عن العلمانية والديمقراطية

يرتبط الحديث عن العلمانية بالحديث عن الديمقراطية فلا تصح الواحدة منهما دون الأخرى. دون العلمانية لا يمكن تأسيس مفهوم المواطن الذي يشكل ركيزة الديمقراطية، ودون الديمقراطية تفقد العلمانية مغزاها. فإذا كانت العلمانية هي إقصاء القداسة عن السياسة، بشكل يحيل المجال السياسي إلى ميدان للحوار الحر والصراع العقلاني دون سلطة مرجعيات نصية أو شخصية تعلو على العقل النقدي، وبشكل لا يدع مجالاً لوجود أي تابو سياسي، هل يمكن لسلطة مستبدة أن تكون علمانية حقيقة؟ أفلا تصنع السلطات المستبدة أيضاً قداسات خاصة بها يحظر على العقل النقدي تناولها؟ وبذلك ألا تنسف سلطات كهذه فكرة العلمانية من الأساس؟ إذن كما العلمانية شرط للديمقراطية كذلك هذه شرط لتلك.

من المهم في المجتمعات التي تنخر السلطات الاستبدادية دعامات اللحمة الداخلية فيها أن يتم إحياء القواسم المشتركة وإعلاؤها في مسعى ضروري للحفاظ على وحدة المجتمع وصيانته ومعاكسة مفاعيل الاستبداد فيه. العلمانية تجعل من العقل الذي يشكل قاسماً مشتركاً للبشر المرجع الأخير في إدارة شؤونهم الدنيوية، وتشكل أساس مفهوم المواطنة الذي يشكل بدوره قاسماً مشتركاً وركيزة للديمقراطية. وعليه إن من شأن الديمقراطية العلمانية أن تعلي القواسم المشتركة وتعزز التماسك الداخلي للمجتمع وأن تشكل إطاراً رحباً لاحتواء صراعاته واستقطاباته المتجددة دون أن تضيق بها أو أن تدفعها باتجاهات تفكيكية. وإذا صح ذلك، وهو برأينا صحيح، فإن القوى السياسية التي تشكل خطراً على العلمانية والديمقراطية (الحركات السياسية-الدينية والأنظمة الاستبدادية) تشكل خطراً على اللحمة الداخلية للمجتمع.

إن الحركات السياسية-الدينية جملة تعجز عن إنتاج مفهوم المواطن، ذلك أن المرجع فيها عقيدي أكثر منه جغرافي سياسي، إذا جاز القول. بمعنى أن ربط السياسي بالديني يقود إلى أن الانتماء إلى حدود سياسية معينة (وطن) أدنى مرتبة من الانتماء إلى العقيدة الدينية، ونظراً إلى أن الانتشار الجغرافي لأتباع دين معين لا يتوافق مع التقسيم السياسي للعالم فإن الحركات السياسية-الدينية تشكل خلطة متفجرة داخل البلدان وفيما بينها. أي أنها في الحقيقة تضعف التلاحم الداخلي للمجتمعات التي تعمل بها، ويزداد هذا المفعول أثراً كلما كان المجتمع أكثر تعددية من الناحية الدينية والمذهبية.

كما أن الأنظمة الاستبدادية الفاقدة للمشروعية، سواء التنموية أو الديمقراطية، والتي تلغي حيز الأمن الفردي لصالح الأمن العام “القومي” الذي هو أمنها الخاص، تدفع الأفراد إلى البحث عن أمنهم الفردي في العلاقات ما دون الوطنية، بعد أن عجزت العلاقة الوطنية عن حمايتهم لا بل تحولت إلى تهديد دائم فوق رؤوسهم.

{{تشويه سياسي}}

تشهد فكرة العلمانية اليوم سوء فهم مقصود وغير نزيه ومن جهات مختلفة، الغاية منه قطع الطريق على الفكر السياسي العلماني وصده عن التحول إلى حركة سياسية فاعلة من خلال إقامة حاجز من التضليل يحجبه عن وعي الجمهور المسلم. إذن الحديث في العلمانية حديث سياسي بالتعريف، ومقولة العلمانية تنتمي إلى المجال السياسي وتتحرك فيه، وعليه فإن محاولة سحبها إلى خارج هذا المجال يعبر، في الجزء الأساسي منه، عن سلوك سياسي يخلط المستويات ويهدف إلى تشويه فكرتها وبالتالي إلى إبطال فعاليتها السياسية. كأن تجعل العلمانية مرادفة للإلحاد، وتوضع في تعارض مع الذات الحضارية للأمة بصفتها معادية للإسلام كدين وكحضارة أو أن تعتبر فكرة مستوردة تنادي بها عقول متغربة..الخ. والحق أن العلمانية لا تدخل في أي صراع ضد الدين، لأنها تنتمي إلى مجال آخر، ولا تتعارض مع قيام الدولة بممارسة وظيفتها تجاه الأديان، كأن يكون ثمة وزارة للأوقاف أو مؤسسات تضمن للمواطنين ممارسة دينهم على أكمل وجه..الخ. كما أن العلمانية ليست نبتة غريبة عن بيئتنا فهي لا تختلف بشيء عما دعا إليه “علمانيون” مسلمون كبار أمثال ابن القيم الجوزية: “إن إمارات العدل إذا ظهرت بأي طريق كان فذاك شرع الله ودينه. والله تعالى أحكم من أن يخص طرق العدل بشيء ينفي ما هو أظهر منه وأبين”؛ وعبد الرحمن الكواكبي: “اتركوا الأديان تحكم في الآخرة فقط”؛ ومحمد عبده: “الأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه “الخليفة” وهي التي تخلعه متى رأت ذلك في مصلحتها، فهو حاكم مدني من جميع الوجوه”، وغيرهم كثر ممن لا يشك أحد في حسن إسلامهم.

{{إشكالية تربيع الدائرة}}

إن ما يضعف التيار الديمقراطي العلماني في مجتمعنا، إلى جانب ما ذكرنا من سوء فهم مقصود تعززه بعض الكتابات والتجارب “العلمانية”، هو الإغراء الذي تشكله الحركات السياسية-الإسلامية من حيث قدرتها على التغلغل والحشد بشكل يجتذب الكثير من العلمانيين ويدفعهم، توقاً إلى الفعالية السياسية، إلى تهميش علمانيتهم وطيها لاصطناع توافق سياسي مع هذه الحركات والتخلي، جزئياً على الأقل، عن دعوتهم الخاصة. ومن السمات التي نشهدها اليوم في مجتمعاتنا هذا الانزياح القائم بين القدرة على التعبئة والحشد (التي تتميز بها الحركات السياسية-الدينية) وبين القدرة على رفع وإعلاء المفاهيم المدنية الحديثة وفي الأساس منها مفهوم المواطن. هذا الانزياح يطرح مشكلة على الحركات السياسية الإسلامية المؤمنة بالديمقراطية والتي تجعلها بنيتها بالذات في تعارض مع الديمقراطية من حيث عجزها عن استيعاب مفهوم المواطن في نظامها الفكري، كما يطرح مشكلة على الديمقراطيين المشدودين إلى هذه الحركات من حيث تعارض التكوين الفكري لهذه الحركات مع المفاهيم الأساسية لهؤلاء الديمقراطيين، وفي الحالتين يجد هؤلاء وأولئك أنفسهم أمام إشكالية عقيمة تشبه إشكالية تربيع الدائرة.

حين يستمد أسلوب الحكم من مرجعية نصية لها قدسيتها الدينية، تفصل شعرة دقيقة بين الاختلاف السياسي والتكفير. وحين يصبح الاجتهاد في النص هو السبيل إلى “تشريع” السياسات، يصبح “العلماء” و”أصحاب الفتوى” مرجعيات لا يمكن للعامة إلا التسليم بها، سواء كانوا عامة المسلمين أو غير المسلمين. وإذا اختلف “العلماء” في تفسير المقاصد يفتح الباب أمام استبداد جديد هو الوحيد القادر على أن يفصل فيما بينهم، فمن له الغلبة في الدنيا يحتكر الرأي السديد والاجتهاد الصائب ويفوز بأجرين. وبديهي أن من يدعي القدرة على تفسير المقاصد الإلهية بحيث يفتي بها بما يضمر ذلك من ضرورة التزام الآخرين بفتواه، يستدعي لنفسه شيئاً من مزايا القدرة الإلهية بما يخوله إقصاء ما عداه. ونحن نرى اليوم صراع الفتاوى في العراق بين تنظيمات إسلامية داخل وخارج السلطة، ونرى ديمقراطية “ولاية الفقيه” في إيران والمعضلة التي يعيشها “العامة” الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً هنا وهناك أمام هذه الظلال المقدسة.

أخيراً، لقد كمن لب الثورة الإسلامية الأولى في أنها أعلت الانتماء الديني الذي شكل قاسماً مشتركاً للعرب فوق الانتماءات الأخرى، وأهمها القبلية، وجعلت الدولة الوليدة تعبر عن هذا الانتماء، دون أن تضع هذا الانتماء الجامع في مواجهة كسرية مع الانتماءات الراسخة السابقة له، وكان لها ما كان من نجاح. واليوم يستدعي الواقع السياسي العسير الذي نعيشه اقتفاء أثر تلك الروحية في إحياء المواطنة كجامع مشترك يلتقي عليه وفيه الجميع، وكإطار تنضوي تحته باقي الأطر على تنوعها واختلافها، فيكون هذا التنوع والاختلاف مصدر غنى وليس مصدر تفكك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق