عن “الغيب” في السياسة والحروب : بين شفير العلم وشفير الهاوية!

زياد ماجد

يحتلّ “الغيب” في السياسة والعلاقات الدولية وفي الحروب المندلعة من حولنا اليوم مساحة غير مسبوقة منذ عصر التنوير الأوروبي، بحيث تتجاور الخرافات والبوح الإلهي وإشاراته مع الطاقة الذرية والإنترنت والنفط والدراسات الجيو ستراتيجية واقتحام المريخ!

ولعل استعراضاً سريعاً لبعض الأحداث التاريخية التي جرت منذ نهاية سبعينات القرن الماضي يظهر عمق المفارقات وخطورة المآزق التي يعيشها “عقلنا” في صراعات الألفية الثالثة المستمرة.

{{ من إيران إلى أفغانستان فالجزائر والعراق}}

قد تكون الثورة الإيرانية وقيام الجمهورية الإسلامية أولى “علامات” إقحام الغيب في شؤون الدنيا حديثاً… فهذه الثورة الشعبية الضخمة التي استهوت كبار المفكّرين الغربيّين وعدّها بعضهم الأهمّ منذ الثورة الفرنسية (ميشال فوكو نموذجاً)، سرعان ما استحضرت الغيب الى حيثيّاتها حتى قبل اكتمال دور المرشد الروحي فيها وبزوغ فجر “ولاية الفقيه” عليها (وعلينا). فهمّة الإيرانيات خلال إعادة جمع ملايين النتف الورقية المتلفة في السفارة الاميركية عام 1979، وتركيبها والحصول عبرها على لوائح بأسماء المخبرين وغير ذلك من المعلومات، ردّتها الكتابات الرسمية يومها الى “نور إلهي” ساعد المؤمنات وأعانهن على إكمال المهمة المضنية. واصطدام طائرات الهليكوبتر الأميركية المرسلة لإنقاذ الرهائن ببعضها كان استجابة إلهية لدعاءٍ خميني حميد. أما لماذا لم تنتصر إيران بعد ذلك في حربها مع العراق، فالحكمة الإلهية اقتضت على الأرجح انتزاع أرواح مئات ألوف البشر وثروات الملايين منهم كي تجرّب بالشعبين الإيراني والعراقي حكمة الصبر والتضحية…

وفي رد سعودي على الثورة الإيرانية، وأميركي على الغزو السوفياتي لأفغانستان، موّلت المملكة الوهابية والمخابرات الاميركية والباكستانية حرباً جهادية في بلاد الباشتون والطاجيك والأوزبك والهزارة، وحوّلت الجبال فيها الى بؤر سلفية قتالية تبعد أنظار الشبان العرب “السنة” عن الجمهورية الإسلامية “الشيعية” الصاعدة وعن مشاكل البطالة والفساد والقمع التي يعانون منها في بلادهم (حيث حكم العسكر والقبائل والريع النفطي)، وتستنزف السوفيات في حرب أرضية توازي “حرب النجوم”. فإذا بالملائكة تشارك في الحرب، وتهبط الى أرض الأفغان لتدمّر دبابات تي-54 وتعين المؤمنين على توجيه صواريخ “ستينغر” الى طائرات “الميغ”. وإذا بالشيخ عبد الله عزام مرشد المقاتلين العرب الوافدين الى الجهاد الأفغاني (والأستاذ الروحي لشاب سيلمع أسمه فيما بعد، هو أسامة بن لادن) يكتب في وصف “ريح المسك المنبعث من جثث المجاهدين” بعد أسابيع على تحللها في أرض المعركة مع جيوش الكفر الأحمر، مستعرضاً مراحل تجسّد العزيمة الإلهية في سواعد المحتشدين في أرض ضاقت بإيمانه وإيمانهم، وراحت تستعدّ بعد الانتصار الرباني ودخول كابول عام 1989 الى إعادة تصديرهم الى بلاد المنشأ.

ولم تمض أشهر إلاّ وكان بعض هذا التصدير يبلغ الجزائر (حيث مفارقة النظام الاشتراكي في بنية اقتصادية تتّكل على ريع الغاز والنفط وتتكئ الى الجنرالات “العلمانيين” وأصدقائهم المستثمرين والمهرّبين). وما هي إلا سنوات حتى كانت الحرب الأهلية تندلع فيها بعد إلغاء الجيش انتخابات حصدها الإسلاميون، فيُعمل جميع المتقاتلين مباضعهم الإجرامية بالمدنيين، ويستظلّ بعضهم بالغيب محلاً “ذبح الكفرة وأعوانهم الساكتين على الضيم والقابلين بحكم الجاهلية”.

وفي نفس الوقت، كان البعثي صدام حسين، بطل حرب “القادسية الثانية” مع إيران، ينازل بوش الأب في “أم المعارك” عام 1991 وينسحب من الكويت التي اجتاحها عقاباً لحكامها على غطرستهم واسترجاعاً “لأرض سليبة”، مغطياً تركه جثث جنوده المقتولين عطشاً وقصفاً في الصحراء القاحلة، بإطلاق “طيور الأبابيل” (أي صواريخ سكود) على تل أبيب وكتابة “الله أكبر” على علم العراق (بخط يده الذي لا يخلو من قباحة). وبالمناسبة، لم يجرأ أحد حتى بعد حكم الإعدام الأخير على “القائد المخلوع” على إزالة العبارة التمجيدية للخالق، فما زال التكبير يتوسط العلم اليوم الى جانب النجوم، وجلّ ما قام به العهد الجديد هو طباعته بالكمبيوتر (أو الحاسوب) استبدالاً لخط الدكتاتور اليدوي البغيض…

{{ بين بن لادن وبوش الإبن}}

بعد عقد على موقعة “أم المعارك”، أطلق أسامة بن لادن عام 2001 “غزوة منهاتن”. طائرات “البوينع” تحوّلت الى كرات لهب تسقط على سدوم، أو على “هُبل العصر” على حد قول الشيخ الملياردير، معلنة قسمة المعمورة الى فسطاطين لا حدّ سوى السيف فاصلاً بينهما.

ولم تمر أسابيع على الحدث الجلل، حتى ردّ بوش الإبن، المحمول على أكتاف ناخبين بينهم ملايين يرفضون تدريس داروين في المدارس الأميركية ويتحدّثون عن ولادتهم المسيحية المتجددة منتظرين يوم القيامة والحق، بحرب “الخير على الشر” وبحملة “صليبية” جديدة تهدف الى تقويم عالم الجريمة والتخلف. فراحت طائرات البي 52 تقصف مغارات طورا بورا، والقنابل الذكية تنهال على قبائل قندهار، ثم ظهر ابن لادن على “الجزيرة” بين صخور جباله يحذر الكفرة من مواصلة العدوان على دار الإسلام مشيراً الى أن “المشركين” الذين يدكّون أرضه بأسلحة اللايزر وبالجيل الثالث من القنابل الموجّهة إنما “خرجوا عليه بخيلهم ورجالهم”، معلناً بالنيابة عن أمير المؤمنين الملا عمر الهارب على دراجة نارية من مطاردة طائرات دونالد رامسفيلد (أو “خيله” بحسب ابن لادن) “الجهاد فرض عين”…

واليوم بعد ست سنوات على انفلات ذاك الجنون، وبعد غزو العراق وسقوطه بيد الأميركيين المحتلين والتكفيريين الزرقاويين والمهدويين وفيالق بدر وبقايا البعث المتأسلم، تتابع منطقتنا المنكوبة (ومحيطها) تأدية “الفرض العين”، وتشهد استمرار المطاردة بين “الحملات الصليبية” التي يبوح الرب بأسرارها الى سيد البيت الأبيض وجماهيره موصياً إياهم بحماية “أورشليم” والاحتلال الإسرائيلي لها (ولجوارها) وإحكام قبضتهم على منابع النفط في محيطها، وبين الغزوات الجهادية المفضية تفجيرات قاتلة في مدريد والدار البيضاء ولندن والرياض وجاكرتا وعمّان وشرم الشيخ (مروراً بالحلة والنجف وبغداد وسامراء وسواها من مدن البؤس العراقي)…

المفارقة في كل ذلك، أن “الصليبيين” و”المجاهدين” يستخدمون على اختلاف مراجعهم الفقهية ومصادر وحيهم، الأسلحة والمتفجرات الأكثر تطوراً، ووسائل الاتصال الأكثر حداثة، من الانترنت الى هواتف “الساتليت” وبطاقات الاعتماد المصرفي، رابطين إياها، كل على مذهبه، بعناوين ما في السماء “المرفوعة بلا عمد”، رغم أن جلّ مكتشفي هذه الوسائل كانوا أرضيين طلّقوا السماء وكتبها والأعمدة التي ترفعها!

{{عن أحمدي نجاد وحزب الله وإسرائيل}}

ظلّ لبنان، على مشاكله وصخبه الداخلي، بمأمن عن كل الهوس الإلهي والملائكي المنتشر حوله منذ سنوات، رغم تدخل رجال الدين في السياسة فيه ورغم ما يشوب بعض أبنائه من تعصب ديني مسيحي أو إسلامي.
لكن وقوعه مؤخراً على خط التقاطع بين رؤى بوش “المقدّسة” لضرورة نشر الديمقراطية في بلاد البرابرة، ورؤى أحمدي نجاد النووية ونيته تنظيم نقل اليهود من فلسطين الى النمسا وألمانيا، بالترافق مع تماسه مع بعث دمشق المستلهم معارك حطين منذ حركته التصحيحية، والأخطر من ذلك، متاخمته “لأرض” المشروع الصهيوني (حيث أقصى العلم والتقدم يجاور أقصى التدين والخرافة والإجرام)، جعلته اليوم لا يكتفي باستيراد الغيب الى حياته السياسية وحروبه فحسب، بل ويشرع في إنتاجها.

ولعلّ بعض أدبيات حرب تموز الأخيرة مع إسرائيل تشي بانتصار الغيب على “الحداثة” المفترضة، في تناقض صارخ بين السلوك الميداني العلمي للمقاتلين اللبنانيين والخطاب “الميتافيزيقي” لحزبهم وجهورهم، على نحو يقلق المعوّلين على تحوّل استراتيجي حقيقي في معطيات الصراع ميدانياً، وينذر بالعودة الى استبدال الابتهالات للعدّة والتجهيز، ويهدّد بتحويل الصراعات الجانبية (أي في دهاليز السياسة اللبنانية وما تحويه من ملل مختلفة) الى كارثة محدقة بالكيان والاجتماع الوطني.

فبعد المعارك الضارية في بنت جبيل ومارون الراس وعيتا الشعب ووادي الحجير وما رافقها من معلومات عن تدخل الجياد البيض في القتال، وبعد “النصر الإلهي” (المستند لعلمنا الى الشجاعة والتنظيم والإحداثيات الدقيقة والكفاءة العالية في إطلاق الصواريخ “الغربية والشرقية” المضادة للدروع أكثر منه الى “دعاء كميل” أو “الحصن الحصين”)، وبعد “وعد الآخرة” في يوم القدس (غير المنصورة من السماء حتى الآن)، ها نحن ندخل عالم الغيب في الحياة السياسية الداخلية حيث التحضير للمفاجآت التي ستزيل الحكومة خلال ساعات، وتخفي فؤاد السنيورة خلال دقائق! فالضرب بالرمل (أو ربما التنصت الإلهي على المكالمات الهاتفية) يعطي الحاج علي عمار معلومات دقيقة عن المؤامرات المحاكة ضده وضد “العمامة الخراسانية” التي لا يفتأ يحييها، ويؤمّن لبعض الصحف معلومات عن “الغرف السوداء” ووزرائها وما يدور بينهم فيها. أما المسيح ويهوذا ومريم المجدلية، فقد صاروا “رموزاً للمقارنة” يعتمدها ميشال عون وغيره من السياسيين عند هجاء خصومهم… وفي كل ذلك، انزلاق بطيء الى التسليم بمشيئة “ما ورائية” تدفع اللبنانيين الى الفتنة والاختلاف، ولن يدحرها عن نجاح استهدافاتها على الأرجح سوى صلاة تعيد الله عنصراً ضابطاً لإيقاع التوترات ومساعداً على انتخاب رئيس وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية العتيدة وثلثها الضامن…

{{ على سبيل الخلاصة}}

يتكاثر القول الإلهي في ثرثرة البشر إذن، ويكتسب القتل أو الإشكال أو الخطاب أو الانقلاب هالة “ميتافيزيقية” ما إن يباركه شيخ أو حاخام أو مطران، أو رئيس “مقدّس”.

فهل صرنا فعلاً في عالم عاد البحث فيه عن السماء ينافس البحث في الأرض ومصالح بنيها؟ وهل بات الله بعد ديانات التوحيد وفتوحاتها وحروبها مصدر وحي لمواقع صنع القرار وإدارة النزاعات وقيادة التحالفات، ولمختبرات البحث الذري؟

طبعاً لا نظن ذلك. لكن الأهمّ من الظن، هو الإقدام الصريح على مواجهة هذا الغرق العميق في الخرافات، أو قل محاولة مقارعته بما يناقضه في جوهره: الذكاء الدنيوي (على الأقل عندنا، لأن غياب التراكم المؤسساتي ووهن التشخيص المصلحي وضعف المنطق العلمي لا يقينا من جنون الغيب المتعاظم كما هي الحال في مجتمعات “الغرب” ودوله)…

نشر بالنهار 03/12/2006

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق