عن الشرعية ومفهوم التغيير / عبدالحق عزوزي

ما زلنا في صدد الحديث عن بعض الأفكار التي اقترحناها في المنتدى الفكري المهم الذي نظمته جريدة “الاتحاد” مؤخراً لتعميم المشاركة الفكرية على كل القراء.

 

فبالنظر إلى ما حدث في بعض الدول العربية كمصر وتونس وليبيا، بالإمكان تسجيل ملاحظتين أساسيتين:

 

إن مذلة الشعوب وانقيادها لشرعية صورية كاسرة لسورة الحكم وشدتها، وإن الشرعية هي التي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة، ومهما توفر النظام السياسي على أجهزة القمع المادي وملكة القهر فليست كافية لضمان استمرار الملك في القرن الحادي والعشرين وفي عالم معولم يعيش فيه الثقلان في بيئة واحدة وبيت مجتمعي مشترك. وقد ميز ماكس فيبر بين ثلاثة أنواع من الشرعية: الشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، والشرعية العقلانية؛ فالأولى تستند إلى مراجع عصبوية ودينية، وهي تحيلنا إلى التحليل الخلدوني للدولة، عندما يقول: “وذلك أن الرياسة لا تكون إلا بالغلب، والغلب إنما يكون بالعصبية (…)؛ فلابد في الرياسة على القوم، أن تكون من عصبية منهم إذا أحست بغلبة عصبية الرئيس لهم، أقروا بالإذعان والاتباع، والساقط في نسبهم بالجملة لا تكون له عصبية فيهم بالنسب، إنما هو ملصق لزيق، وغاية التعصب له بالولاء والحلف، وذلك لا يوجب له غلباً عليهم البتة”؛ ونجد هذا التكريس في العديد من الدول كاليمن وموريتانيا والصومال؛ ونجدها بارزة في العصبية الطائفية كلبنان وعراق ما بعد اضمحلال الدولة الوطنية وسودان المهدية. أما الثانية فإنها تستند إلى مراجع إيديولوجية ثورية اجتماعية سياسية لإلهاب حماس الجمهور وتجذير الشعور لديه بقدرة الثورة على إحداث التنمية والتقدم، وهو ما وقع مثلاً في فترة عبدالناصر في مصر، وهو ما وقع في العراق وسوريا بقيادة البعث، ووقع في سودان جعفر النميري وليبيا. والعامل المشترك الذي يجمع هذه التجارب هو وصول القادة إلى الحكم عن طريق انقلابات عسكرية! أما الثالثة فهي الشرعية العقلانية الدستورانية، حيث إن الشعب يكون مصدر السلطات والثورة الحقيقية تكمن في الديمقراطية.

 

والتمييز الذي أتينا به ليس قاطعاً؛ وإنما نجد تداخلاً بين هذه المصادر الشرعانية حيث غالباً ما يقع التقاطع والتشابك، وهو ما يجعل المجال السياسي هجيناً والشرعية صورية تُحمل على سرير القوة والإذعان وتَجدع أنوف الناس؛ فتدخل الشرعية في أزمة بنيوية تَأَجَّلَ انفجارها في عالمنا العربي لأسباب عملية معروفة، إلى أن بلغت من التراكم حدّاً جعل اندلاعها أمراً طبيعيّاً.

 

-إن المواطن العربي لم يعد قادراً على قبول الصمت ومل الترتيل الممل لأنظمة لم تعد قادرة على النطق؛ فهي التي ما فتئت تقول إن الشعوب غير ناضجة سياسيّاً، ولأن الأمور إذا أسندت إلى غير أهلها فانتظر الساعة؛ فأقصي بذلك المواطن من الشأن السياسي العام، وبقي في هامش الملعب وعلى جنباته يرى ويتابع مع مرور الأيام النظام السياسي دون أن يحرك ساكناً، وإذا صفق فعل له ذلك على مضض؛ وبقي النظام في الملعب، وبدأ عدد الجمهور يزداد وطلباته تكثر دون أن تكون حاشية النظام التي تسهر عليه قادرة على تلبية حاجياته؛ وهي التي كانت تقول إن التعددية السياسية أمر خطير على الوحدة الوطنية فضحَّت بعض الأنظمة بالحريات وحقوق الإنسان؛ ثم هي التي كانت تقول إن التنمية ورغيف الخبز أولى من متاهات الديمقراطية والانفتاح السياسي ولكنها فشلت في تحقيق التنمية والتطور وازداد الفقر واستفحلت المشاكل الاجتماعية؛ كما أن بعض الأنظمة استحضرت العدو الخارجي (كالعدو الإسرائيلي) لاستبعاد الديمقراطية من الأجندة السياسية وإعلاء بعض الشعارات الملهبة لحماس الناس كما كان شأن مصر قبل وبعد حرب 1967 (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!)؛ لم تعد الشعوب تقبل مثل هذه الخزعبلات، فلا رغيف الخبز أعد، ولا الشعارات الملهبة آتت أكلها!

 

ثم كما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف، والماء واحد في نفسه، وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لاختلاف الماء، كذلك الديمقراطية فهي واحدة في نفسها، وتختلف سرعة تطبيقها ومردوديتها باختلاف الطرق الموصلة إليها، أما في جوهرها فتبقى واحدة ويستحسن هنا استحضار بعض المرتكزات الأساسية التي بدونها تكون الديمقراطية عرجاء وعلى رأسها الحفاظ على هيكل النظام الديمقراطي بمداخيله الخمسة: إقرار الحريات العامة وحقوق الإنسان، إقرار النظام الدستوري أي القانون الأسمى للأمة، بلورة الحياة السياسية انطلاقاً من مبدأ التعددية السياسية، إقرار النظام التمثيلي والنيابي، التداول السياسي على السلطة.

 

وهذه الأمور تحتاج بدورها إلى تغيير مادي فعلي لمفهوم السياسة كشأن عام ولمفهوم السلطة كملكية جماعية تمكن من إحداث ثورة سياسية وثقافية واجتماعية تجعل الانتقال السياسي انتقالًا استراتيجيّاً فيه الخلاص للبلاد والعباد لا كرهان سياسي تكتيكي، وتسمح بإعادة ضخ الحياة في النخبة وقيام ثقافة سياسية جديدة مبنية على علاقة جديدة بين المجتمع والدولة، وانطلاقاً من تعاقد سياسي يخلق الثقة ويحسن السلوك الانتخابي ويشجع الشباب على الانتماء السياسي ويكون للمواطنة معنى وللمحاسبة والمساءلة مغزى.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 1/11/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق