عن تآكل مفهوم «القضية المركزية» / ماجد كيالي

ينطوي الكلام عن اعتبار قضية فلسطين بمثابة القضية المركزية للأمة العربية على مشكلتين أساسيتين، أولاهما، أنه ليس ثمة في الواقع أمة ناجزة كهذه، متعيّنة في دولة، وهذا بالطبع لا يقلّل من شأن الهوية العربية، والمكوّن الثقافي والتاريخي للمجتمعات العربية، لا سيما أن هذه تبدو منقسمة على ذاتها لأسباب مختلفة. وثانيتهما، أن الحديث عن قضية مركزية غير دقيق، وغير صحيح، تبعاً للمشكلة الأولى، وأنه يأتي من قبيل التلاعب والتوظيف السياسيين، وذلك من دون التقليل، أيضاً، من شأن مكانة هذه القضية عند معظم العرب.

ثمة مشكلة أخرى انطوت عليها تلك المقولة الرائجة، وهي تتمثّل بمحاولة المصادرة على هموم المجتمعات العربية، وإزاحة قضاياها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لصالح اختزالها بقضية واحدة، على رغم أن هذا الأمر لم يثبت البتّة.

وفي الحقيقة فإن هذه القضية لم تكن مركزية، إلا بما يتعلّق بصناعة الانشاءات السياسية، أو بما يتعلّق بالنظم الاستبدادية، التي استمرأت استخدامها لتكريس شرعيتها، وإخماد مطالب مجتمعاتها. وطبعاً، فإن هذا كله يضاف إلى معرفتنا بأن النظم الرسمية السائدة عمدت، في أغلب الأحوال، إلى التمييز بين هذه القضية وشعبها، إذ أعلت من شأن هذه القضية، من الناحية الشكلية، ولكنها لم تبالِ إزاء معاناة شعبها، سواء من اللاجئين، أو من الذين يكابدون تحت الاحتلال، إذ ظل التعاطي مع الفلسطينيين عموماً باعتبارهم إما ادوات سياسية قيد التوظيف، أو مشكلة أمنية ينبغي اتخاذ أشدّ الاحتياطات إزاءها.

لكن هذا كله لا يعني أن قضية فلسطين تلك لم تحظ بمكانة متميّزة في المجتمعات العربية، فهي كانت كذلك حقاً، وإن بدرجات متفاوتة، لكن ليس على اعتبارها مجرد قضية سياسية فقط، أو مجرد قطعة أرض فحسب، وإنما باعتبارها بمثابة معنى للحقيقة والعدالة، وباعتبارها تتضمن الطلب على الحرية والكرامة أيضاً. ولعل هذا يفسّر استقطاب قضية فلسطين لأجيال من الشباب العربي الذين وجدوا في المقاومة الفلسطينية، بخاصّة في مرحلة صعودها في الستينات والسبعينات، ضالتهم لإحداث التغيير المنشود في واقع المجتمعات العربية. ففي حينه كان الكفاح من اجل فلسطين يتضمّن بداهة معنى الكفاح من أجل التحرّر والتقدم العربيين، بغضّ النظر عن تقييمنا في الوقت الراهن لهذه المقولة النظرية في حيز الممارسة السياسية.

مع ذلك فإن قضية فلسطين، ومنذ زمن طويل، لم تعد تبدو باعتبارها القضية المركزية، لأسباب متعددة، أولها أنه جرى استهلاكها، والتلاعب بها، من قبل النظم السياسية السائدة. وثانيها أن المجتمعات العربية باتت منهكة بمشكلاتها المستدامة والمستعصية، وثالثها أن هذه القضية لم تعد هي ذاتها عند القائمين عليها، من القيادات والفصائل الفلسطينية، وهذا أمر مهم جداً، ورابعها، أن معنى هذه القضية بات مشوّشاً عند قطاعات واسعة من الفلسطينيين أنفسهم، الذين باتوا منقسمين ومختلفين حول أولوياتهم وسياساتهم وحاجاتهم ورؤيتهم لذاتهم، تبعاً لأماكن تواجدهم، والظروف التي يعيشون في ظلّها. هكذا، ما عاد بإمكان هذه القضية أن تحتفظ بمكانتها المتميّزة، كقضية مركزية، ليس فقط لاستنفاد عهود استخدامها، من قبل النظام الرسمي العربي القديم، وبعد زوال النظم «القومية» الاستبدادية، وإنما أساساً بسبب اختلاف معناها، كما ذكرنا، لا سيما مع تحوّل حركتها الوطنية من حركة تحرّر إلى سلطة تحت الاحتلال، ولأنها لم تعد كذلك بالنسبة إلى شعبها ذاته، بعد أن باتت فلسطين مختزلة في الضفة والقطاع، وبعد التخلّي عن اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية، وإزاحة قضيتهم من المعادلات السياسية، وبعد تهميش منظمة التحرير لصالح السلطة.

أيضاً، فإن قضية فلسطين هذه باتت تفتقد لمكانتها كقضية مركزية ومتميّزة في الواقع العربي، بسبب سلبها المضامين المتعلّقة بالحرية والحقيقة والعدالة، وتحولها الى مجرّد صراع إقليمي على أراضٍ.

والحال، ما عاد بإمكان هذه القضية أن تبقى بمثابة القضية المركزية بالنسبة الى المجتمعات العربية، بعد انفصال مشروع التحرّر الفلسطيني عن مشروع التحرّر في البلدان العربية، بخاصّة بعد انكشاف مواقف معظم الفصائل الفلسطينية، وضمنها منظمة التحرير، التي نأت بنفسها عن ثورات «الربيع العربي»، بعد عقود من الادعاء بأن الثورة الفلسطينية هي طليعة الثورة العربية، وهو الادعاء الذي كانت له أثمانه الباهظة في الأردن ولبنان، والذي كابد جراءه اللاجئون الفلسطينيون في هذين البلدين.

اللافت أن القيادات الفلسطينية السائدة ما زالت تتحدث عن قضية فلسطين باعتبارها القضية المركزية متجاهلة دورها ومسؤوليتها عن أفول هذه القضية في المجتمعات العربية، إن بسبب تحوّلها الى مشروع سلطة، أو بسبب تماهيها مع النظام الرسمي، بأنظمته الاستبدادية، أو بسبب لامبالاتها إزاء الثورات العربية، التي لم تفهم مغزاها، ولم تدرك الفرصة التي تفتحها، لتطوير احوالها وتعزيز مكانة شعبها، وردّ بعض الاعتبار لقضيتها.

قصارى القول إنه من العبث مطالبة الآخرين بدعم مشروع تخلّى اصحابه، أو تحولوا، عنه، لا سيما أن هذا يحصل في وقت تصرّ فيه إسرائيل على طابعها كدولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية في الشرق الأوسط، وفي وقت تدير فيه الحركة الوطنية الفلسطينية ظهرها لمطالب المجتمعات العربية المتعلقة بالحرية والكرامة والعدالة.
آخر

عن ملحق تيارات – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق