عن المعترفين التلفزيونيين ومصائرهم الضائعة / حسام عيتاني

تضغط ألاء مورلي على شفتيها عند سؤالها عما ستقول لأهلها. حركة تنم عن حيرة كبيرة قبل أن تعلن جهلها بما ستبرر الشابة فعلتها أمام عائلتها، وهذا بعد دقائق عديدة من الحديث المسهب الذي دانت فيه نفسها كمحرّضة ضد النظام السوري وكمختلقة أخبار لزعزعة الأمن في بلدها.

 

تشرح الشابة السورية، بحسب ما تظهر في الشريط الذي عرضه التلفزيون الرسمي بعد اعتقالها الأسبوع الماضي، كيف جرى استغلال طموحها للعمل مذيعة في قناة عالمية، لبث إشاعات كاذبة عما يجري في اللاذقية والمدن والبلدات القريبة منها من تظاهرات واشتباكات بين القوات الحكومية والمعارضين، باسم مستعار هو بنان الحسن، وكيف نُقلت إلى أنطاكية في تركيا وعادت بجواز سفر مزور قبل أن يعتقلها «الأمن».

 

تبدو ألاء مرتاحة أكثر بكثير من «معترف» آخر ظهر على الشاشة ذاتها قبل أيام، هو محمد حسام الصداقي، وأقر بأنه أُعطي سترة ناسفة لتفجيرها في جامع الرفاعي أثناء صلاة الجمعة في 15 حزيران (يونيو) الجاري. بدت علامات الارتباك والتردد الشديدين على الفتى الذي لا يزيد عمره على 17 سنة. وإلى التقطيع الثقيل للمونتاج (سمة مشتركة في كل أشرطة الاعترافات)، كانت حركات عيني الشاب تتنقل بسرعة وتوتر بين يمين العدسة ويسارها، ما يترك انطباعاً بوجود أشخاص يسمعون اعترافاته إلى جانب السائل والمصور.

 

وبينما تجلس ألاء بوضعية المتحدث الذي يروي بحياد قصة لعلها حصلت مع صديق أو منذ زمن طويل ولم تعد تداعياتها مؤثرة على حياة المعنيين بها اليوم، لا ينجح الصداقي سوى في نقل شعور بالانزعاج والاضطراب والخوف من المحيطين به. بيد أن المشترك في اعترافات ألاء ومحمد وغيرهما من المعتقلين الذين دفع بهم النظام إلى شاشاته لتعزيز روايته، هو الفراغ الكبير في النظرة. هذا الخواء في العينين علامة مميزة تعكس كمية الرعب التي تلقاها المعترف قبل أن يصل إلى المقعد المواجه لكاميرا النظام.

 

ينطبق هذا الوصف أيضاً على المقدم حسين هرموش مؤسس «لواء الضباط الأحرار» وأحد أوائل المنشقين عن الجيش الذي تمكنت الاستخبارات من اعتقاله وعرض تصريحات له على التلفزيون حيث ظهر كمن فارقته الروح، قبل أن تسري إشاعة عن إعدامه في سجن عسكري. كذلك الأمر بالنسبة إلى أحمد بياسي الشاب الشجاع الذي تحدى وسائل إعلام النظام وبث صوره في ساحة قرية البيضة وأعلن أنه هو من داسه عناصر الأمن في شريط اشتهر في بداية الثورة وحاولت السلطات التبرؤ من المسؤولية عن وحشية أفرادها، برد الصور إلى أحداث وقعت في العراق واصفة المسلحين المعتدين على سكان القرية بأنهم من البيشمركة الكردية. وعرض التلفزيون الرسمي صور بياسي لنفي إشاعة سرت عن إعدامه أيضاً.

 

مقابلة إمام المسجد العمري في درعا الشيخ أحمد الصياصنة قبل عام تقريباً اتسمت بطلاقة الشيخ في الحديث عن محاولات إقامة إمارة سلفية في حوران. الرجل الذي افلح بعد فترة بالتوجه إلى الأردن، تحدث في المقابلة من وراء نظارتيه القاتمتين كمن يتلو درساً حفظه ويلقيه بناء على اتفاق سابق. الشابة زينب الحصني التي قيل إن جثتها سُلمت مشوهة إلى أهلها وسط ضجة إعلامية كبيرة من المعارضة، تحضر حية معافاة في مقابلة مع التلفزيون الحكومي.

 

غني عن البيان أن الاعترافات هذه لا قيمة قانونية لها بما أنها لم تأتِ في سياق محاكمة عادلة وأمام هيئة قضائية تضم دفاعاً يسعى إلى تبرئة المتهم، وطالما أنها لم ترفق بأدلة مادية وإثباتات. ولا تختلف اعترافات المعتقلين في شيء عن تلك التي كان يدلي بها المتهمون في «محاكمات موسكو» الشهيرة في الثلاثينات والتي كانوا يطالبون فيها بإعدامهم لخيانتهم الحزب والرفيق ستالين، وكانت الأجهزة السوفياتية سريعة في تلبية هذه المطالب. أما في سورية، فيلف الغموض مصير «الإرهابيين» الذين لا تعود وسائل الإعلام الرسمية إلى ذكرهم، وكأنها توحي بأن السؤال عما حل بهم بعد ظهورهم التلفزيوني من النوافل.

 

فالاختفاء الذي يصيب المعتقلين منذ عقود، يشبه حياة السوريين الذين يأتون إلى هذه الدنيا ويتركونها فجأة فيما تبقى شخصيات القائد الخالد وأفراد عائلته الذين لا يقلون خلوداً، مهيمنة على الساحات والميادين العامة. واختبر آلاف اللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم تلك التجــــربة الغرائبــــــية التي تسمى الاختفاء بين أيدي أجهزة الأمن السورية، حيث يتحول إنسان من لحم ودم ذكرياتٍ في غضون سويعات، بعدما تلصق به السلطات اتهامات يكاد أن لا يصدقها عاقل، على غرار ما فُعل مع المدونة الشابة طل الملوحي قبل عامين التي رسمت ناطقة باسم وزارة الخارجية السورية صورة لها جعلت من الفتاة البالغة من العمر، حينها، 19 سنة، مسؤولة عن تشغيل شبكة ضخمة من الجواسيس الغربيين المحترفين.

 

الرغبة «الرسمية» في استئناف الصمت العام الذي كان سائداً قبل أن يفعل «المعترف» فعلته المزعومة، تفسر تلك السرعة في إعادته إلى الظلام الذي سحب منه ليقول ما ينفع في فضح «الجماعات الإرهابية» وممارساتها. وهذا أسلوب تعتمده الأنظمة العربية منذ الخمسينات، ولجأ إليه الحكم في سورية أثناء حوادث الثمانينات. لكنه يبدو وقد فقد جزءاً كبيراً من فاعليته الإعلامية هذه الأيام.

 

تذكّر هذه المقاطع التلفزيونية بالوصف الذي استخدمه المسرحي ربيع مروة للثورة قائلاً إنها «الثورة المبكسلة» (نسبة إلى البيكسل، أو عدد النقاط في الصورة الرقمية) بفضل الصور ومقاطع الفيديو التي يلتقطها المتظاهرون بواسطة هواتفهم الخليوية أو كاميراتهم البسيطة. في المقابل، يبدو أن ما يظهر من اعترافات لمعتقلي الثورة ينتمي إلى «القمع المبكسل» الذي تحاول الصورة فيه أداء مهمة غير مهمتها الأصلية في نقل الحقيقة والواقع.

 

وألاء العشرينية الملتفة بحجاب وثوب أبيضين، أوحت عندما أغمضت عينيها بعد سؤالها عن أهلها بتعابير تبدو كانعكاس لأيقـــونة متألمة، كأن المتــفرج لن تتاح له فرصة معرفة ما آلم ألاء والمقدم الهرمــــوش وعشرات غيرهما ممن أقروا بالذنوب المطلوبة منهم، قبل أن تسطع كل الحقائق المفجعة في هذه البلاد.

 

عن جريدة الحياة اللندنية 27-6-2012

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق