عن سؤال النقد / بقلم بشير مفتي

نشعر كلما فتحنا موضوع النقد الأدبي كما لو أننا نفتح جرحاً شائكاً في ثقافتنا العربية الحديثة، التي تعيش، من جهة، فائضاً نقدياً من حيث عدد الإصدارات التي نسمع بصدورها كل مرة، ومن جهة أخرى نقصاً يصل حد الندرة من حيث نوعية هذا النقد.

نجد أنفسنا غالب الوقت أمام دراسات تقترب من بعض النصوص الأدبية (المكرسة عادة) وتهمّش أغلبها، أو تبقى في حدود استعراض عضلاتها النقدية من دون أن نلمس فيها ما يشفي غليل القارئ العربي الذي يبحث عن نقد ينير له دروب القراءة، ويفتح له أسرار النصوص المعقدة.

أصبحت مقاربة موضوعة النقد مقترنة عادة بالاحتجاج على ما يدور في هذا الصندوق النقدي من مشكلات وإشكالات، أو بضعف المستوى النقدي عند البعض، أو تعاليه الأكاديمي عند البعض الآخر، وخصوصاً مع الغزو الكبير للمناهج الغربية المستحدثة (بنيوية، أسلوبية، سيمائية …الخ) التي طبعت مرحلة بأكملها في النقد العربي الجديد، صار خلالها النقد، خصوصاً الجامعي، مجموعة طلاسم وحسابات، وأشكال هندسية جافة، فغاب الهدف المنشود من القراءة النقدية في فهم النص وتذوقه وتعليل ما هو جميل فيه، وما ليس جميلا، من دون الوقوع طبعاً في التهمة السابقة، أي المعيارية، أو ما كان يعرف به النقد عند العرب الأقدمين، المشتق من النقود، وتمييز الصالح من الطالح. فالناقد ينطلق من رؤية ذاتية للنصوص ومن معايير موضوعية مشتركة تتحدد من خلالها جمالية النصوص وقيمتها الفنية والمضمونية.

النقد الآخر الموجه الى النقد اليوم هو ذاك المرتبط بالميديا، الصحافة، التي بقيت هي الوسيط النقدي الأول بين الناقد والنص والقارئ، وفي هذا الحقل تكثر التهم الموجهة الى النقاد المعترف بهم والمكرّسين اسماً وعملاً، ولكن الذين يكتبون عن قلة قليلة فقط تحاشياً للغط وخوفاً من التسرع في تبجيل الأعمال التي يرون أن الزمن لم يغربلها بعد، والمؤسسة النقدية لم تمحصها بعد، وهم متهمون بهذه الرؤية الفوقية للنصوص، أي أن همّهم الأول إثبات مكانتهم النقدية. فعندما يدخلون في كتابة عن نص ما، تشعر أن الغاية هي مدوّنتهم النقدية وليس النص الذي يكتبون عنه. ثم نشعر أن هذه المناهج المستحدثة التي تمّ تلقّيها والتفاعل معها بطريقة المحاكاة من دون محاولة استثمارها بشكل مختلف، وصلت اليوم إلى حدّها الأخير. وما كتاب تودوروف، “الأدب في خطر”، الذي يحذّر فيه من خطرها، إلا دليل على ذلك.

عند هؤلاء يعتبر النقد شيئاً جوهرياً كما هي النصوص الخلاّقة. فهم نادراً ما يعترفون بأن الخلق يأتي أولاً ثم النقد ثانياً. إنهم ينطلقون من نظرية أن النقد خلقٌ أيضاً، تالياً يمكن تجاوز النصوص التي تعتبر مادة النقد، ويدخل في هذا المجال الذين يمارسون التنظير بخاصة، أو تشغلهم النظريات الأدبية على المقاربة النقدية، وينغلقون في هذه البؤرة التي تسمح لهم بجعل النص ثانوياً تقريباً، هامشياً وغير ضروري، وهذا من شأنه أن يفتح سؤالاً مهماً طُرح من قبل: هل يشعر الناقد بعقدة نقص أمام الخلاّق؟ هل الناقد خلاّق فاشل؟ وهل يتوجه الى النقد لأنه لم يستطع كتابة نصوص خلاّقة؟ قد تبدو هذه الأسئلة اليوم سطحية، وهي كذلك، لأنه لا يمكن تفسير الميل النقدي عند النقاد بهذا الشكل إلا إذا أشعرنا الناقد بأنه في نشاط يبغي من خلاله التنافس مع النشاط الخلاّق. في العالم بأسره، قلائل هم الذين نشعر أن أعمالهم النقدية تقترب من الخلق، مثل موريس بلانشو في “الفضاء الأدبي” أو رولان بارت في بعض أعماله مثل “لذة النص”. عربياً لا أعرف من ينطبق عليه هذا الأمر. 

ثم هنالك أيضاً النقد الذي يمارسه الكتّاب أنفسهم، ويتحول على أيديهم إما بيانات إجلال وإكبار، وقصائد في المدح والثناء، وإما تشهيراً وقذفاً ونقداً بالأسلحة الأوتوماتيكية الثقيلة، لبعض الكتابات التي لا تروق لهم أو الكتابات التي يعادون أصحابها (خصوصاً في عالمنا العربي)، وهم يستنسخون لنا حقبة الهجاء في عصرنا هذا.

غالب الوقت، لا يُعتدّ بنقد الكتّاب إلا من باب أنه يضيء تجربتهم أو يفتح نوافذ لفهم كتاباتهم مثلما يحدث لنا أن نفهم من مقالات الروائي الإسباني خوان غويتسيلو “شجرة الأدب”، أو الروائي التشيكي ميلان كونديرا (فن الرواية، خيانة الوصايا، الستار) حول الروايات التي يكتب عنها، والتي يريد من خلالها أن يفتح أذهاننا على تجربته الخاصة، ومسوّغاتها ومرجعياتها الجمالية بشكل خاص، لأنه لا يكتب عن تجارب مختلفة عن تجربته أو تتعارض معها في الحساسية الجمالية.

ثم هنالك صنف آخر من النقاد في عالمنا العربي يكتبون للاسترزاق المادي حيث نجدهم يكتبون عن أصوات باهتة جداً فيعظّمونها مقابل امتيازات أو مصالح مادية. الأمثلة التي تحضر في ذهني هذه اللحظة، كتابات كتبها نقّاد عن الكاتبة الكويتية سعاد الصباح مثلاً وتجربتها الشعرية من طرف أسماء لها وزن نقدي، أو تلك التي قرأناها عن أدب الديكتاتور معمر القذافي، ولم نقرأها عن أدب الطاغية صدام حسين وغير ذلك، وهي صورة توسخ النقد، أو تلغي عنه ضميره النقدي، وتتركه يقتات من سوق النخاسة والعبيد.

في جميع الحالات، النقد الأدبي مشكلة، سواء أكتبه الناقد المتخصص، أم المحترف، أم صاحب المهنة، أم المتطفل، أم العابر، أم المأجور …الخ. مشكلة من حيث أننا في جميع هذه الحالات التي يصبح فيها الناقد سلطة، ويصبح مرهوباً، شأنها دائماً، أو توحي بذلك في أذهان من تتسلط عليهم، وتبقى محل تعارض مستمر بين الأطراف الذين يرفضونها، أو يقبلونها أو تتحيّد في معركتها معهم، وهي تلبي فقط رغبات البعض، وتحكم على أحلام الكثيرين بالموت أو النفي أو الهامش.

في اللحظة الراهنة تبدو الجفوة واضحة بين أهل النقد، وأهل الكتابة الخلاّقة، ولم يعد مستغرباً أن يقول الخلاّق بدون أي مواربة: لا أحبّ النقاد، ولست مهتماً بما يقال عني، ما دام الناقد هو الذي يملك سطوة الكلمة المؤثرة والإشهار للنصوص، وهو من يحدد المعايير التي عبرها يمر هذا النص، ويجحف ذاك النص، أو هو يظن ذلك. مع أن التاريخ الأدبي أثبت العكس لأن النقّاد عادة يجافون النصوص التي لا تروق لهم في زمنهم، ثم تصبح تلك النصوص بعد عقود من الزمن أهم ما أنتجته المخيلة الأدبية في ذلك العصر. الأمثلة لا تحصى ولا تعدّ في هذا الشأن.

هناك من يقر بأن النقد لم يعد يملك السيطرة التي يدّعيها، أي السلطة التي منحها لنفسه، كما كان في عقود سابقة، حين كان له حق تقرير مصير النصوص، جيدة أم لا. في عالم صارت العولمة تلعب دوراً تخريبياً في تكسير مفهوم السلطة التقليدي الممركزة في جهة دون أخرى، بل تعددت منابر التسلط الواقعية وحتى الافتراضية لتهتز مواقع مهيمنة لمواقع مبعثرة هنا وهناك.

هذه السلطة لم تعد متوافرة للنقاد اليوم كما كانت للأجيال السابقة كطه حسين والعقاد مثلاً. ففي عصر سهولة النشر نسبياً، وظهور الصحافة الالكترونية وغيرها، صار الناقد في مواجهة الآلاف ممن يتعاطون مع النصوص بطرق مختلفة. تالياً، فإن النص الذي لا يجد ضالته عند هذا يجده عند ذاك، فنحن نعيش في عالم الوفرة الالكترونية التي تستجيب رغبات أكبر قدر من الناس، حتى بالأوهام.

يوجد في العالم العربي اليوم نقّاد من كل الأصناف، ومن كل المستويات، كما يوجد نقاد ذوو مهارة واضحة، حيث نشعر بسعادة عندما نقرأ ما يكتبونه من مقاربات سواء أكانت نظرية أم تطبيقية، ونبحث عن دراساتهم بلهفة وشوق لأننا نشعر بأنهم لا يستسهلون الأمر، وبأنهم يكدّون ويتعبون بالفعل للوصول بالنقد للاقتراب من حقيقة النص الذي يقاربونه، وهم لا يميزون بين اسم كبير وصغير، أو قديم وجديد، بل يطلبون أن يكون في النص الذي يقتربون منه شيء جديد وإضافة نوعية. فكثيرة هي الأسماء الكبيرة التي لا تعيش إلا بما أنجزته سابقاً، وهي تستمر في الحصول على الميداليات الذهبية نفسها من طرف بعض النقاد الذين لا يتعاطون الفعل النقدي مع النص، ولكن مع سطوة الاسم.

سؤال النقد هو سؤال ثقافة تبحث عن طريقها في راهنها ومستقبلها، فالنقد مبدئياً هو السؤال نفسه الذي به تتحقق الكتابة الخلاّقة في موقع متقدم داخل المشهد الخاص والعام. فالنقد يعلن مشروعيته من خلال براعة طرحه للأسئلة، وقدرة هذه الأسئلة على فتح ذهن المتلقي على عصره الذي يعيش فيه، هذا العصر المشتت، المتشظي، المفتت والموحد، الذي يحمل الكثير من الأحلام القابلة للتحقق، كما الكثير من الوعود الكاذبة.

 

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية 31/7/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق