عن الديمقراطية والأحزاب / عبد الحق عزوزي

الحزب السياسي هو مجموعة من الناس تشبعوا باتجاهات وأفكار متماثلة ومبادئ مشتركة ويحاولون أن يحققوا الأهداف التي يؤمنون بها، وهم يرتبطون بعضهم ببعض وفقاً لقاعدة أو قواعد تنظيمية مقبولة من جانبهم تحدد علاقتهم وأسلوبهم ووسائلهم في العمل قصد الوصول إلى السلطة.

 

انطلاقاً من هذا التعريف الموجز يمكن استخلاص أربعة عناصر مكونة للحزب: أولًا، عامل الفكر أو الأيديولوجيا التي يتطبَّع بها الأفراد ويؤمنون بها إيماناً راسخاً تجعلهم يصوغون مشروعهم السياسي؛ ثانياً: عامل الأهداف والمقاصد التي يناضل من أجلها المحزَّبون؛ ثالثاً: عامل التنظيم الذي يقوِّي لبِنات الحزب وتماسكه؛ رابعاً: عامل السَّعي الدؤوب للوصول إلى السلطة عن طريق الانتخابات المحلية؛ فالحزب خلافاً لمنظمات المجتمع المدني هو سياسي بالدرجة الأولى وغاية وجوده هو السَّعي دائماً للوصول إلى دواليب الحكم في البلد، يُجسِّد فيه مشروعه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إلى جانب أحزاب معارِضة تتربص به الدوائر في البرلمان والصحف والمؤتمرات الحزبية والنقاشات التلفزية والعمومية؛ وبإمكان هذه الأخيرة أن تصل إلى الحكم في الانتخابات المقبلة إذا اقتنع الناخبون ببرامجهم وتبيَّنوا مَواطِن الضعف في الحزب والتكتل الحزبي الحاكم.

 

والنُّظُم السياسية تكون بتراء عندما لا تكون فيها أحزاب قوية، وتزداد هذه الصفة سوءاً إذا لم يلبس الحزب لباس الديمقراطية الداخلية ومن القاعدة إلى القمة؛ فالديمقراطية والديمقراطية الحزبية عاملان لمعادلة واحدة.

 

في الدول الديمقراطية يُؤَمِّن القانون التعددية الفكرية والمشاركة العادلة والمنصفة لكل الأحزاب والتجمعات السياسية، ويكون الجميع سواسية أمام القانون ويكون الشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة في بناء المستقبل وتحديد المصير، ويُؤَمِّن المساواة والاحترام المتبادل وإرادة الأكثرية واحترام حقوق الأقلية، ابتداء من أساليب المساءلة والمحاسبة والشفافية واستقلال السلطة القضائية إلى غير ذلك؛ وبنفس الاتجاه تقوم أحزابها على عدة مبادئ نذكر من بينها: خضوع الجميع إلى حقوق وواجبات متساوية؛ التوفر على خطاب ديمقراطي شامل وسياسة إعلامية رزينة ومنفتحة؛ التشبع بروح ومبادئ الاستقلال والإبداع؛ عدم احتكار إمكانيات الحزب من مال وسلطة وإعلام من قبل نخبة حزبية معينة؛ التسليم بقواعد التنوع والتعدد والاختلاف؛ تشبع الأعضاء بمفهوم المواطنة وعلى أنها واحدة لا تتجزأ؛ عدم التمييز في حق العضوية؛ تجسيد قاعدة الاجتماعات والمؤتمرات لهياكل الحزب من القاعدة إلى القمة؛ التغيير الدوري للقيادة وعدم احتكار السلطة في الهيئات؛ روح الثقافة والديمقراطية في كل وثائق الحزب؛ إشراك كل القواعد الحزبية في أخذ القرار والشفافية التامة مع كل مكونات المجتمع؛ غرس الثقافة الديمقراطية في أذهان الأعضاء..

 

بإمكاننا أن نسمي هذه الباقة من المبادئ بميثاق القيم والأخلاقيات والسلوك التي تجعل الحزب يتمتع بميسم الديمقراطية ويوصف بها؛ الدول الغربية تجاوزت الأسئلة التي نطرحها اليوم في وطننا العربي من مستلزمات الحزب ومواصفاته وتطبيق الديمقراطية في كيانه لِقِدَم الفكرة الحزبية في تلك البلدان وتجذُّر الديمقراطية في الفهم والممارسة؛ فلم نعد نسمع "بالحزب الثوري" أو "الحزب الجماهيري" الذي انتشر عند صراع لينين مع كل من بليخانوف ومارتوف وروزا لكسمبورج، حيث الحزب يكون شبه عسكري ومؤسسته ثورية بامتياز ذات قوة فولاذية تأتي على الأخضر واليابس؛ ويكفي الرجوع إلى كتاب لينين "ما العمل" الذي أصدره سنة 1963 لفهم ذلك.

 

الدُّول العربية كما أكدت مبدأ الديمقراطية في دساتيرها أكدت معظمها على أن الأحزاب السياسية والنقابات والجماعات الترابية والغرف المهنية تعمل على تنظيم المواطنين وتمثيلهم ونظام الحزب الوحيد نظام غير مشروع؛ ولكن جنود إبليس تختبئ في التفاصيل، حيث قَوَّت مُعظم الجمهلوكيات مثلاً ركائز الحزب الحاكم، واعتمدت على المركزية الصارمة وصادرت الديمقراطية الداخلية أيضاً، وصار من الصعب الحصول على وظيفة أو منصب إذا لم يكن يتوافر الإنسان على بطاقة الانخراط في الحزب الحاكم كما حصل ذلك في حكم بن علي، وتصاهرت أجهزة الأمن مع الحزب الحاكم للنيل من معارضيه والسير بهم في غيابات السجن والتنكيل بهم؛ فنفهم جلياً التظاهرات والمسيرات التي شهدتها تونس بعد الإطاحة بابن علي لحل حزب الرئيس المخلوع والذي هيمن على الحياة السياسية في البلاد منذ الاستقلال باسم الشرعية النضالية والثورية والاجتماعية رغم تغيير اسمه في عام 1964 ليصبح الحزب الاشتراكي الدستوري وفي عام 1988 ليصبح التجمع الدستوري الديمقراطي، حيث كان يضم إلى فترة قريبة نحو مليوني عضو من أصل إجمالي عدد السكان وقدره عشرة ملايين نسمة؛ ونفس الشيء يمكن أن يقال عن الحزب الوطني الديمقراطي المصري الذي هيمن على السياسة المصرية نحو ثلاثة عقود وكان يحصل على الأغلبية في كل الانتخابات التي كانت تنظم.

 

إن الكثير مما كتب في أدبيات علوم السياسة المقارنة عن التنظيم اللينيني في الحزب الثوري توجد له روائح إن لم نقل تجسيدات في الكثير من الأحزاب العربية، فأصبحت تعاني جلها من عسر الهضم وعدم القدرة على مسايرة الحياة إلى أن وصلت إلى أفق مسدود وانهار بعضها بشكل عاصف بعد ليال من الاضطرابات العاتية.

 

إن الحزب عندما يطالب بالديمقراطية يكون هو الأول الملزم بها، وإن الشباب عندما ينادون بالحرية والنزاهة والشفافية والمساءلة يجب أن ينضووا داخل الأحزاب ويناضلوا داخل كيانات هي وحدها الخلاص، وأقصد بها الأحزاب حتى تتوسع دائرتها ويتطور تفكيرها وتتقوى لحمتها. وإذا كان البعض عندما يتحدث عن التشابه مع الفارق بين الحزب والدولة، ويقول إن علاقة المواطن بالحزب هي علاقة طوعية اختيارية، بينما علاقته بالدولة هي علاقة وراثية، فإنه يصح القول إن الدول التي بدأت تعرف ربيعاً ديمقراطياً يجب أن تصبح فيها علاقة المواطن بالحزب حتمية وعضوية.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 26/4/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق