عن “العبارة التي تضيق، عندما تتسع الصدمة”: أطفال سوريا في قبضة اللجوء..

1-
قد لا تكون الطريق على علاقة بالمهمة المنتظرة في آخرها ولكن ثمّة إشارات ودلالات تبوح بها طرق العابرين، لتترك التفسير لهم كيفما تشاء المخيلة. فمن تحويل مسار الطائرة من مطار حتّاي إلى أضنة، حيث تنتظر المسافرين رحلة من ثلاث ساعات للوصول إلى الهدف الأنطاكي المنشود، إلى المطبّات العديدة والخطرة على الطريق من أنطاكية إلى الحدود السورية التي تتحدّى السائقين بخبث ماكر، تكمن أفكار شتى. بين هذا وذاك تكون لوحة التوقّعات لما هو قادم قد اكتملت..
2-
“نحن لسنا معرضاً للصور”. بهذه العبارة يستقبل بعض اللاجئين السوريين زوّارهم الفضوليين، مدمني الأسئلة الفجّة. على مدى الأشهر الماضية، اكتسب اللاجئون خبرة لا بأس بها في التعامل مع زوّارهم، بالمقابل لا تبدو العين التركية الرقيبة بساهية عمّن يريد زيادة خبرته في استخدام الكاميرات ورصد الزوايا و”تعديل الزومات” حسب ما تقتضيه الصور الواقعية والمتخيلة. إننا أمام “معسكر” للاجئين، وليس هناك من حاجةٍ لنُحاة اللّغة حتى نعرف الرابطة التي تجمع الكلمة بِـ”فعلها الماضي” عند إسقاط الميم عنوة ولزوماً!
3-
أول ما يسترعي الانتباه هو الوجود الطاغي للأطفال وصغار السنّ. أطفالٌ “كبار” يصطحبون أطفالاً “صغارا” في مهمات يبدو للناظر أنّ لها أهدافاً عملية معيّنة. وبينما يرمق كبار المخيم زائريهم بنظرات قصيرة وسريعة، يعوزها الاهتمام، يفضّل الأطفال إظهار مهاراتهم الاجتماعية في طرح السّلام والاقتراب الحذر من “غرباء الحيّ”، مسلّحين بابتساماتاتٍ ودّيةٍ، تسمح بانهيار فُجائي لمشاعر الانقباض والترقّب التي أعلت من شأنها روتينيات الإجراءات الأمنيّة عند المدخل.
4-
“لم يعودوا أطفالاً، لقد أصبحوا كباراً”. هكذا يقول يقول أبو جلال عن أطفال المخيم، الذين كانوا شهوداً على حوادث ومآسي ومآلات لم تسمح لهم “طبائع التطّوّر” بفهم وتفسير ما يستعصي على الفهم والإدراك، حتى عند الكبار. بغضّ النظر عن معايشة الاقتحامات العنيفة لرجال الأمن، رؤية الآباء يساقون للاعتقال، أصوات الرّصاص التي عَدَلتْ بين الليل والنهار، دفقات القذائف تنهمر على البيوت بعشوائية “منتظمة”، يبدو أنّ رحلة اللجوء على الدروب الوعرة و الموحشة، فضلاً عن الوضعيّة النهائية داخل المخيّمات، قد “أحرقت” مراحل التطّور و”كثّفت” الخبرات الفردية والاجتماعية حتى أضحى كل طفل “كبير” ذاهلا، في نظر الكبار على الأقل!
5-
لأسباب أمنية وأخرى إجرائية لها علاقة بطبيعة الأجواء السائدة داخل المخيمات، لم يكن ممكناً الإضطّلاع بشكل واسع على الأوضاع النفسية لأطفال ومراهقي المخيمات المرابطة على حدود الرّعب والأحلام. إلا أن المعالم الأساسية التي رشَحَتْ من مصادر عدة، لا تدع مجالاً للشّك بأن الحوادث “الصادمة” التي خبرها مئات، بل آلاف من “لا حول لهم ولا قوة” قد تركت بصماتها جليّة على تلك الذوات الرّضة، وبشكل تنتفي فيه حتى الحاجة لخبراء الصحّة النفسية وتشخيصاتهم الفارقة!
6-
إضطرابات النوم والأحلام المترعة بمكوّنات الرُعب، المشكلات السلوكية التي نتجت عن التحُّول الكبير والانكسار العميق في نمط الحياة اليومية، علائم الحزن والحداد على فقدان “المجال الحيوي” الذي ترصده لنا البيوت، هي بعض أمارات الأزمات النفسية التي يعاني منها الأطفال والمراهقون على حدّ سواء. إلّا أنّ أبرز “مخلّفات” الصّدمات النفسية كانت ترتع في مساحات أخرى من القدرات المتعلّمة: في مراكز الضبط وتجلّيات اللغة!
7-
“منذ شهور لم ينطق ابني بكلمة”. قالها عماد والحسْرة تلتهم ما تبقّى من كسراتٍ في قلبه المغمور بالأسى. حضور الطفل محمّد، ذي السنوات الأربع في الخيمة كان خافتاً على الأغلب مع بعض الاستثناءات، حيث حاول الاقتراب كلما شعر أنّ إنتباهي يذهب وجهة أخرى. بعينين حائرتين راح يرقبني وهو جالس في حضن والده. فجأة تلمّس طريقه بخطواتٍ محسوبة وقرّر (أو ربما تعّلم) أنّ الطريق الخلفية هي الأسلم، شقّ طريقه بتمهّل ودنا من الطاولة حيث أقف، وما هي إلأ بضع دقائق حتى مدّ يده إلى الورق والأشياء المبعثرة على الطاولة، أخذ قلماً ولعبة صغيرة وجلس على الكرسي يتابع المشهد بثبات وثقة غريبين، كان يبدو كالمراقب اليقظ أو كمن يلقّن الممثلين أدوارهم المنسيّة على المسرح. تلقين، لكن دون كلمات!!
8-
غادرنا أنطاكيا بلا كلمات كحال أطفالنا في مخيمات اللجوء..!
9-
في الأردن تبدو معاناة اللاجئين وأطفالهم مختلفة من حيث النوع، لا من حيث الدرجة! في “المفرق” و”الرمثا” تلتزم بعض العائلات بيوتاً عالية الإيجار، بسيطة التجهيز، بينما تتكفل منظمات الإغاثة “إسلامية” الهوى بالبطانيات والفرشات وبعض المخصّصات من المواد الأوّلية التي تسُدّ الرمق ولا تفي بالحاجات الإنسانية!
10-
بيوت تعجّ بأطفال فقدوا القدرة على الابتسام وحبّ الفضول. أمّ عبد الله من درعا البلد خرجت مع زوجها وأطفالها وأطفال إبنتها، بعد مداهمات “عسس الأسد” المتكررة للمنزل بحثاً عن الزوج. تروي أم عبد الله حسرتها على طفلها صاحب السنوات الخمس، إذ كانت الغازات المسيّلة “للدموع” أقوى من قدرته على الصمود، فكان الموت في انتظاره واللّوعة في انتظارها..تقول: “منذ عشرة أيام استشهد إبني الثاني على يد قوات الجيش الخائن”، وتردف: “لمّا نتسلّم الجثة بعد”، وتضيف “قلت له: إياك أن تجعلهم يمسكون بك، اقتل نفسك أفضل من الاعتقال”..
11-
“منذ شهرين لم تعد طفلتي تتكلم ولو بحرف” تقول أمٌ شابة من تلبيسة، شهدنا بالصدفة تعرّضها لمعاملة لا تتصف بالإنسانية من قبل موظف الإغاثة للتوّ، فقدت ستة أشقاء قضوا على يد أمن النظام وعسكره. تبدو الطفلة ذات السنتين تائهة النظرات، حائرة المحيّا، حزن الكون يكتسح ملامح الوجه الطفولي البريء، الذي لم تستطع “مصّاصة” بسيطة فضّ آثار الاشتباك العاطفي مع الصدمات المتكررة عليه. كان الجوّ بارداً، لكنّ اليدين الطريّتين كانتا أبرد. لوهلة تشعر أنّ الطقس تحوّل إلى “شبيحٍ” عاتٍ، لا يرأف حتى بحال الأطفال العزّل..
12-
عنف النظام لم يفرّق بين كبير وصغير، بين صحيح وعليل وبين “عليٍّ” و”وضيع”. لقد ذوّب البطش الممنهج حتى الفوارق الاجتماعية التي كان يقوم بعضها على أساس تمييزي فاضح. “لديّ شك بأنّ هذه العائلة من النَّوَرْ”!! قالها أبو إياس، مشيراً إلى عائلة من اللاجئين السوريين تزخر بالأطفال من كل الأعمار، وتعيش أوضاعاً إنسانية مزرية. الأب عاجز والأمّ لا تعمل ولا تملك حتى القدرة والإمكانية على ذلك. الفاقة والعوز دفعا بالوالدين إلى طرْق أبواب “الجوامع” طلباً للمساعدة والإحسان من أهل الجود، رغم أنهم “نّوَرْ”، إلّا أنّهم بالنهاية سوريون ولا يجوز أن نترك سوريّا “يشحذ” حتى لو كان “نَوَريْ”!! أردف أبو إياس. لم نكن نتوقع ذاك الاحتفاء الذي بادرنا به الأطفال عندما هممنا بدخول المنزل البارد، رثّ التجهيز وذي الرائحة المميّزة. ثمانية أطفال تتدرج أعمارهم من الثانية إلى الأربعة عشر. تقدم أحدهم (خمس سنوات) بثقة مفرطة، انتزع نظارتي بهدوء ولبسها بجلال وسعادة غامرة! شو إسمك حبيبي؟ لم يُجِبْ، اكتفى بتأمُّل وجهي وعلامات الرضى باديةً عليه، جَلَسَ بالقرب مني وبدا وكأنه أحد أعيان المجلس يرقب كل شاردة وواردة. “هذا العجي ما يحشي” بهذه العبارة كسرت الأم الصمت المؤقت والفجائي الذي خيم على الحضور لوهلة. منذ شهور لم يعد يتكلّم…
13-
لا شك بأنّ عمر البُلوغ وبدايات المراهقة مليءٌ بالأحلام وغنيٌ بساعات الليل، ساعات التأمل في الذات الحبيسة والجّسد المتغيّر. منذ رحلة اللّجوء الوعرة صوب الأردن لم تعد “مريم” ذات الأربع عشرة عاماً تنعم بتلك الساعات الهانئة من النوم، إذ أصبح لليلِ “شبيحته” الذين يرتدون لبوس الكوابيس المرعبة: وجوه أطفال مخيفة بعيون “زرقاء” ورجل كبير يريد أن يخنقني.. قالت مريم بنظرات منكسرة وحزن مقيم وخجل مربك! (هل تداعت إلى أذهانكم “زرقاء اليمامة” أم “أزرق العينين” الجبان!!). النوم لأوقات متقطّعة في النهار والبقاء بتيقظٍ ذاهل طوال الليل هي أساليب مريم المتاحة في مقاومة “شبيحة الكوابيس” الذين يشبهون أزلام النظام في ملامح عدة: لا يكلّون ولا يملّون!
14-
ما قصة أطفال اللجوء المصدومين مع فقدان القدرة على الكلام؟ لا تعتبر اللغة مستودع الأسرار فقط، بل مستقر الصدمات النفسية وتجلياتها العميقة. تخبرنا أدبيات علم الصدمات النفسية بأن القدرة على الكلام هي أكثر القدرات المعرفية تأثراً جرّاء معايشة الحوادث الصادمة العنيفة في سني الطفولة. تقوم الحوادث العنيفة بتفعيل الأميغدالا، أحد أكثر أجزاء الدماغ قدماً وحساسية على الإطلاق، مستودع الذاكرة العاطفية وناظم جهاز الإنذار البيولوجي في مواجهة الكرب. حيث يتمّ ترسيخ الذكريات العنيفة بشكل عميق وثابت. إن تفعيل “الأميغدالا” سوف يؤدي إلى إحداث جملة من التغيّرات البيو-كيمياوية الجذرية في الجهاز العصبي المركزي. الحالة التي تعجّل بإغراق المناطق الدماغية ذات الحساسية الفائقة بالنواقل العصبية (النورأدرينالين والكورتيزول) التي لها آثار سلبية بعيدة المدى وخاصة على عمليات وآليات النضج العصبي في مراحل التطّور الحاسمة. إلّا أن المناطق المسؤولة عن الكلام وبرمجة عمليات النطق (في الجهة اليسرى من الدماغ) هي بحق أكثر المناطق الدماغية تضرراً وتأثراً بتداعيات الصدمة أو سلسلة الصدمات النفسية التي عايشها الأطفال ويعايشونها. بالمحصّلة لا تبدو الصّورة السلوكية من فقدان القدرة على الكلام، نفسيّ المنشأ، غريبة إلى هذا الحد، كأحد أبرز تجليات التحوّل الكبير الذي طرأ على حياة الأطفال الذين أجبروا وأهلهم على معايشة أوضاع لا تتّسم بالطبيعية على الإطلاق.
15-
في أحد تجليات العارف ينطق صوفيٌ بأنّه “عندما تتسع الرؤية تضيق العبارة”. يبدو أن الصدمات النفسية التي خلفها نظام الأسد “العنيف” هي ضرب من الرؤيا التي لا تفعل شيئاً ذا أسىً عميق أقلّ من تضييق العِبارات والعَبَرات في مفارقة كئيبة. في هذا المقام المرّ لا يسعني، وأنا لا أملك شيئا إلا هذه الكلمات، إلا أن أزيد وأتساءل ببلاهة لامحدودة: عسكر على مين؟ عسكر على مين؟ والسلام عليكم..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق