عن الجيران الذين أخذتهم العداوة / حسن داوود

ماركو مزراحي، الذي نشأ في لبنان وهاجر إلى إسرائيل في واحدة من موجات هجرة اليهود اللبنانيين إلى إسرائيل، ووجه هناك، بعد وقت قليل من وصوله، بخيار لا أعرف تماما إلى أيّ مدى أقلقه. هو سئل، بعيد وصوله: هل تقبل أن تعمل في المخابرات (الموساد)، التي صوّر الفيلم شارتها معلّقة فوق إحدى الطاولات بمنزله في تل أبيب. كما أنّ مشاهد الفيلم لم يعرف إن كان مزراحي هذا قد أجاب، بالنفي أو بالإيجاب، عن السؤال ذاك. لكنّه، بعد سنوات قليلة أعقبت، تطوّع جنديا في الجيش الإسرائيلي، ربما من ضمن قانون يقضي بتجنيد الوافدين الجدد. وكان، في 1982، قد عاد إلى لبنان غازيا مع فرق ذلك الجيش. وقد سئل الرجل، في الفترة التي سبقت عودته غازيا، إن كان يمكنه أن يقتل لبنانيّا. لم يتردّد كثيرا في الإجابة. وقد بدا كأنّه يُقرّ بحكمة شائعة حين قال، على الشاشة، في مفتتح الفيلم أوّلا، ثمّ في سياق المقابلة التي أجريت معه في سياق الفيلم: إن كان الخيار بيني وبينه (يقصد أيّ الإثنين سيُقتل)، أختاره هو.

ماركو هذا هو أكثر شخصيات الفيلم إثارة للتساؤل والريبة والتشكّك في ما روي عن يهود لبنانيين، بل وعرب، هاجروا إلى إسرائيل. كأنّه وحده دُفع إلى ذاك الخيار الذي أجبره على أن يقسم حياته إلى قسمين بخطّ فاصل لم يُفرض على رجال آخرين أحدهم هاجر إلى إسرائيل والآخر إلى كندا والثالث إلى بريطانيا. الثاني هذا، إيليا بصل، وهو نجل أحد المفوّضين في قوى الأمن اللبنانية، أرانا كيف أنّه ما زال يحتفظ ببدلة أبيه العسكريّة بعد ستين سنة من مفارقتها لجسمه. كانت سوداء مكويّة في الخزانة، كما لو أنّها مثل الثياب الأخرى، ستُخرج من بين الثياب المعلّقة، وتنزع من تعليقتها، لتُرتدى على الفور. وفي زاوية الغرفة تلك رأينا علما لبنانيا يرتفع على صارية صغيرة. المفوّض الذي من آل بصل، وهي عائلة يهوديّة معروفة، أبقى حنينه حيّا إلى لبنان. ففي كندا، حيث هاجر للإقامة، كان وحيدا، لأنّه لم يكن يعرف أحدا لينتظر لقاءه أو ليحادثه، بحسب ما قال إبنه الذي، بين من أجريت المقابلات معهم، ما زال حافظا للّهجة اللبنانيّة، أو لطريقة كلام اللبنانيين. تلك التي راح يقول الرجل الأوّل، واسمه آلان عبادي، وهو المقيم في إسرائيل ويعمل مؤدّيا لوصلات غنائيّة في مقاهي تل أبيب، إنّه يكاد ينسى «السلانغ» اللبناني ( مثل « أهلا حبيبي» وقد قالها مبتسما ومعجبا) الذي نشأ على استعماله والنطق به ، أو ينسى بعض كلماته. غير أنّه، كما أضاف، سيترك للوقت أن يتكفّل بمسألة النسيان هذه، غير منتبه إلى أنّ الوقت يجري في مجرى معاكس.

وقال هذا الأخير إنّه ما زال يحنّ إلى لبنان، وهو يعالج حنينه بمشاهدة أقنية تلفزيونيّة مثل أل بي سي وقناة المستقبل، كما أنّه يترنّم في أحيان مُسمعا نفسه أغنيات لبنانيّة ومسميّا أغنية «عبدو حبيب غندورة» التي ترجع إلى الزمن الذي سبق رحيله. آلان عبادي هذا لم يرجع مرّة إلى لبنان، لا محاربا ولا سائحا مثلما فعل رجل ثالث أو رابع شاهدناه في الفيلم هو زاك إيليا الذي لم يستطع أن يكمل جملة واحدة بسبب التأثّر الذي غلبه. كانت ندى عبد الصمد، معدّة الفيلم، قد أجرت المقابلة معه في بيروت التي أتاها سائحا من لندن حيث يقيم، وذلك بعد غياب عنها دام ما يزيد عن 40 عاما. قال إنّه في بيروت لم يعرف أين هو، وقد وصل ماشيا إلى الدورة وهو يظن أنّ المسافة التي قطعها هي المسافة بين أوّل وادي أبو جميل وآخره.

إحدى النساء اللبنانيّات اللواتي استضافهنّ الفيلم قالت إنّ جارتها، قبيل مغادرتها إلى إسرائيل، طمأنتها قائلة لها أن لا تبكي فراقها: « لأنّنا سنرجع.. من الجنوب»، جاعلة إياها تقول، بعد مضيّ 34 سنة، أن جارتها نطقت بما يشبه النبوءة يومها، وذلك بعد دخول الإسرائيليين بأسلحتهم ودبّاباتهم إلى لبنان من بوابته الجنوبيّة ذاتها. وقد غلب شعور الجيرة على نوازع السياسة ونواهيها عند السيّدة اللبنانيّة التي، بعدما سمعت الأصوات الهادرة للدبّابات والشاحنات العسكريّة تحت شرفة بيتها، راحت تنادي بصوت عال: ماركو.. ماركو» لظنّها أنّ إبن جارتها قد جاء للزيارة.

يهود صيدا أيضا وجدوا من يتذكّرهم في الفيلم، مع أن ّما ذكر عنهم مجرّد أسماء، أسماء أولى فقط لنساء عدّدها رجل أشار إلى البيوت التي كانت تقطنها يهوديّات في المدينة القديمة. هنّ يشتغلن بالخياطة كما قال، وإحداهنّ كانت تناديه كلّ سبت لكي ينير لها البيت بالضوء أو يشعل لها النار. رجل آخر من أهل صيدا تذكّر صديقا له هو إسحق ليفي، وكان بين آخر من غادروا لبنان بعد إجتياح 1982. أما في الكنيس المتداعي، والمقيمة فيه عائلة أو عائلات حملها الفقر المدقع إليه، فما زالت النجمة السداسيّة المصنوعة من الحديد المشبوك ظاهرة في أعلى حائطه. وقد دلّ الرجل المقيم هناك بإصبعه إليها، هكذا في ما يشبه التنصّل من أيّ مسؤولية قد تقع عليه جرّاء إقامته، هناك في المكان الذي يحقّ للزمن وحده أن يجري التبديلات عليه.

كأن النساء اللبنانيّات اللواتي ظهرن في الفيلم ضربن صفحا عن الحراجة الضروريّة المصاحبة لحنينهنّ فرحن يتكلّمن عن الجارات بكونهنّ جارات فقط. ومثلهنّ فعل الرجل التسعيني، مختار عيتاني، الذي قال أشياء عن معايشته لليهود وعن هجرتهم التي تسبّبت بها ظروف وأحداث وحروب،غافلا هكذا عن تداعيات أهليّة، أو طائفيّة لبنانيّة، أتت بها الحروب وساعدت على إخلاء من تباطأ في خروجه من أهل اليهود أو تردّد أو ظلّ مؤثرا البقاء هنا في لبنان، على الرغم من إمعان الدنيا في التقلّب بين أعاليها وأسافلها.

ذاك أنّ الجيران هم ضحايا ذلك التقلّب في الزمن، ويشمل ذلك أبناء الطوائف المتجاورين جميعهم. الرجل التسعيني كان سيقول الكلام نفسه عن تغيّر ناحية أخرى من أنحاء بيروت افتقد فيها الجيران جيرانهم من غير اليهود، من المسيحيين مثلا، الذين كانوا يشكّلون نصف هذا الحيّ الذي امسى سكنه خالصا لسواهم. أو الجيران السريان هنالك، الذين لم يبق منهم أحد، وإن كان مَن كانوا جيرانهم سيسرعون إلى نسيانهم لكون حالهم أقلّ حساسيّة من أن تدعو إلى دوام التذكّر.

مُعدّة الفيلم ومنفّذته ندى عبد الصمد أضافت المقابلات مع الرجال اليهود الذين لم يحضروا في كتاب وادي أبو جميل الذي صُوّر الفيلم إنطلاقا منه. الكتاب الذي صدر من نحو سنة، بقلم ندى عبد الصمد أيضا، إكتفى بذكرى القصص المختلفة عن مغادرة اليهود اللبنانيين، مرويّة بلسان جيرانهم، أو الجارات على وجه الخصوص، إذ يحقّ للنساء، دون الرجال، أن يجعلن الحياة البيتيّة وما يحفّ بها فوق الإعتبارات جميعها. كان يلزم، لكي يتشوّش الحنين ويهتزّ، أن نستمع إلى ماركو مزراحي، ذاك الذي ذهبت به الحياة إلى ابعد من كونه إبن الجيران فقط.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية – 26/9/2010

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق