً قاطعاً، فيرون أنّ كلّ صفة يجوز إطلاقها على الإنسان فإنّه لا يجوز أن يوصف بها الله، لأنّ في ذلك تشبيهاً له بخلقه.

ولو كان لي أن أترجم الجملة مثار الجدل لكانت مثلا: “إنّ الله في اعتقاد النّفاة أي المعرّف بمصطلحات (الله ليس…) كما نجده عند الفيلسوف اليوناني كزينوفان…”.

وزبدة القول أنّ هذه السّطور لا تتقصّد تتبّع هنات الغير (فما أكثر هنات كاتب هذه السّطور، خاصّة فيما يترجمه) ولا التّشنيع على القائمين على موقع الأوان، فالأستاذ عمّار سليمان عليّ أجلّ من أن يؤثّر فيه نقد لم يتوّخ منه سوى البرهنة على صعوبة ما تصدّى له وقيمة الجهد الكبير الذي بذله. أمّا فيما يختصّ بموقع الأوان، فإنّ الحكمة ربّما كانت تقتضي تكليف من يتولّى مراجعة ما يترجم بغرض النّشر كي لا نجبر مستقبلا على توجيه سهام النّقد لهيئة تحريره فيتّهمنا بعضهم بالتّحريض و”الاصطياد في الماء العكر” !

{{إحالات:}}

[1] مجلّة “Philosophy Now” الالكترونية في عددها لشهر ماي/جوان 2009 (على الرّابط http://www.philosophynow.org/issue73/73tallis.htm ).

[2] Lucrèce (Titus Lucretius Carus), De la nature (De rerum natura), traduction et notes : José Kany-Turpin, Paris :Flammarion, 1997, tome 1, p. 101.

[3] انظر الاستشهاد بها على سبيل المثال من بين عشرات الكتب (دون ترتيب) عند:

Boissier (Gaston) : La fin du paganisme: étude sur les dernières luttes religieuses en Occident au quatrième siècle, Hachette, 1898, p. 270.

Charron (Pierre) & Duval (Amaury) : De la sagesse, Rapilly, 1827, V. 1, p. 154.

Huxley (Aldous): The perennial philosophy, Michigan University, Books for Libraries Press, 1972, p. 243.

Matignon (Jean-Jacques) : Superstition, crime et misère en Chine: (Souvenirs de biologie sociale), A. Storck et cie, 1900, p. 143.

Vico (Giambattista) & Michelet (Jules) : Principes de la philosophie de l’histoire, A. Whalen, 1835, p. 341.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق