عن العلمانية كمقاربة نفعية

سجلت الأحداث الأخيرة في العراق مستوى قياسيا في الدموية والقسوة ، واحتمالات رأب الصدع بين العراقيين تتضاءل بشكل مستمر مع انتشار عمليات التهجير والقتل الطائفي، ولا يبدو أمام العراق إلا الاحتمالات الأسوأ. في لبنان عادت الحرب الأهلية الى الذاكرة مع مشاهدها من الشوارع المقفلة والمسلحين الذين يتولون حماية مناطقهم. لا يبدو أن هناك آفاقا للحلول السياسية، والاحتقان الطائفي وصل الى الذروة والتعايش بين اللبنانيين أصبح مهددا بالوصول الى طريق مسدودة.

الانقسام الطائفي في الحالتين هو العلامة الفارقة التي تهدد وجود الدولة ذاتها، ولهذا يستدعي المرء العلمانية كحل أمام الخطر الذي تواجهه الكيانات العربية المشرقية. لكن من المفترض حاليا أن يكون استدعاء العلمانية وتوظيفها في السجال السياسي مغايرا عما سبق.

امتاز الخطاب العلماني دوما بتأسيس اشكاليته في بنية متكاملة ترتكز الى مقدمات حداثية. العلمنة هنا لا تكون الا وجها من أوجه الحداثة ذاتها ولا يمكن الا أن تؤخذ كلها أو تعاف كلها، بنية حداثية في مواجهة بنية تقليدية. هذا التأسيس قد يكون مصيبا على المستوى النظري (المفهومي)، ولكنه في الواقع العملي والسجال السياسي حول العلمانية سبّب مشاكل متنوعة:

أولها اختلاف السياق التاريخي العربي (الإسلامي) والغربي (المسيحي) في العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية. ففي حين كانت السلطة الدينية مؤسسة متكاملة وقوية (الكنيسة الكاثوليكية) لها جيوشها وأراضيها ومواردها المالية وتسبق السلطة السياسية، والأخيرة تستمد سلطتها منها أو تناكفها على السيادة، فان السياق العربي(الإسلامي) كان مغايرا، حيث الانفصال بين السلطتين كان غائبا منذ التأسيس وفيما بعد تسيدت السلطة السياسية على السلطة الدينية والتي لم تكن موجودة كمؤسسة مستقلة ومتكاملة، حيث الخليفة هو الذي يعين القضاة ويحدد مصائر الفقهاء. والديني كان دوما خاضعا للسياسي.

مع المرحلة العثمانية (والسلجوقية)- والتي يمثل إسلامها الجذر التاريخي لإسلامنا اليوم- تشكلت المؤسسة الدينية (الافتاء والتكايا) وهذه كانت خاضعة لحاجات السلطنة: هذه التي تقرر وليس تلك. هنا وجد مستويان للمؤسسة الدينية: الأول فقهاء السلطان، والثاني هم الشيوخ الفقراء ومتصوفة التكايا الصغيرة والذين يتعاطون مباشرة مع العامة وهمومهم، وهم الذين كانوا يتولون قيادة عامياتهم ضد جور السلطان وولاته.
السياق التاريخي لوظائف المؤسسة الدينية الإسلامية كان مختلفا تماما عن مثيله في الغرب. فهي هنا (بقسم هام منها) وقفت كحاجز بين السلطان والرعية وقادتها إلى الاعتراض والتمرد. ولهذا لا يكون سياق العلمنة تحرير السياسة من الدين، إنما على العكس تحرير الدين من السياسة. وعليه فمن المفترض أن تتداخل العلمانية العربية أكثر وأكثر مع مهمات الديمقراطية من مثيلتها الغربية، التي ارتبطت-أحيانا- بدون حرج مع أنظمة الملكية المطلقة.

اختلاف السياق كان أول حجر عثرة واجهته العلمانية العربية، مما سمح للكثيرين بالهجوم والاعتراض على هذه النقطة بدءا من محمد عبده وانتهاء بالقرضاوي. ولا يعني هذا أن اعتراضاتهم كانت محقة، فهم كثيرا ما أهملوا حقيقة تشكل مؤسسة تشبه الكنيسة بسلطتها ونفوذها، ولكنهم نجحوا دوما في إصابة نقطة مقتل لدى العلمانية العربية، وخاصة أن الأخيرة كثيرا ما بررت، بذريعة التنوير، استبدادا انتهت به ضرورات بقائه إلى التحالف مع المؤسسة الدينية لا غيرها.

المشكلة الثانية والتي واجهتها العلمانية لدى العلمانيين هي تقديمها ضمن بنية فكرية متكاملة، متناسين استحالة الحوار بين بنى فكرية حداثية واخرى كتابية. فالمقدمات العقلية والمسلمات لدى كل منهما مختلفة تماما عن الأخرى، وما قدموه كبراهين عقلية ومسيرة تاريخية ضرورية للعلمانية لم يكن مقنعا إلا ضمن نموذجهم الحداثي ذاته، أما من هم خارجه فلم يكن في ذلك الطرح ما يلامسهم. الانتقال من نموذج وعي إلى آخر لا يتم عبر الحوار، بل هو مسيرة تاريخية، ولهذا انتهى العلمانيون دوما إلى أن يتحدثوا مع أنفسهم وليس مع الآخرين. وكثيرا ما صُنفت كتب في نقد الفكر الديني ومفاهيم الحاكمية، وأنجز نقد لممثلين فكريين من “سدنة هياكل الوهم” (بتعبير د.عبد الرزاق عيد)، إلا أنه عوضا عن أن تقرأ هذه الأعمال من قبل الجمهور المتدين، وقد كتبت بلغة سهلة تيسر وصولها إليه، فإن قراؤها كانوا هم جمهور العلمانيين. وهكذا انتهى العلماني إلى أن يكون محاورا لذاته.
ثم أن العلمانية كانت ردا على توظيف المقدس في السياسة، مهمتها تأسيس شرعية دنيوية وبشرية في مواجهة الشرعيات المقدسة (ما فوق البشرية). لكن العلمانية بهذا الشكل لم يكن لديها ما تقوله في مواجهة المشكلة الأبرز لدينا وهي الطائفية. افترض الخطاب العربي الحداثي أن الفصل بين المقدس والدنيوي يؤدي تلقائيا إلى حل المسألة الطائفية، والتي هي فرع من المسألة الدينية ذاتها. فصل الدين عن السياسة، الدولة عن الجامع، سيدفع إلى انحسار ما هو ديني؛ لكن هذا التصور يهمل أن الواقع الطائفي ليس مشتقا مباشرة من الواقع الديني، وهذا ما يظهر جليا في الانقسام الطائفي اللبناني حيث تقوده قوى مدنية مستقلة -إن لم تكن على الضد- عن المؤسسة الدينية، وكثيرا ما تقف هذه صراحة ضد تلك الانقسامات.

بالنسبة إلى الخطاب العلماني بدا الموارنة موارنة لأنهم يعودون الى البطرك، والشيعة شيعة لأنهم يذهبون الى الحسينيات… لقد أهمل الواقع اليومي الذي يقف وراء إنتاج أولوية الانتماء الطائفي على ماعداه. ولم يجد تفسيرا لوجود طوائف تقطن أحياءها الخاصة ولها مدارسها، وضمن حدودها نقضي حياتنا اليومية.

لهذا من المفترض إجراء تغيير في السجال السياسي حول العلمانية، والانطلاق من نقطة مختلفة- خاصة مع التراجع المستمر للقوة السياسية للحركات العلمانية- وهي المنفعة: ما يبرر العلمانية ليس عقلانيتها أو مساهمتها بتشكيل الهوية الوطنية وتجانسها مع مفهوم الإنسان وحريته على أهمية ذلك كله، إنما كونها نافعة. النفع يستطيع أي كان أن يفهمه، وهو لا يشترط أية مقدمات سوى وضوح الفائدة التي تجلبها العلمنة في سياقنا الحالي.

العلمنة مفيدة لأنها تدرأ خطر الحرب الأهلية أولا، وهي مفيدة لأبناء الأقليات كونها تعطيهم مساواة طالما اشتكوا من حرمانهم منها، ومفيدة لأبناء الأغلبية كونها تعطيهم أمانا من إمكانية تحول شركائهم في الوطن إلى أعداء مع الآخرين نتيجة للظلم والخوف وتمنع عنهم الفتنة.

ربط العلمانية مع المنفعة في السجال السياسي سيسمح لها بالتحرر من اشتراطات ايديولوجية وفكرية مسبقة مربكة، ويسمح بحوار سياسي مفيد، ويضفي عليها (العلمانية) صراحة ووضوحا، لطالما شعر المرء بافتقادهما في الخطاب العلماني، خاصة فيما يتعلق بالتنوع الطائفي في مجتمعاتنا. ومعلوم أن التنوع هذا لعب دورا محوريا في انتاج الخطاب العلماني الذي لا يزال يستمد قوته من أوساط الأقليات الطائفية. فالرغبة بالمساواة والشراكة – نفعية مضمرة- هي المحرك الأول للعلمنة، وليس مجرد رغبة التحرر من سيادة المقدس والمؤسسة الدينية. غير أن الإصرار على إغفال هذا الواقع، وتقديم العلمنة لنفسها على أنها مسألة خصومة مع المؤسسة الدينية (والتي عادة ما تكون المرجعية الدينية السنية)، جعل العلمنة تعيد إنتاج الطائفية بشكل مضمر داخلها في أحيان كثيرة، أو تسبب التباسات سياسية هي في غنى عنها.

هذه النفعية ستضع حدودا للعلمانية، ولكن ستسمح لها بالتعامل الواقعي مع المسألة الطائفية، ليس كمسألة يتعين التكتم عليها أو ربطها بالمسألة الدينية، إنما كمشكلة ينبغي الاعتراف بها ومواءمتها مع علمنة معتدلة ومتدرجة. وهذه العلمنة تسمح بمشاريع متنوعة (كمشروع لبناني سابق لمجلسين تشريعيين، نواب غير طائفي وشيوخ للطوائف).

العلمانية كتصور معتدل مرتبط بالمنفعة والنجاعة نتاج حتمي للضعف الشديد للعلمانيين، ولكن أيضا للتمزق الطائفي الذي يهدد بالاقتتال وانهيار الدول. بذلك تكون حاجزا أمام الأسوأ. وربما بهذه الطريقة ننجح بإعادة الاعتبار للعلمانية في عيون غير العلمانيين أولا.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق