عن ذلك المبنى القديم في شارع عبد العزيز / حسن داوود

كمثل التفاتة بدر شاكر السيّاب، بعد انقضاء ثلاثين سنة من عمره، إلى الشبّاك الذي كانت تقف في إطاره إبنة الجلبي، كنت أدير رأسي كلّما مررت من هناك، مستعيدا مشهد الأولاد الذين يلهون في حديقة ذلك المبنى. لم تنسني السنوات مشهدهم ذاك. كانوا يرتدون ثيابا ملوّنة، في ذلك الحين الذي لم تكن الألوان قد صبغت ثيابنا بعد. قال لي أخي، الذي سبقني إلى التعرّف على ذلك الحيّ، إنّهم أولاد الأميركان الذين يدرّسون في الجامعة أو “يحكّمون” في المستشفى.

ولا ريب أنّني رأيتهم هناك، لاهين في تلك الحديقة، مرّات كثيرة، وذلك كلّما نزلت من شارع عبد العزيز إلى شارع بلس الطويل. ربّما أحببت أن أنضم إليهم، لا لكي ألعب معهم، بل لأن أراهم عن قرب، ولوقت أطول من وقت العبور القليل. كان أهلهم المقيمون في المبنى قد جهّزوا الحديقة بأشياء تحبّب باللعب: بيت صغير أكبر قليلا من بيوت الدمى، منصّة للتزحلق لا أراهم يتنازعون على تسلّقها. أما حول الرمل المفروش فكانت ترتفع أشجار لا تحجب الحديقة، ولا المبنى، عن الطريق.

كما أنّني كنت مفتونا بالمبنى أيضا، بالسكن فيه. وقد أتيح لي أن أدخل إليه مرّة، لا إلى البيوت، بل إلى صالة في طابقه الأرضي جُعلت مطعما لمن هم منتسبون إلى الجامعة الأميركيّة ومستشفاها. لكن سنوات كثيرة كانت قد انقضت على وجود أولئك الأطفال، كما على سكن أهلهم في البيوت. وهناك، في ذلك المطعم، كان صعبا تلبية تلك الرغبة، ذاك لأنّ البيوت التي في الأعلى غيّرت ساكنيها، أو تحوّلت إلى مكاتب لشركات. لكنّني، تمكّنت من نسيان ما أوحى به دخولي إلى ذلك المبنى وعدت، بعد حين، إلى تذكّره آهلا، وإن من دون صوت ولا حركة، بناسه الأوّلين.

وهؤلاء الأهل كنّا نراهم عابرين شارع بلس في النهار، كثيرين، ورغم ذلك كنت أفترض أنّهم خرجوا جميعا من هناك، من المبنى الذي تتقدّمه تلك الحديقة. ذاك أنّي لم أكن أعرف مكان سكن آخر لهم، أو لبقيّتهم الكثيرة. وكان عليّ أن أكبر سنوات أخرى لكي أتعرّف عليهم، بل على أبنائهم وبناتهم الذين في العمر الذي شاعت تسميته آنذاك “تين آيجر” من مسافة أكثر قربا. كان ذلك في المقهى أو المطعم الذي في الطابق الأوّل من المبنى الذي تقع فيه سينما أديسون، وبصحبة ميشال، الشاب اللبناني الذي، من أجلهم ربّما، سمّى نفسه مايك، هكذا على غرار ما كان شائعا في الشارع الذي كنّا نقرأ على لافتات محلاته أسماء مثل مايكس ستور، أو مايك، هكذا، من دون ايّة إضافة، ما دام أنّ المحلّ هذا صغير لا يتّسع داخله إلا لزبون واحد.

وكان مايك يكلّم البنت منهنّ مثلما يكلّم الشبابُ البنات في أفلام السينما فيقول للبنت، هناك في المقهى، أن تأتي وتقبّله، مشيرا بإصبعه إلى خدّه. وكان يقول ذلك بالإنكليزيّة، بإنكليزيّتهم أقصد وليس بإنكليزيّة المدارس. تعلّم مايك منهم بسرعة، وهم ، بما علّموه إيّاه، ساعدوا على تحسينه أو، على الأصحّ، على ترقيته عن فقره الذي ظلّ على حاله، هناك في بيتهم الضيّق الصغير.

وقد كان هؤلاء وسابقوهم قد غيّروا أشياء كثيرة في الناس الذين إمّا سكنوا في الشارع بطريق الصدفة، أو أنّهم كانوا أخلاف ساكنين قديمين، أو أنّهم أتوا للإقامة هناك عن قصد. كانت الأشياء مختلفة هناك، ليس في شارع بلس وحده، لكن أيضا في تفرّعاته في الأعلى، حيث شارع المكحول وشارع عبد العزيز وشارع جان دارك وأنحاء من منطقة المنارة. بل إنّ الراحل كمال الصليبي قال إنّ تلك المنطقة، أو بؤرتها التي هي شارع بلس وما حوله، “أثرّت في روحيّة بيروت كلّها” وذلك في المقابلة المطوّلة (في نحو ثمانين صفحة) التي كان أجراها معه صقر أبو فخر ونشرت في “الآخر” المجلّة الفصليّة التي يتعهّد تحريرها أدونيس. لكن لم يكن ذلك متساويا في أنحاء بيروت كلّها. ربّما كان مصيبا القول إنّ ذلك التغيّر كان متدرّجا وهو أقوى ما يكون في المناطق الأقرب إلى الشارع. هناك، في الطريق المتفرّع من المكحول، كان الناس قد أدخلوا على تصرّفاتهم شيئا من فتنة رأس بيروت، على الرغم من كون عائلات قد وفدت حديثا للسكن هناك. كان فيهم شيء من الأجانب، أو إنّهم كانوا أجانب قليلا حتى إن لم يُدخلوا كلمة إنكليزيّة واحدة إلى أحاديثهم. كلما مررت من هناك، أقف قليلا عند بوّابة ذلك الطريق المتفرّع وأقول إنّ عليّ أن أدخل. وقد بقيت غير عارف بما تغيّر، وإن كنت أحسّ بأنّ من كانوا في شقق الأبنية ما عادوا في مطارحهم. لقد سكن بشر آخرون في بيوتهم، بشر عاديّون، من أولئك الذين نصادفهم ماشين على الطريق أو واقفين على أبواب محلاّتهم منتظرين مجيء الزبائن.

أكيد أنّ تلك المنطقة تغيّرت. أستطيع أن أدلّ فيما أنا أمرّ بالمحلات المتلاصقة في شارع بلس عن كلّ محلّ ماذا كان من قبل، بل وأتذكّر البائعين، محتفلين بكونهم هناك. الحياة في رأس بيروت لا تساويها أيّ حياة في أيّ مكان في العالم، قال كمال الصليبي في المقابلة. “يمكن أن تكون أكسفورد مثل رأس بيروت، ولكن تبقى بيروت “شكل تاني”..منذ زمن بعيد كانت ساحة هارفرد شبيهة بها..”.

يقصد أنّ هارفرد لم تستطع أن تبقى على تألّقها كما رأس بيروت. في المقابلة تلك كان على الصليبي أن يذكر شيئا عما أحبّه في ذلك المكان الذي أقام فيه أكثر عمره، كأن يصف شخصيّات أو يتذكّر أمكنة أو يروي شيئا من تلك الفتنة التي لا تجارى. لم يفعل ذلك. فقط “..من الصعب أن تجد مكانا في العالم كلّه مثل رأس بيروت”.

كمال الصليبي حافظ تواريخ الأمكنة والأسماء، بل والمقترح أن يُصحّح تلازم إسم مع مكانه ونسبته إليه، يقول عن راهن راس بيروت ما اتفّق الجميع على قوله عن ماضيها. ليس أنّها كانت أفضل مكان في العالم فحسب، بل إنّها ما زالت كذلك الآن، أفضل مكان في العالم. كأن لا شيء تغيّر. بل إنّه يزيد على ذلك بأن يقول إنّ طلاب اليوم (في الجامعة الأميركيّة) هم أحسن من طلاّب الأمس. كلامه ذاك، في ما خصّني، لا يقلّ وقعا عن اقتراحه بأن التوراة جاءت من جزيرة العرب.

أمس، فيما أنا سائر في شارع عبد العزيز، نزولا إلى شارع بلس، فوجئت بأن المبنى الذي لم أتوقّف عن تذكّر ماضيه قد سوّي بالأرض، هو وحديقته التي أبقيت فيها منظر الأولاد علامة على ذلك الزمن. على لافتة صغيرة كتب أنّ هنا، في هذه المساحة الشاسعة، “موقف للعموم”. ذلك لا يعني الشيء الكثير، ما دام أنّ النظرة الواقعيّة تقول إنّ من طبيعة الأشياء ألاّ تظلّ على حالها.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 6/11/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق