عن خوف الأقليات في سورية

يكثر الحديث في الصحافة، وبين المثقفين”العلمانيين” وعند أبناء الأقليات، عن خوف الأخيرين من نتائج الوضع الاحتجاجي، وعن “سنيّة” الثورة السورية، وأنّ هذه الثورة ستلتهم، في حال نجاحها، تلك الأقليات “وبالجملة”، وستصبح حياتهم جحيماً لا يطاق، وسيكون هناك تحجيب ومنع للمظاهر المسيحية، وانتقامات من أفراد الطائفة العلوية، وانتهاك للأعراض، ولن تنجو أقليّة من ذلك وبأشكال متعددة، وطبعاً تلعب المخيلة الخائفة دوراً مُهوّلاً ومَهولاً في اختلاق أوهامٍ وخرافاتٍ، ما انزل بها الله من سلطان، وبالتالي يصبح على الأقليات” العاقلة جداً” أن تقف، وفي صفٍ واحدٍ، وبانضباطٍ محكمٍ إلى جانب السلطة، لأنّها المدافعة عنها وفي ظلّها عاشت بحبوحة ديموقراطية لامتناهية، لا تضاهيها أعتى الديمقراطيات في العالم!
العقل الخائف هذا، يتسيّد الوعي فقط في ظل نظام استبدادي مديدٍ، لم يغيّر من سلوكه هذا رغم مضيّ ثلاثة أشهر على بدء المظاهرات، ويرافق ذلك بث كل أنواع الدعايات لتخويف أو تشويه الوعي وإبقائه إمّا مُلحقاً بأيديولوجية السلطة، أو مُشتتاً وغيرَ قادرٍ على اتخاذ موقف إيجابي من الأحداث، وبالتالي يصير محيّداً أو إلى جانب السلطة. ولتدعيم هذا الشكل من الوعي يتم دائماً إغراقه بقصص وحكايا، عبر القنوات التلفزيونية والإذاعية والصحف والنت الرسميات، تشير إلى عصابات مسلحة “متطرفة وإرهابية” تهاجم أبناء الأقليات أو الجيش، بأشكال لا حصر لها، عدا عن متابعة رجالِ دينِ”الأقليات”، والإكثار من استثارة الخطر الوجودي الماهوي من ابتلاع “الأكثرية” لتلك “للأقليات”.
الحقيقة، أنّه ليس في سورية، مشكلة طائفية أصيلة، بل ولدينا تاريخ مشرّف، على مدار القرن العشرين من الوعي التنويري والعلماني ومن الأحزاب الحداثية، وحتى الأخوان المسلمين كانوا حزباً سياسياً يؤمن بالعملية الديمقراطية في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم. وهناك غضب شديد من التطرف الديني، بل ونزعة نحو تجاوز كل ذلك، نحو القضايا الوطنية والقومية والإنسانية. وإذا ما حدّدنا الحرب في الثمانينات، أنّها حرب محدودة بين نظام مستبد وحزب طائفي، وأنّها بالأصل ما كانت لتكون لولا عنف النظام آنذاك على المجتمع، فإنّ مشكلة سورية، تتمثل في السيطرة الأمنية، وهو ما سمح حينها لتلك الحالة بوضع البلد في أزمة وطنية عامة، لم يتم معالجة أثارها. ورغم محاولة البعض التسلل طائفياً من هذه التشققات، لا بد من إبقاء هذا الموضوع، في إطار التداول القانوني وليس عبر التداول السياسي. هذه الحالة كانت طائفية أصيلة ولكنها ناتجة عن سيطرة أمنية كاسحة، وتكاد تكون الاستثناء في تاريخ سورية.
ما هو جليٌ في سيرورة الثورة السورية، أنّها ترفض الملمح الديني والطائفي، وتركز على الملمح الوطني الديمقراطي العام، فـ”لا سلفية ولا إخوان” و” الشعب السوري واحد” وغيره كثير، ولم يتم رفع شعار واحد، ضد الأقليات. ولكن، ورغم ذلك فإنّ حديث الفتنة الطائفية مستمرٌ، وسيبقى يتكرّر، فهو الدعاية الأولى لأوساطٍ قريبة من السلطة، وكذلك لبعض رجال الدين” كعدنان العرعور” وقناة الوصال وقناة صفا، السيئتي الذكر، حيث يتغذى الاثنان من بعضهما، ما لم يتوقف الحل الأمني، ما لم يعطِ النظام الحق بالتظاهر السلمي. نعم، هؤلاء لم يفهموا، أن ما يحصل في سورية، هي ثورة شعبية، لا طائفية ولا انتقامية من أحد، وأنّها ثورة حقوق لشعبٍ -وليس لطائفة- لطالما أُفقر واستغل وأذل وانتهكت حرياته، وتمرغت كرامته، في دوائر الدولة على اختلاف مؤسساتها. 
السوريون، لا يختلفون عن بقية شعوب العالم العربي الثائرة، فهم يسعون نحو دولة مدنية، تستند إلى الشعب وتساوى بين أفراده، وتؤمن مصالحهم. هذا ما يقوله المتظاهرون، وهو أساس حركتهم؛ فخطأ النظام في درعا، كان خطأً أمنياً، وردّ الشعب، كان رداً مدنياً، وحدّد حينها مشكلته بمسؤولية رئيس فرع الأمن السياسي وبمحافظ درعا عن اعتقال الأطفال، ولكن الاستمرار في الخطأ، هو ما صعّد الوضع المحتقن، والمستند إلى أزمات متعدّدة إلى ثورةٍ، وبذلك صار إسقاط النظام، ما دام مستمراً بحلّه الأمني، هو بوصلة المتظاهرين.
لا يجوز حين نقاش وضع الأقليات في سورية، تغييب تأخر دمشق وحلب والرقة عن المشاركة بالثورة، إلّا أنّ دخولها البطيء يؤشر لدخول الأقليات لاحقاً بالضرورة، وسيكتشفون أن خوفهم ليس من أبناء الأكثرية، بل هو من عنف السلطة! رغم أن كثيراً ممن ينتمون إليها بالولادة دخلوا منذ الأيام الأولى في الثورة، عدا عن مشاركة فئات متعددة، ومن مختلف الأقليات والمدن في المظاهرات.
 بوضوحٍ أقول، لا أخاف على الثورة السورية من الانحرافات الطائفية، ولكن من الضروري محاربة المنطق الطائفي الذي يتحكم بعقل بعض التيارات، من المعارضة والسلطة، وعلينا الاستنارة بالحس السليم للثائرين الذين يميزون بين الدين باعتباره شأناً خاصاً وبين الطائفية السياسية باعتبارها كارثة على مستقبل سورية، فينبذونها بشعاراتهم بكلّ وضوحٍ وجلاءٍ، كما أشرنا، فأين الطائفية في سورية؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق