عن الموضوعيّة ودرس الواقعيّة


الكتابة النقديّة تحتاج إلى الموضوعيّة، وهذا درس لا يمكن أخذه في دورة تدريبيّة سريعة كدروس التّنمية البشريّة، لأنّه درس طويل وغير مرتبط بتقدّم العمر، ولكن بتراكم الخبرات والقراءة، والمعرفة، والاطلاع على مختلف أوجه النّظر. والموضوعيّة تعني القدرة على الحكم من مسافة يكون فيها النّاقد قريبا من الجميع، دون الانحياز إلى طرف، ودون تغليب للعواطف أوالمشاعر.







والبعد من الجميع والقرب منهم في نفس الوقت ليس بعدا أو قرباً مكانيّا بل نفسيّا وعاطفيّا، فالموضوعيّة هي بـ”التّعريف” تفعيل العقل والاستناد للوقائع والأدلّة والبراهين وعدم تدخّل المشاعر والعواطف عند إطلاق الأحكام. كما قد تعني الكفّ عن الحكم عند الجهل بملابسات وخلفيّات القضايا محلّ النّزاع.

والموضوعيّة لا تعني أن يكون الحكم مرضيّا لجميع الأطراف أو وسطاً بينهم فالموضوعيّة لا تعني الحياد أو عدم الانحياز، لا الإيجابي ولا السّلبي. وهي عندما تحكم لصالح طرف من الأطراف لا تفعل ذلك لتحيّزها لذلك الطرف على حساب الطرف الآخر وإنّما من منطلق إقرار الحقّ بناء على الحيثيّات والأدلّة التي رجّحت كفّة طرف على آخر.

وعلى هذا تصبح عبارات من قبيل “لا يمكنني أن أكون موضوعيّا وأنا أرى الضّحايا مخضبين بالدّماء، فلا يمكنني إلا أن أنحاز إلى قضايا الأبرياء والمستضعفين”. إنّه لغو فارغ وإنشاء سقيم لخلوها من المعنى، والجهل بمفهوم الموضوعيّة. والسّبب أنّ الموضوعيّة في سياق إعلان المشاعر، وتدخل العاطفة تقتضي الانحياز لصالح الضّحايا بشكل عام ومطلق من قبل الإنسانيّة قاطبة. والموضوعيّة في سياق جرائم الإبادة الجماعيّة والمذابح تكون الأدلّة فيها واضحة، ويصعب إخفاؤها ولذلك تختلف عن جرائم القتل الفرديّة. مع ذلك فالموضوعيّة في سياق إطلاق الأحكام من قبل القضاة، الذين يفصلون في النّزاعات الدوليّة، تحتاج إلى براهين وأدلّة قويّة للحكم لصالح الضّحايا وإلا فهي قد تحكم لصالح الجلّاد مجبرة ليس انحيازا له وإنّما لضعف القوانين التي يشرّعها الجلاد نفسه ويضفي عليها الشرعيّة “المجتمع الدّولي” نفسه!

 

 وهنا لا تفقد الموضوعيّة شرفها لأنّها حكمت أو احتكمت إلى قوانين دوليّة، على الرّغم من سوء سمعتها ونزاهتها. بل تفقد الموضوعيّة شرفها حين تنحاز لصالح المجرم في ظلّ توفّر أدلّة وبراهين قويّة تدينه. وفي هذه الحالة تكون صفة “منحاز” أكثر التصاقا بالقضاة وهي حالة أصبحت طبيعيّة نتيجة الازدواجيّة الوظيفيّة للمجرم والقاضي في نفس الوقت.

 

الموضوعيّة قد تقترف مزيدا من الجرائم في حقّ الضّحايا، وهذا ليس لخلل فيها وإنّما للقوانين والمؤسّسات الدّوليّة التي “فصّلها” الأقوياء على مقاساتهم. وحتّى يحين الوقت لحلول مؤسّسات قانونيّة تقوم على قاعدة العدل والمساواة ولا يؤثّر في قراراتها التمويل المالي للدول الكبرى، علينا أن نعترف بدرس الواقعيّة. وإن لم نكن قادرين على إحلال القيم الحميدة والأخلاق القويمة لتكون معيار الحكم، الذي تحتكم إليه جميع الدّول.

 

 على السياسيين ، الذين ليس بمقدورهم صناعة القرارات الدوليّة أو التحكّم فيها – ألّا يحاربوا طواحين الهواء باللغو الفارغ وليتركوا هذه المهمّة “للأخلاقيين” والمثقفين والمفكّرين والفلاسفة فعلى أيديهم يصبح “اللغو الفارغ” معقولا ومنطقيا وواجبا، وبجهودهم يمكن للعالم أن يصبح أفضل.

 

الواقعيّة هي أن أعترف بالأرض التي أقف عليها من أجل أن يعترف بها الآخرون، في وقت كان يمكن فيه للآخرين أن يفعلوا ذلك. والخيال الوهم أو الأحلام هي المقابل والبديل الموضوعي للواقعية. ورفض درس الواقعيّة يعني العيش في الخيال وعالم الأوهام والأحلام حيث كلّ شيء ممكن، مثل أن أرفض الاعتراف بالأرض التي أقف عليها لأنّها لا تمثل سوى نصف أرضي التي احتلها العدو وأعلن عنها “دولته”.

 

 رفض درس الواقعيّة يعني رفض التكيف مع الواقع كما هو، ومحاولة خلق واقع بديل عن طريق الانشغال بالتّفكير والحلم في استعادة الأرض التي يحتلها العدوّ – في ظروف لا تتيح لي ذلك – أكثر من التّفكير في كيفيّة الحفاظ على الأرض التي أقف عليها. ويمضي الزّمن والعدو يقتطع كلّ يوم شبر من الأرض التي أقف عليها و”يسجلها” باسمه على الملأ بحجّة أن هذه الأرض ليست ملكا لأحد! وهو لم يجانب الصواب إلى حدّ ما فقد رفضت إعلان دولتي على الأرض التي ينهبها قطعةً قطعة!

 

يبدو أن أكثر مشاكلنا وإشكالياتنا مرجعها غياب درس الواقعيّة عن عقليّة كثير من المجتمعات العربية نخبا وجماهير. وغياب درس الواقعيّة يعني رفض التّعامل مع الواقع كما هو ومحاولة التّحايل عليه ولي عنقه وبدلا من التكيف مع متغيراته نحاول تكييفه لثوابتنا فنفشل في إيجاد حلول أو أجوبة لإشكالياته.

كيف يمكنك الدّفاع عن حدود أرضك وأنت ترفض أن تسجلها في الشّهر العقّاري الذي لا يعترف بالحق الطبيعي وإنّما بالأوراق ولو كانت مزوّرة!

لعلك تقول بأنك تعي درس الواقعيّة جيدا ومنذ اللحظة الأولى ولم تكن تعيش في عالم الخيال وإنما على أرض الواقع الذي كان يقول: “إن ميزان القوى العسكري عند تقسيم فلسطين كان يميل بشكل واضح لصالح العرب والفلسطينيين وإنّ الانتصار على اسرائيل كان سهلا وفي متناول الأيدي”! وقولك هذا صحيح إذا اعتبرت أنك تحارب إسرائيل فقط ولا تحارب من ورائها المشروع الصهيوني ودول عظمى كبريطانيا وفرنسا وأميركا، التي تقف مع المشروع قلبا وقالبا وقد مهدوا لاحتلال أرضك نظريا بوعد بلفور، وعملياً قبله بكثير بالهجرة وشراء الأراضي وطرد السكّان وارتكاب المذابح وتفجير المنازل، وأن قدومهم إلى فلسطين لم يكن للنّزهة أو للسّياحة! عدم وعيك بكل هذه الحقائق إغفال لدروس الواقع!

 

أسوأ من عدم الوعي بدرس الواقعيّة هو الوعي به متأخّرا فتعتقد أنه بالإمكان الطلب من العدو الرجوع بالزّمن أو التّاريخ إلى الوراء ليقف كل طرف على أرضه التي كان واقفا عليها عند التقسيم! وهنا قد تعزف على مزمار العدل والأخلاق والإنسانيّة ناسيا أنه لولا غياب هذه القيم وشيوع المزامير النقيضة لما اُحتلت أرضك!

 

الوعي المتأخر بدرس الواقعيّة خبر يفرح العدو، فهو يمثل إعلانا لحالة يأسك وهزيمتك من المسار الذي كنت تسلكه – استرداد الحق بالقوّة – وإعلان انتصار مساره – سرقة الحق بالقوّة – ولذلك لا تتوقع أن يكون عدوّك طيبا فهو لا يعرف هذه القيمة في ميدان السياسة وهو ماضٍ في درس الواقعية منذ البداية ولم يتراجع عنه قيد أنملة، لذلك قد يعطيك جزء يسيرا من الأرض التي كنت تقف عليها في الماضي وسيملي عليك في المقابل شروطه المجحفة لأن درس واقعيته يقول له بأن المنتصر هو من يملي الشروط لا المهزوم!

 

ستشكوه إلى قضاة “العالم الحر” – وهم أحرار ولا يستطيع أحد التشكيك في ذلك – لكن هؤلاء هم أرباب درس الواقعيّة ولن تحل عليهم الرّحمة فجأة ليعلنوا انضمامهم إلى معسكر الملائكة! وإذا ما أضيفت المصلحة إلى الواقعية تعي أسباب رجحان كفة الظلم في العالم.

 

فماذا بوسعك أن تفعل وأنت المتخبط في طريقك والمتردّد في قرارك وصلت إلى منتصف طريق القوّة وتعبت أو أتعبوك فهذا صراع تاريخي طويل المدى وإن كنت لم تحسب حسابه وأنت تتّخذ قرارك الأوّل فهذا مؤشّر آخر لعدم اعترافك بالواقع وعيشك في عالم اليوتوبيا. ماذا بوسعك أن تفعل، أن تستعيد سلاحك المطمور لتستعيد أرضك بالكفاح المسلح وفي هذا إغفال لدرس واقعي آخر يقول إنّ اختلال ميزان القوى لصالح عدوك مدعاة للتمادي في قتلك بذريعة الدفاع عن النفس! أم تستمر في استجداء لعبة السلام المرادفة للاستسلام وفقا للشروط التي يفرضها عليك العدو الأقوى! أم تسلك سلوكا وسطاً يجمع بين تجميد السلام ووقف المقاومة المسلحة وفي هذا راحة بال لعدوك! أم تعيد تعريف ميزان القوى لتعرف بأنك قوي ولست ضعيفا كما يحاول أن يوهمك العدو وتعيد تعريف المقاومة بمعرفة أساليبها السلمية المختلفة: السياسيّة والإعلاميّة والدبلوماسيّة وقبل كل هذا أن تواجه عدوّك بجسد واحد لا بأجساد متفرقة مختلفة ومتصارعة! 

 

ولعل قانون المصلحة – أو إساءة تعريفه – هو سبب كل مشاكل العالم. فالمصلحة تقتضي أن أكون سيّدا وأنت عبدا أو تابعا وعلى أقل تقدير شريكا في حصة السيادة. وأيّ إخلال بهذا القانون معناه حلول العكس وهو أن تسود العدالة ويكون الكل سواسية وهو بمعنى آخر زوال قانون العبودية الذي يحكم عالم الأفراد والمجتمعات والدول إلى اليوم.

 

وبما أن المال هو الحاكم لطبيعة العلاقات بين جميع هذه الأطراف فسيبقى عائقا أمام انقراض هذا القانون. فالغنى على مستوى الأفراد أو الأسر والمجتمعات والدول يشكل مركز قوة وعامل سلطة عندما يُنظر إليه كغاية لتسخير الآخرين لخدمتنا لا كوسيلة للحصول على تلك الخدمات نظراً لحاجتنا لها ولمن يؤدونها لنا. إضافة إلى قيمة المال كعامل تفرّد، ومن ثم استعباد قيم أخرى مثل الجمال واللون والعرق واللغة والدين إلى غيرها من العوائق التي اصطنعها الإنسان كحواجز بينه وبين نوعه من جهة وبين بقية الأنواع من جهة أخرى.

 

لم تفلح التعاليم الأخلاقية للأديان سوى في تخفيف نظرة الإنسان لنفسه كإله. وعلى الرّغم من التعاليم الدينية التي تحث على التواضع وعدم الغرور والأخوة والمساواة إلا أن الأديان ذاتها مثلت حاجزا آخر وأضافت عوائق أخرى بين الإنسان وأخيه الإنسان ولو بشكل غير مباشر من خلال إدعاء أتباع كل دين على أن دينهم هو الدين الحق وغيره باطل. 

وكان للعلم النصيب الأكبر في تحجيم الغرور البشري حينما أفضت اكتشافاته في العلوم المختلفة إلى وضع الإنسان و”كرته الأرضية” في مكانهم الطبيعي فمع الفيزياء وعلم الفلك لم تعد الأرض مركزا للكون ومع علم البيولوجي لم يعد الإنسان سيدا للطبيعة ومخلوقاتها ومع علم النفس وغيرها من العلوم فسرت كثيرا من الظواهر الطبيعية والنفسية والعقلية فزالت الكثير من الأوهام وظهرت الكثير من الخفايا التي كانت مسيطرة على الإنسان بفعل الترويج الديني لها ولو عن جهل أو غير قصد. 

 

ومع ذلك يبدو أنّه ليس في مقدور الأديان -في جوانبها الإيجابيّة المتمثّلة في:- الحث على القيم الأخلاقيّة الحميدة ولا في مقدور العلم وفلاسفة الأخلاق والمثقفين القضاء على علاقة “السيد والعبد” التي تحكم عالم البشر وربما يكون السبب في ذلك تأصل هذه العلاقة “جينيا”. فالشخصيات تتنوع على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول، فهناك الشخصية القيادية التي تنزع إلى حب القيادة والسيطرة وهناك الشخصية التابعة.

يمكن تفسير تنوع هذه الشخصيات على مستوى المجتمع بل والأسرة الواحدة بالظروف النفسية والبيئية التي تحيط بها لكن كيف يمكن تفسير تنوعها على مستوى الدول والمجتمعات المختلفة، كشخصية المجتمع الألماني والياباني على سبيل المثال. قد يمكن تبريرها بالعامل الثقافي لهذه المجتمعات لكن هل اختبار توفير نفس الظروف الثقافية كفيل بإنتاج مجتمعات مماثلة!

 

القضاء على هذه العلاقة كحلم أقصى عن طريق المشروع الماركسي للوصول إلى المجتمع الشيوعي أو دولة “اليوتوبيا” أو الحد منها كهدف أدنى لن يتأتى إلا بالقضاء على ميل بشري قوي يتمثل في “الطموح”: طموح الفرد والجماعة والدولة وسعيهم إلى النجاح والإبداع والتفرد والتميز. والهدف الأخير برأيي ممكن عندما يتم فصل العلاقة المتشابكة بين الرّغبة في النّجاح وحبّ الطموح والحريّة من جهة، وبين الاستغلال وحرية الطرف الآخر المطلقة من جهة أخرى. فتنتهي حدود النجاح والطموح والحرية على مستوى الفرد والجماعة والدولة عندما تبدأ حدود الآخر وإن كان طموحه أقلّ.

 

علاقة “السيد-العبد” يمكن لها أن تنتهي عندما تتساوى موازين القوى، عند مقياس القوة للجميع أو الضعف للجميع.

 

تختفي “الموضوعية” من قاموس السياسة ليحل محلها “الانحياز” السلبي لصالح الدولة أو الوطن أو الأيديولوجيا أو القوميّة أو المذهب أو الطائفة أو الدّين. وتسود الموضوعيّة عندما ينزع الإنسان عن كاهله كل هذه الخرافات… ويرتدي ثوب العلمانيّة.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق