عن بنيتو موسوليني عاشق نفسه وسلطته / حسن داوود

لم يعبأ بنيتو موسيليني بطلب إيدا دالسر المتكرّر أن يقول لها “أحبّك”. في إحدى المرّات قال لها ذلك بالإلمانيّة “إيش ليبي ديش” في وقت ما كان كارها لألمانيا. في المرّات التي سبقت كان يسرع إلى تركها كلّما التقيا، من غير تهيئة ولا وداع. وفي بوستر الفيلم “Vincere” الذي يعرض الآن في بيروت، يبدو مشهدهما، فيما هما ملتصقان، معبّرا عن تلك الهوّة الفاصلة بينهما: هي، مأخوذة بالعناق ذائبة فيه، أما هو فذاهب بنظرته إلى خارج ذاك العناق، كأنّه يفكّر إن كانت قد حانت اللحظة التي يدفعها فيها إلى الإنفكاك عنه، أو أن يُخرج نفسه منها بأن ينفلت ويسرع خارجا. وهذا ما كان فعله في لقائهما الأوّل، حين كانت هي تنظر من باب المبنى المشقوق قليلا إلى المظاهرة التي يقمعها العسكريّون، ودخل هو إلى المبنى لائذا به. آنذاك، في ذلك الوقت الداهم السريع، اندفعا، أحدهما نحو الآخر، وتعانقا في مشهد ظننّا نحن مشاهدي الفيلم أنّنا بإزاء مشهد أوّل من علاقة عاطفيّة متّقدة. ولم يبد لنا انسلاله السريع، وخروجه لاستئناف التظاهر، إلا وعدا بفيلم من النوع الغرامي العاطفي.

في المشاهد التي تلت كان الشاب موسوليني شبيها بأولئك الحزبيّين الساعين إلى القيادة، وذلك في أفلام كثيرة نقلت أحداث الثورات ووقائعها وخصوصا منها الثورة السوفياتيّة. وفيVincere (الإنتصار) أراد المخرج أن يضيف إلى قدم زمنه (من العام 1910 حيث تبدأ وقائع الفيلم) زمن الأبيض والأسود السينمائي، إضافة إلى عنايته باختيار الأماكن القديمة وكذلك الأزياء التي تعود إلى مطلع القرن العشرين. كما أعاد المخرج بثّ شرائط فيلمية عديدة من ذلك الزمن الذي كانت السينما حاضرة فيه حضورا قويّا، ممّا يصعب فصله عن ميل القادة السياسيين مثل موسوليني وهتلر إلى الظهور بتلك المبالغة التي هي تصويريّة لا بدّ في جانب منها.

تتالت إذن المشاهد التي تذكّر بما يدور في الإجتماعات الحزبيّة عادة، حيث أصوات التساجل المرتفعة والحركة السريعة للمجتمعين دخولا إلى القاعات وخروجا منها. في إحدى المرّات فاجأ موسوليني الشاب، ، وكان ذلك في بداية الفيلم، جمهوره المنتظر سماع خطبته بأن استفزّه بإنكاره القدرة الإلهيّة. سأصمت خمس دقائق، قال، إن أماتني الربّ في نهايتها يكون موجودا، وإن لم يمتني فدعونا نتصرّف انطلاقا من أنّه غير موجود. وإذ انتهت الدقائق الخمس اندفع الجمهور نحوه حانقا، محدثا جلبة وفوضى تمكّن موسوليني في غمارها من اللوذ بالفرار. ذاك الإستفزاز كان أحرى بسياسي تغلب عقيدتُه سعيَه إلى الوصول، وموسوليني لم يكن ذلك الرجل. ففي الفترات القليلة التي تلت، كان يتقدّم في مسالك القيادة بما يشبه التسلّق على الأكتاف. ثمّ أنّه لم يصمد طويلا في اشتراكيّته، إذ سريعا ما انتقل إلى استبدال معتقده ذاك بالفاشيّة.

إنّه الحزبي المتميّز الذي يلفت النظر من بين العشرات الذين هو معهم، كواحد منهم. ليس بالتصرّف المستفزّ فقط، بل بتلك الهيئة المتعالية التي يكون فيها رافعا رأسه إلى الأعلى، بما يمكّن نظرته من أن ترتفع عمّن يقفون حوله. هي النظرة التي ترمي إلى تعظيم النفس، والتي هي مزيج من فعل قصدي وآخر غير قصدي. وفي الفترات التي تلت، حين أصبح ما صار إليه، الدوتشي، راح يرفق نظرته تلك بالمبالغة في رفع رأسه إلى الأعلى، ليبدو لناظريه مثل تمثال يُشاهد من أسفله، من الذقن العريض صعودا إلى الوجه. وإلى ذلك صوته المدوّي، المهدّد والمحرّض كأنّ نصف قوّة إيطاليا تجمّعت فيه.

كان يمكن لكلّ من لا يؤيّده أن يرى فيه، من دون كثير تفكير، شخصا كاريكاتوريّا. إبنه، من إيدا دالسر، ذاك الذي أنكر موسوليني أبوّته له، راح، حين أصبح شابا منتسبا إلى الجامعة، يقلّد مشهد أبيه خطيبا، لكن جاعلا من ذلك مهزلة، أمام رفاقه الذين يقولون له أرنا… أرنا كيف يخطب موسوليني، يروح الإبن، بعد أن يضع كتبه على الأرض، يبالغ في إظهار تلك العصبيّة المقلّدة لأبيه التي تبديه متوتّرا مزمجرا إلى حدّ فقدانه رشده والسيطرة على حركة جسمه.

وفي الفيلم، كما في الأشرطة التي التُقطت في حينه، ناقلة بالبثّ الحيّ خطب موسوليني، يعجب المرء كيف أنّ إيطاليا لم ترّ ذلك الظهور باعثا على المسخرة والهزء. في أحد المشاهد بدا موسوليني مصدّقا نفسه إذ راح يصرخ ويهذي بما يؤكّد أنّ ذلك الظهور الغريب ليس مصطنعا بل هو حقيقة الرجل وشخصه. أنتِ امرأتي.. أنتِ امرأتي، جعل يقول للمرأة التي أقصت إيدا دالسر عنه بانفعال يقارب الجنون. وهو لم يكتف بأن أبعد إيدا، بل إنّه أرسلها إلى أحد المصحّات العقليّة لتقضي بقيّة عمرها بين أيدي الأطبّاء والممرّضات. وقد أنكر أبوتّه لإبنه مسلّما إياه إلى أحد معاونيه ليتولّى تربيته وليعطه إسمه.

ليس الجمال ما كان يسعى إليه الدوتشي ولا الحبّ. كانت إيدا أكثر جمالا بكثير من المرأة التي اختار أن تكون زوجته، في السرّ وفي العلن. ثمّ أنّ إيدا، التي تولّهت به منذ النظرة الأولى، لم تتوقّف عن التعلّق به إلى الحدّ الذي نراه في قصص الغرام والشغف الأقصى. في وقت ما كانت علاقتهما ما تزال في بدايتها، وهي لم تتخطّ هذه البداية على أيّ حال، باعت كلّ ما تحوز عليه وتملكه، وأعطته المال كلّه لكي يؤسّس به جريدته. وهو، إذ ظلّ على رفضه لها وإقصائها، تحوّلت إلى أن تكون مثل الليدي كارولاين لامب حين أوقعها القدر في غرام اللورد بايرون فراحت، لتنال القليل من رضاه، تواكب عربته، ركضا، وهي تحمل شعلة الضوء كأنّها واحدة من حرّاسه.

ذلك جانب مخفيّ من سيرة موسوليني. جانب قليل من سيرته إذ إنّه قد وضع له حدّا منذ أن أسلم إيدا إلى المصحّات التي راحت تُنقّل بينها، ومنذ أن تخلّى عن إبنه الذي، هو أيضا، انتهى به الأمر إلى الجنون فالموت، وهو بعد في الثالثة والعشرين من عمره. بعض النقّاد الذين تناولوا الفيلم أسرعوا إلى إطلاق الأحكام السياسية على موسوليني الناكر للجميل والخالي من ايّ حسّ إنساني وعاطفي. بل أنّ بعضهم رأى في قصّة إيدا دالسر أمثولة، أو نموذجا يشير إلى لامبالته العميقة بشعب إيطاليا كلّه، فهو، في قولهم، أنكر شعبه ولم يعامله إلا كمجموعة من الناس لا وجود لها ولا دور خارج تحقيقها لعظمته وانتصاراته. في نهاية الفيلم أتيح لنا أن نرى المصير الذي انتهى إليه الدوتشي. رأينا تلك الكتلة البرونزيّة الضخمة التي تمثّل رأس موسوليني (بما يعيدنا، هنا في بلادنا، إلى مشاهد الأنصبة المتهاوية التي تكرّرت في أزمنتنا هذه) وهي تُسحق بتلك الآلة التي حوّلتها إلى مجرّد كتلة من المعدن سيجري استعمالها لغرض آخر. تلك كانت نهاية للجانب السياسي من الفيلم، فيما جرى الإكتفاء بتلك الكلمات المكتوبة على الشاشة للدلالة على موت إيدا دالسر وابنها، كلّ في مصحّه العقليّ

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 4/9/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق