عن العلمانيّة باعتبارها مبدأ توحيد ومساواة بين المختلفين

في هذا النّصّ صدى لما قرأته على صفحات الأوان من حوار مهمّ عن العلمانيّة والسّياسة والسّياسيّ. شدّني هذا الحوار وأرّقني أحيانا، ولكن منعتني العطلة الصّيفيّة وإكراهاتها الأليفة من المشاركة فيه، وها أنّني أعود إليه ولو بأخرة لتقديم بعض الآراء والملاحظات التي قد تبدو بديهيّة، إلاّ أنّ البديهيّ كنور الشّمس هو الذي نميل إلى تجنّب النّظر إليه أحيانا:

{{1-}}الأديان والمعتقدات خاصّة بمجموعات وفئات، فهي تفرّق ولا تجمع. ففي الوطن الواحد مهما تضاءل حجمه، ومهما أخفت إيديولوجيّته الرّسميّة أقلّياته، ومهما اختلق أصوليّوه من “هويّات خياليّة” أحاديّة، يوجد مؤمنون من مختلف الأديان والمذاهب، ويوجد غير مؤمنين من نفاة وجود الإله ومن اللاّأدريّين واللاّدينيّين، وهؤلاء جميعا توحّدهم العلمانيّة المأمولة، لأنّها مبدأ حياد مشترك هو جوهر السّياسيّ. جوهر السّياسيّ هذا أعتقد أنّه العيش المشترك، والشّوق إلى العيش المشترك ممّا يجعل الإنسان كائنا “مدنيّا بالطّبع”. فالعلمانيّة تساوي بين هؤلاء المختلفين لأنّها لا تعتمد مرجعيّة دينيّة ومذهبيّة خاصّة، ولا تفاضل بين مسلم وغير مسلم، ولا بين مؤمن وغير مؤمن، بل هي تساوي بينهم وتوحّدهم باعتبارهم متشابهين وأحرارا بالولادة، وتترك لهم مجالا خاصّا لكي يعيشوا اختلافاتهم ويمارسوا طقوسهم الدّينيّة أو يحقّقوا نماذجهم الدّنيويّة. إنّها المبدأ الذي يجعل المختلف يجمّد اختلافاته المذهبيّة أو يمتحنها ليعيش المشترك الذي يجمعه بالآخرين، في مستوى غير مستوى اختلافه الدّينيّ والعقائديّ، هو السّياسيّ باعتباره “البعد الأساسيّ للواقع” كما كتب عبد السّلام بنعبد العالي.. فالعلمانيّة ليست مجرّد مذهب يطالب بالفصل بين السّياسة والدّين، بل هي شرط من شروط تجربة العيش المشترك الذي يتحوّل فيه العنف إلى كلام وحوار وتفاوض واقتسام واقتراع، وتتحوّل فيه البنى الانصهاريّة التّقليديّة إلى سلطات منفصلة ودوائر متمايزة.

{{2-}}العلمانيّة ليست دينا، وليست رأيا، بل هي الاتّفاق المبدئيّ على إمكان تعدّد الآراء، وجواز تعدّدها، وجواز اختلافها اختلافا يمكن أن يبقى اختلافا لا رجعة فيه، فلا حاجة إلى التّوفيق بين المختلفين ما دام المشترك الذي يجمعهم رغم اختلافهم وقبل اختلافهم أساسيّا، أي سياسيّا. والغفلة عن هذا البعد اللاّمذهبيّ للعلمانيّة تؤدّي إلى تحويلها إلى ديانة جديدة مناهضة للدّيانات، وهو التّصوّر الذي يريد الإسلاميّون و”التّراثيّون” اختزال العلمانيّة فيه.

{{3-}}نقيض العلمانيّة تبعا لذلك ليس الإسلام بل الأصوليّة باعتبارها إيديولوجية شموليّة، ونقيض العلمانيّة أيضا هو منظومة الفقه الإسلاميّ باعتبارها منظومة شموليّة. فلنذكّر بأنّ السّمة التي تعتبرها (حنّا أرنت) أساسيّة في الأنظمة الشّموليّة هي الخلط بين المجالين العامّ والخاصّ، والفقه الإسلاميّ الذي يسمّيه الأصوليّون “شريعة” ويعتبرونه متعاليا عن التّاريخ، وبمذاهبه المختلفة التي لا تختلف إلاّ في بعض التّفاصيل والمقادير، هو نظام يخلط بين القانون والأخلاق ويقنّن الحياة الخاصّة والعامّة ويخضع كلّ مجالاتها إلى أحكام الحلال والحرام وما بينهما، ويخضعها إلى مبدإ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر الذي يجعل كلّ مسلم بوليسا دينيّا على الآخرين، متكلّما باسم الله، حالاّ محلّه على وجه الأرض. فللمؤمن المسلم مثلا أن يمتنع عن شرب الخمر احتراما لمعتقداته، وأن يصوم رمضان، وللدّولة أن تضمن له هذا الاحترام، أمّا أن تتدخّل الدّولة ويتدخّل القانون لفرض عدم شرب الخمر وفرض صوم رمضان على كلّ من ولد مسلما، فذلك هو مظهر من مظاهر الخلط بين الأخلاق الدّينيّة والقانون، ومظهر من مظاهر الخلط بين العامّ والخاصّ المنافي للعلمانيّة وللحرّيّة.

{{4-}}رغم أنّني لا أشكّ في نبل عواطف المثقّفين الذين يبحثون عن مخرج لما يعتبرونه حربا دامية بين العلمانيّين والإسلاميّين، فإنّني أرى من الأنسب أن يلزم المدافع عن العلمانيّة موقعه، وأن لا يحاول القيام بدور الشّرطيّ في هذه المعركة. فإذا كان الحوار بين الطّرفين الخصمين يقتضي إيجاد أرضيّة مشتركة، فإنّ هذه الأرضيّة المشتركة هي العلمانيّة نفسها باعتبارها دفاعا عن المشترك الجامع بين المختلفين. فمبدأ الحوار موجود في العلمانيّة نفسها ولا نحتاج إلى فرضه بمقترحات التّوفيق بين ما لا يمكن التّوفيق بينه، أو بمقترحات العزل الطّائفيّ والمجموعاتيّ التي تنسف السّياسيّ باعتباره تقاسما للمشترك. فلا يمكن أن نهرب من الانصهار الشّموليّ الذي تريد فرضه الأصوليّة الإسلاميّة لنقع تحت طائلة التّشتّت الطّائفيّ والمجموعاتيّ المولّد للانطواء والعنف اللاّسياسيّ.

{{5-}}ثبت خطأ قول دوستويفسكي على لسان أحد أبطال روايته “الإخوة كارامازوف” : “إذا لم يوجد الإله فكلّ شيء يصبح مسموحا به”، لأنّ المرجعيّة الدّينيّة غير ضروريّة لتحقيق العيش المشترك، ولأنّ الأخلاق بمعزل عن الإيمان الدّينيّ. فالإيمان الدّينيّ لا يمنع الجريمة، وعدم الإيمان بدين من الأديان لا يمنع من وجود التّأثّم ولا يؤدّي بصاحبه إلى الجريمة واستباحة المحرّمات الأساسيّة التي تشترك فيها كلّ المجتمعات، وأساسها محرّم نكاح الأقارب ومحرّم القتل بدون مبرّر. ولذلك عارض (جاك لاكان) هذا القول بقوله : “إذا مات الإله لم يعد أيّ شيء مسموحا به”.

{{6-}}ما جناه المسلمون في بضعة عقود من تبعات الخلط بين السّياسة والدّين والقانون والدّين، ما جنوه من تعصّب وطائفيّة وهدر للدّماء وضياع لحقوق النّساء والأقلّيّات، وتضخّم للفتاوى والفتاوى المضادّة، واهتراء للاجتهاد لا يقلّ فداحة عمّا دار في أوروبّا طيلة قرون من حروب طاحنة بين المذاهب قبل أن تتوفّق شعوبها إلى إيجاد صيغ مختلفة لإرساء العلمانيّة. ليس “أبعد من الحضيض” الذي وصلنا إليه نتيجة عدم الفصل بين الدّين والسّياسة والقانون، ولا يمكن أن يكون الحلّ من جنس الحضيض الذي نتخبّط فيه، ولا يمكن أن نعتبر الإسلام استثناء داخل مسارات التّحرّر البشريّ من قيود التّقليد واللاّمساواة.

{{7-}}إنّ التّكفير أهمّ مؤشّر على انعدام الفضاء العلمانيّ المشترك. ولم يتراجع التّكفير، وأظنّ أنّه في تراجع، لأنّ الحكومات العربيّة تشنّ حربا أمنيّة على الإرهاب تحت قيادة الولايات الأميركيّة المتّحدة، بل لأنّ مثقفّفين وناشطين علمانيّين تكلّموا بما في صدورهم وتضامنوا مع غيرهم، رغم صمت الأنظمة العربيّة وتخاذلها في حماية المفكّرين وعدم استصدارها القوانين المانعة للتّحريض على القتل بدافع دينيّ. ليس القرار القانونيّ والتّشريعيّ بأيدي هؤلاء المدافعين عن حرّيّة الضّمير، وليست الحرب بينهم وبين الإسلاميّين متكافئة، فهم حفنة من الأفراد الذين لا تتّسع لهم صدور المنابر العريضة، ولكنّهم أقوياء بالمطالبة والتّسمية، وبالجرأة على التّفكير، وبالجرأة على التّذكير بوجود غير المؤمنين من نفاة ولاأدريّين ولادينيّين، والجرأة على المطالبة بحقّهم في الوجود وحرّيّة التّعبير.

{{8-}}لا تقتضي حرّيّة المعتقد التي تفترضها العلمانيّة احتراما للعقائد، بل تقتضي احتراما لحقّ كلّ إنسان في أن تكون له عقيدة، ونحن نجد على الدّوام خلطا بين احترام حرّيّة المعتقد واحترام المعتقد في حدّ ذاته. كلّ المعتقدات بما في ذلك عدم الإيمان قابلة للنّقد والتّفكيك والسّخرية، ووضع الخطوط الحمراء هو من باب فرض “ممنوع اللّمس” على التّفكير. ومن الغريب أن يصدر هذا الخلط من المدافعين عن العلمانيّة عندما يحذّرون من مغبّة استفزاز مشاعر المؤمنين. لا يحقّ لك أن تمنع غيرك من أن يعتقد ما يشاء، ولا يحقّ لك أن تحرّض على قتله بسبب معتقده، ولكن يحقّ لك انتقاد معتقده بشتّى الأساليب التي تجود بها قريحتك.

ربّما تبدو هذه الأفكار بعيدة عن الواقع الرّاهن الذي لا نكاد نرى فيه بارقة أمل في قيام إصلاحات دستوريّة وسياسيّة جذريّة في اتّجاه العلمانيّة، رغم وجود حراك اجتماعيّ وثقافيّ ربّما يسير ببطء نحو هذا الاتّجاه. ولكنّ المطالبة تفتح الأفق، وترسّخ الحقّ. اليد التي تشير إلى الأفق تبتدئ وتبصم وتجدّد السّياسيّ، وليست مطالبتنا اليوم بهذه العلمانيّة أغرب وأدعى إلى الضّحك من مطالبة المناهضين للرّق بتحرير العبيد قبل أن يتحوّل تحرير العبيد إلى مسار لا رجعة فيه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق