عن جحيم غزّة وهمجيّة إسرائيل مرّة أخرى

” إنّ قضايا الشرق الأوسط تزعجني وخصوصا القضيّة الفلسطينيّة. فلكلّ شعب مشاكله. وعندي اقتراح جذريّ لإقامة السلام. ففي هذه المنطقة لا مكان لشعبين: فلسطينيّ وإسرائيليّ. ورأيي إذن القضاء على أحدهما: العرب أو اليهود. وأرى أن نترك الحسم لقانون الأقوى. فإذا تمكن الفلسطينيّون من الخروج من المأزق فقد مدّوا أرجلهم وفصل الأمر ولن نتحدّث بعد ذلك عن قضيّتهم. وإذا مدّ اليهود أرجلهم فليس الأمر خطيرا فأن تنقص دولة عربيّة لن يغيّر شيئا عدا أنّ القمّة العربيّة المقبلة سينقصها خطاب واحد” !

بهذا علّق أحد قرّاء مدوّنة تونسيّة على تدوينة كتبها صاحبها بمناسبة الحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزّة هذه الأيّام. وليعذرني هذا الشاب (على الأرجح) لأنني ترجمت كلامه ولم أراع العبارات ذات الدلالات الجنسيّة التي صاغ بها فكرته وهي تتصل بعبارة ” تزعجني ” و عبارة ” أمدّ رجلي “.

والتدوينة التي جرّت إلى هذا التعليق اقتصر فيها صاحبها على ذكر خليط من أسماء الأعلام والكلمات التي تتكرّر هذه الأيام في وسائل الإعلام التونسية والعربيّة متداخلة مشوّشة لا رابط بينها غير الفواصل ليدعو إلى قطع التيّار الكهربائيّ لإسكات جهاز التلفزيون ( قناة الجزيرة ) مدرجا في خاتمة التدوينة القصيرة مربّعا أسود كتب داخله باللّون الأبيض “كلّنا تاعبين” (بالدارجة التونسيّة) دلالة على الضعف والعجز.

ولئن كنّا نحمل موقف المدوّن التونسيّ المعروف بسخريته السوداء ونقده اللاّذع على محمل الشعور باليأس والإحباط والهوان والسلبيّة التي تجابه بها مشاهد سفك الدماء من قبل النازيين الجدد فإنّ ما صدّرنا به المقال بدا لنا لأوّل وهلة صادما مدهشا سواء في هذا الظرف أو في غيره.

إلاّ أننا حين نتأمّله نجده لا يخرج عن منطق اليأس والإحباط وانسداد الآفاق مضافٍ إليه غياب أيّ حسّ إنسانيّ وأخلاقيّ وحقوقي مع فقر فكريّ وتاريخيّ مدقع. فموت المئات وجرح الآلاف وما يصاحب مشاهد الحرب من فظاعات يصبح تفصيلا صغيرا في لعبة البقاء للأقوى. أمّا إبادة الشعوب بعضها لبعض، عربا أو يهودا على حدّ السواء، فقد أصبح الحديث عنها بمثابة الحديث عن تطهير مستنقع من الحشرات التي فيه أو طرد الذباب من مائدة الطعام. والأنكى أنّ قضية أساسها استعمار استيطانيّ مقابل حركة تحرّر وطنيّ وآلة عسكريّة متطوّرة مسنودة بالقوّة الأعظم مقابل شعب يفتقد لأبسط مقوّمات البقاء وتُدكُّ عليه، في ساعات، أطنان من القنابل تصبح قضيّة تنازع على مكان لايحتمل شعبين معا.

هكذا ببساطة واستخفاف وكثير من ضيق الأفق تصبح الشعوب كيانات قابلة للحذف من الجغرافيا ويكون البشر فيها أرقاما تقبل الشطب وتصير القوّة العسكريّة الحكم الأوحد في التاريخ المعاصر وتستحيل قضايا التحرّر الوطنيّ إلى “وجع دماغ”. إنّها صورة مصغّرة من معارك الفتوّات في الحواري على مناطق النفوذ ولكن دون أخلاق الفتوّة. بهذا المنطق المبسّط، وفيه تحديدا، يضيع كلّ حسّ إنسانيّ في صيغته حتّى البدائيّة وتنهار الحقوق.

لا ألوم هذا الشاب فهو وليد مجتمعاتنا العربيّة التي لم تول الحقوق وحسّ المواطنة والتضامن الإنسانيّ والتحليل العقلاني والواقعي أيّ اعتبار بل كرّست بأجهزة دولها القمعيّة المختلفة الخوف والانكفاء على النفس والنظرة السلبيّة للأشياء والحياة والقضايا العامّة.فما الذي ننتظره غير هذه الأفكار التي نعرف جميعا أنّها منتشرة في أوساط عديدة؟ ولكننا بالمقابل لسنا نعجب إن وجدنا هذا الشاب نفسه مدافعا يوما ما عن الفكر الجهاديّ ساعيا إلى الجهاد في سبيل فلسطين منافحا عن الاستشهاد وقتل المدنيين طامعا في جنّة الرحمان. فهو مدفوع في ذلك كلّه بيأسه وخوائه الثقافيّ والإنسانيّ بما يجعله من دعاة تدمير الذات والآخر. فمثل هذه الأضداد، لو ندري، تتلاقى لأنّها تتغذّى من الإحساس بالذلّ والانسحاق. ولا ألوم هذا الشاب مرّة أخرى لأنّه عبّر بسذاجة لا ترقى إلى خبث الكثير من المثقّفين العرب الذين يدعون اللّيبيراليّة ويحمّلون تصريحا أحيانا وتلميحا أحيانا أخرى حماس وحدها مسوؤليّة ما يجري موهمين أنّ مسؤوليّة دولة إسرائيل مفروغ منها.

حماس …حماس…حماس.! والتعلّة الإسرائيليّة القضاء على حركة حماس الإرهابيّة. ولكنّ التساؤل، مجرّد التساؤل، عن الثمن الإنسانيّ والأخلاقيّ الباهظ لن يكفي لبيان زيف هذا الادّعاء وتهافت هذه التعلّة. فالذي يبرز بوضوح هو “ثقافة الحرب” الإسرائيليّة التي اكتسحت المجتمع (راجعوا استطلاعات الرّأي الداعمة للمؤسسة العسكريّة) ونخبه ( بما في ذلك العلماني منها) والقيادة السياسيّة ( وهي خليط من العسكر وأعوان المخابرات السابقين والسياسيين الفاشلين). فمثلما أشارت أوريت دغاني في “معاريف” وجدعون ليفي في “هآرتس” وغيرهما من المتابعين والمحلّلين أصبحت آلة الحرب الإسرائيليّة تشتغل كلّ سنتين أو ثلاث و لا تخرج من حرب حتّى تشعل أخرى. والتعلاّت جاهزة مادام الأعداء في الجوار. أمّا السلام فهو حديث خرافة يا أمّ عمرو. ورغم ذلك لا يتورّع القادة الإسرائيليّون عن الزعم بأن شعب اللّه المختار شعب محبّ للسلام ولكنّه لم يجد في الطرف الآخر، بما في ذلك عرفات، من يقبل السلام.

والذين أدانوا تصلّب عرفات بالأمس واتهموه بتعطيل عجلة السلام وباللّغة المزدوجة هم أنفسهم الذين يلقون باللائمة اليوم على حماس حتّى لكأن محمود عباس الحمامة القابعة في الضفة الغربيّة قد حصل على شيء ولو قليل أو كأنّ الوضع هناك أفضل من الوضع في غزّة. أي ّ منطق أعرج باسم الفكر النقديّ والواقعيّة والقراءة الصحيحة للوضع الإقليميّ والدوليّ ومحاربة التطرّف الدينيّ وغير ذلك من الخزعبلات التي تبرّئ دولة إسرائيل ضمنيّا وصراحة وتدعّم الحكاية الصهيونيّة بدل صياغة رواية المحرقة الفلسطينيّة التي تنفّذها ضحيّة الأمس.

وما هو ثابت في هذا الخضمّ، وبقطع النظر عن تحاليل رجال السياسة والمتابعين ووقائع الميدان المحزنة، أن هذه الحرب غير المتكافئة ستضع أوزارها ولن تحقّق أهدافها المعلنة (ربّما تقوّت شوكة حماس كما تقوّت من قبل شوكة حزب اللّه في الحرب السابقة) وأنّنا سنكتشف حينها، بعد فوات الأوان، كالعادة و دائما، أنّ الثمن كان مرتفعا جدّا: قتل الأبرياء وتدمير المنشآت والمباني وتجذير الحركات الأصوليّة وتقديم أسباب إضافيّة للكراهية والحقد. فنحن نحتاج إلى منسوب مرتفع من الغباء والحمق لنقبل أنّ مثل هذه الحروب الجبانة يمكنها ان تقتلع حركة حماس. فما يحدث لا سند له سياسيّا بالمعنى البسيط للسياسة غير الحسابات الحقيرة التي لا تصنع السياسة والتاريخ. أمّا أسسه الأخلاقيّة والحقوقيّة الإنسانيّة فلا تحتاج إلى تعليق.

إنّ دولة إسرائيل بقوّتها العلميّة والعسكريّة وبخبرائها ومراكز البحث فيها والتحالفات الدوليّة الواسعة وتحكّم رأس المال اليهودي المساند لها في أهمّ وسائل الإعلام العالميّة لا تقوم هذه الأيام، بما فعلته وتفعله وستفعله في غزّة، إلاّ بمزيد التدليل على جوهر همجيّتها المغلّفة بورق السيلوفان الديمقراطي والمعروضة، بتقنيات الإشهار الحديث جدّا، في واجهة الضحيّة الأبديّة.

ولسنا نرى غير عبارة الهمجية لتسمية جرائم الحرب الإسرائيليّة الماضية والراهنة لما في العبارة من محمول أخلاقيّ وقيميّ مضادّ لسعي البشريّة الحديثة إلى الأمن والسلم وبدلالتها على تبنّي منطق الغاب والسيادة للأقوى حتّى في العلاقات بين الدول والشعوب. فإسرائيل في ممارستها فتوّة الشرق الأوسط الذي لا رادع له بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن وهي التي أنشئت بقرار أمميّ ! ولكنّها لا تحترم أيّ قرار آخر بل تمعن منذ إنشائها في اقتراف جرائم ضدّ الإنسانيّة بتعلّة الدفاع عن النفس وترسّخ نزعة الإبادة الجماعيّة وانتهاك أبسط حقوق الإنسان ومخالفة القوانين والأعراف الدوليّة كما يقال دائما وأبدا حتّى أصبح هذا الحديث ملاكا معادا لا يثير انتباها ولا يستدعي ردّ فعل.

إنّ هذه الوضعيّة المعروفة لدى الجميع ويسكت عنها، لأمر ما، الجميع هي التي تجعل تعليق الشاب في رأس هذا المقال على تدوينة اليأس والإحساس بالعجز إزاء ما يحدث في غزّة من باب وصف الواقع في الشرق الأوسط أكثر منه من باب تقديم اقتراح ألمعيّ وبسيط للتخلّص ممّا تحدثه القضيّة الفلسطينيّة عموما وغزّة هذه الأيّام من مشاعر متناقضة. فليهنأ صاحب التعليق ولا تثريب عليه: فالمنطق اليوم هو منطق الغاب ولا مكان لشعبين ودولتين ما دامت إسرائيل عاجزة عن أن تخبر العالم، مثل جميع الدول، بحدودها فتلتزم بها وتكفّ عن العربدة في حقول الجيران كلّ سنتين أو ثلاث.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق