عن المصير التراجيدي لـ «المقاومة» ولـ «حزب الله» / ماجد كيالي

منذ انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان صيف العام 2000 انتهى مشروع حزب الله المتعلق بالمقاومة. القصد أنه انتهى من الناحية العملية، وإن بقي من الناحية الشعاراتية أو النظرية، ولأغراض الاستهلاكات المحلية، بدليل توقف عمليات المقاومة نهائيا، منذ ذلك التاريخ، والتزام الحزب بحدود الخط الأزرق، حتى العام 2006 أولاً ثم الالتزام بمضمون قرار مجلس الأمن الدولي 1701؛ القاضي بنشر قوة دولية وقوة من الجيش اللبناني هناك.

وطبعاً، فقد حصل ذلك باستثناء لحظة عابرة، ليس لها ماقبلها ولا ما بعدها، تمثلت في عملية خطف جنديين إسرائيليين (2006)، التي استدرجت ردة فعل اسرائيلية وحشية ومدمرة، دفع لبنان ثمنها غاليا، واعتذر عنها نصر الله، في خطاب شهير له، نوّه فيه إلى أن هذه العملية ماكانت لتتم لو أنه كان يقدّر أن ردّة الفعل ستكون على هذا النحو.

إذاً، فقد انتهى زمن المقاومة، أو لنقل ان مقاومة حزب الله توقّفت، علما أننا لا نتحدث هنا عن توقف لأسابيع او لأشهر، ولا لعدة أعوام، فنحن هنا نتحدث عن 12 عاماً، صرّف في غضونها حزب الله طاقته في القوة والعنف، مباشرة أو مداورة، في الداخل اللبناني، أي في الصراعات الداخلية على السلطة في لبنان، وفي تدعيم محور اقليمي بعينه، يتأسّس على التحالف بين سوريا وإيران.

هكذا بات هذا الحزب امام معضلة مزدوجة، ذلك أن المقاومة التي تستمد مشروعيتها من مقاومتها لإسرائيل توقفت، والأنكى انها بدلا من ذلك باتت تستثمر رصيد قوتها في الداخل اللبناني ضد فرقاء لبنانيين آخرين، أي في مقاصد غير تلك التي انشئت من أجلها.

هكذا، بات حزب الله يأكل من رصيده، وباتت مشروعية المقاومة موضع نقاش، وموضع تساؤل جدي، بات معه لبنان في ازمة عميقة، لاسيما مع الاختلاف على التجديد للرئيس اميل لحود، واغتيال الرئيس رفيق الحريري.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، أي عند حد الاختلافات السياسية، ذلك أن هذا الحزب وضع نفسه موضع تساؤل إزاء ثلاثة مسائل، أولاهما، طابعه المذهبي، ذلك أن هذا الحزب تأسس على العصبية المذهبية، واستمر على هذا النحو منذ تأسيسه قبل نحو ثلاثة عقود، مايثير التساؤل حول كونه حزبا «وطنيا»؛ بمعنى شموله للبنانيين من مختلف المكونات الطائفية والمذهبية.

وثانيتهما، وتنبع من الأولى، أيضا، وهي تكمن في تبعية حزب الله الى دولة إقليمية معينة، واعتباره ذاته امتداداً سياسياً لها في لبنان، لاسيما إن قيادته لا تنكر مرجعيتها لإيران، من الناحيتين السياسية والمذهبية، علما انه هو من ادخل الاعتقاد بمبدأ «ولاية الفقيه» في مذهب الشيعية اللبنانية، وهو الأمر الذي عارضه عديد من أئمة الشيعة الكبار في لبنان (كما في العراق).

وثالثتهما، أن هذا الحزب ينتمي الى منظومة الأحزاب الدينية، والسلفية، التي تلعب دوراً كبيراً في تأجيج الصراعات الطائفية، والمذهبية، في المجتمعات العربية، لاسيما ان هذا الحزب يعتمد سردية المظلومة الشيعية ويشتغل على تنمية عصبيتها في لبنان.

والحال فإن تعطل مشروع المقاومة، معطوفاً على العصبية المذهبية والتابعية لإيران، غيرت هذا الحزب وجعلته شيئاً آخر، إذا لم نقل أنها كشفت الأغراض الحقيقية من قيامه.

الآن، مع كل الاحترام والتقدير للتضحيات، والبطولات، التي قدمها جمهور هذا الحزب، ومقاوموه ضد اسرائيل، إلا انه ينبغي الانتباه، أيضا، الى أن مقاومة حزب الله ظلت محدودة في مناوشة اسرائيل على الحدود، ولم يكن لها عمق في الداخل الفلسطيني، وهو لم يسمح للفلسطينيين بمواصلة المقاومة من جنوب لبنان، بل انه لم يسمح للبنانيين بذلك، وهذا كان أمرا متعمداً ومقصوداً؛ هذا أولاً.

ثانياً، في مجال التقييم التاريخي لمقاومة حزب الله، يمكن القول إن هذه المقاومة نجحت ضد اسرائيل على الصعيد التكتيكي لكنها اخفقت على الصعيد الاستراتيجي (وأنا هنا استعير مصطلحات بعض «مفكري» الممانعة والمقاومة). في المقابل يمكن القول، أيضا، إن إسرائيل اخفقت تكتيكياً، لكنها نجحت استراتيجياً. فقد أخفقت إسرائيل لأن جيشها النظامي يصعب عليه الاستمرار في حرب العصابات، التي تعمل ضمن حاضنة شعبية ومن دون قواعد ثابتة، ولكنها نجحت استراتيجيا بحرمان حزب الله من مبرر الحرب ضدها بانسحابها من جنوب لبنان. وفي النهاية فإن كل مقاومة حزب الله لم تغير في معادلات الصراع والقوة مع اسرائيل، بدليل وقفه المقاومة ضدها، واستمرار هذه الدولة على ذات السياسات الصلفة التي تنتهجها إزاء الدول العربية وإزاء الفلسطينيين.

ثالثا، إن هذا الحزب سكت عن مجيء الميليشيات المذهبية المسلحة المدعومة من إيران في العراق، على ظهر دبابة أميركية، وهو لم يتحدث قط عن دعم المقاومة الوطنية ضد الغزو الأميركي للعراق!

رابعاً، مع ثورات الربيع العربي وقف حزب الله موقف المساند لكل تلك الثورات، من تونس الى مصر، مروراً باليمن والبحرين وليبيا، لكنها عندما وصلت الى سوريا اتخذ موقفا معاديا لهذه الثورة منذ اليوم الأول، وانحاز علنا الى موقف النظام، معتبرا اياها مجرد مؤامرة خارجية، وحتى انه لم يبد أي حساسية ازاء القتل والدمار الذي يتعرض له شعب سوريا. ويجدر الانتباه إلى أن هذا الموقف ليس بجديد على حزب الله، فهو يعتبر سورية بمثابة اقطاعية لعائلة الأسد، ولطالما ذكر في خطاباته مصطلح «سوريا الأسد»، وحتى أنه أهدى النصر المتحقق في الجنوب والذي دفع ثمنه شعب لبنان، ولاسيما اهل الجنوب الى إيران، وإلى «سوريا الأسد»؛ بحسب ماجاء في خطاب بنت جبيل (2000) الذي ألقاه نصر الله بعد الانسحاب الاسرائيلي.

هكذا وقع حزب الله في الفخّ، فهو لم يحاول البتة تكييف بنيته وشعاراته مع الوضع الجديد في لبنان، بعد العام 2000، وتصرّف وكأن شيئا لم يكن، والنتيجة ان شعب لبنان لم يعد حاضنة للمقاومة، بل إن هذه المقاومة باتت عاملا من عوامل الانقسام بين اللبنانيين. هذا حصل، أيضا، بعد ثورات الربيع العربي، وبعد الثورة السورية، فقد ربط هذا الحزب مصيره بنظام الاستبداد والإفساد في سوريا، من دون مراعاة لمشاعر السوريين، كاشفا في ذلك عن ارتهانه لمرجعيته الإيرانية، ولواقعه كحزب طائفي، مثله من الاحزاب الطائفية الاخرى.

ربما كان يمكن لحزب الله أن يتجنّب هذا المصير التراجيدي، لكن ذلك كان يستلزم سياسات وخيارات أخرى قد لا تكون في مقدوره. وفي العموم فإن هذا القدر التراجيدي يصيب معظم المقاومات التي لاتستمد الدعم من شعبها، والتي تشتغل على ترسيخ انقساماته. وبديهي أن مقاومة هكذا وضعها هي مقاومة بائسة وتعمل ضد مسار التاريخ.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق