عن سعاد محمّد المغنّية الأكثر قدرة والأقلّ شهرة / حسن داوود

من حوالى سنتين اتّصلت بمنزل سعاد محمّد في القاهرة. هي مريضة، قال الذي أجاب. وحين قلت إنّ هناك ناديا ثقافيا في بيروت يرغب في إقامة حفل تكريميّ لها أجابني بأنّها لن تستطيع ركوب الطائرة. أكثر المتحمّسات لحفلة التكريم تلك كانت الراحلة وداد، التي سبق لذلك النادي أن أقام حفلا تكريميا لها. في الإحتفال ذاك، الخاص بوداد، كانت الصالتان الصغيرتان، المفتوحة إحداهما على الأخرى، قد امتلأتا بالناس. ما زالوا يتذكّرونها، قلت، بل إنّ أحدا من الشبان راح يروي لها، في سياق السؤال الذي وجّهه إليها، نتفا من تاريخها الغنائي والشخصي. كان ذلك «العِلم» مفاجئا، إذ كنّا نتوقّع أن ما بقي متذكّرا من وداد لا يزيد على أغنيتين أو ثلاث، بينها «بتندم» الذي أعاد إحياءها بعضٌ من محبّي الماضي. وقد تعجّبت وداد نفسها من إلمام الشاب بما ذكره. كانت قد حسبت ربّما أنّ ذكرها انطوى تحت ثقل السنوات التي تراكمت منذ أن انطفأ نجمها. لا أقصد هنا رحيلها، بل إخلاءها لمكانها في ذلك المسرح، وإسراع أخريات، ربّما كنّ أقلّ قدرة أو أكثر قدرة، إلى الحلول مكانها فيه.

سعاد محمّد عانت الانقطاع ذاته. وأنا أقرأ سيرتها الموجزة التي نشرتها الصحف بعد يومين من رحيلها كنت أعجب من عدد الأغنيات المعروفة لها، بل والمعتبرة من الأكثر أهميّة وتطريبا مثل «مظلومة يا ناس» و»وحشتني» و»أوعدك».. إلخ، ومع ذلك لم تتمكّن هذه الأغنيات من إبقاء النجمة لامعة وإن بضوء متفاوت للناظر إليه أو لمتذكّره.في التحيات الوداعيّة التي نقلتها الصحف إثر وفاتها كاد من جرى استفتاؤهم يجمعون على أهمّية صوتها وخصوصيّته، بل إنّ عديدين منهم قالوا إنّ لصوتها ميزات تجعله أكثر الأصوات أهميّة في الطرب العربي. بعض آخر قال إنّها لم تغنّ أغنية كانت شائعة وأقبل على غنائها مطربون كثر، إلا وكانت هي الأكثر إجادة وتمكّنا.

وأذكر سماعي لإنشادها دور «أنا هويت وانتهيت» لسيد درويش. كنت آنذاك في حوالى السادسة عشرة مستغرقا بما استغرق من هم في عمري من أغنيات لعبد الحليم حافظ خصوصا ولمغنّين ومغنّيات أقل أهميّة ربما لكن أكثر مخاطبة لزماننا ذاك. دور «أنا هويت وانتهيت»، بصوتها وغنائها، أخرجني من تعصّبي لزمني وردّني إلى ما كان يحبّه السامعون السابقون. كأنّها أدخلت شيئا على ذلك الماضي الذي كنت أراه منقضيا وإن باقيا مع سمّيعته الذين من علامات انطرابهم هزّ الرؤوس وترداد «ألله…الله»، كذا، بما لا يناسبنا ولا يناسب طريقة استجابتنا لما كنّا نُطرب له.

وقد كتب بعض أولئك المستفتين أنّها ضاهت أم كلثوم. الأرجح أنّها كانت قادرة على الصمود، على الأقلّ، في مباراة كهذه. وهذا ما يضاعف أيضا ممّا يمكن أن نراه ظلما، أو أن نفكّر أنّ هذه المباراة تتعدّى حسن الصوت وقوّته إلى مسائل يصعب تسميتها وتبيانها. ذاك أنّ ما يجعل النجم نجما ليس الكفاءة وحدها، بل تلك الأمور غير المدركة التي تجتمع فيها الذائقات المتحوّلة، ومجاراة الزمن، أو حتّى اختراعه ورسم فضائه، ومن ذلك أيضا الفتنة التي قلّما نعرف من أين يؤتى بها، وكذلك قوّة الحضور التي منها أن نقول مثلا: ما هو الشيء الذي يجعل فريق البيتلز مثلا مغيّرا ليس الغناء وحده بل محوّلا عواطف معجبيه عمّا عهدوه في أنفسهم.

إنّه «صوت كامل» قالت ناقدة من بين من جرى استفتاؤهم. ربما كان ذاك الكمال هو سبب آخر لضآلة سطوع النجم، أو السبب الوحيد طالما أنّنا في مسائل مثل هذه نخمّن الأسباب تخمينا فنرفع واحدها مرّة ثم نخفضه لنرفع سواه في مرّة أخرى… معضلة الفنّانين، على اختلاف ميادينهم، هو ذلك الميل غير المخطّط له، وغير المدرك من صاحبه، لبلوغ الكمال. كأنّ الكاتب، فيما هو يكتب، يكون يصحّح ما يعتقد أنّه أخطأ به فيما سبق من كتابته. ومثله المغنّي الذي لا يتوقّف سعيه إلى أن يسقط ما يعتبره انزلاقاته، هذه التي ربمّا كان في بعضها، أو في أحدها، جوهر جاذبيّته. بطل رواية «موت في البندقيّة« بدا في تلك الفترة المتقدمة من حياته مودّعا نجوميّته لأنّه بلغ الكمال الذي لا تتسرّب إليه الفتنة التي، حتى حاملها، لا يعرف من أين تأتيه.

أو ربّما كانت مشكلة سعاد محمّد في مكان آخر. لم تعرف أنّ الحياة البيتية تتناقض تماما مع سعي المرء، امرأة أو رجلا، إلى أن يكون نجما. لا يحسن بالنجمة أن تكون «ستّ بيت»، وهذا في ما قد يرى أحدنا، محقّا، أنّ سعاد محمّد كانت راغبة في ذلك. ليس لأنّها تنتمي إلى الزمن الذي كانت فيه النساء يرين أنّ هذا مصيرهنّ وقدرهنّ، ففي كلّ الأزمنة، يمكن للمرأة أن تخرج عمّا يطلبه مجتمعها منها، بل ويلحّ في طلبه. سعاد محمد أنجبت ستّة أولاد من زوجها الأوّل محمّد علي فتّوح. كان ذلك هو زمن تشكّلها نجمة فكان عليها أن تكون أمّا، لفترة طويلة متّصلة، إلى جانب أن تكون مطربة. لا أقصد هنا اضطرارها إلى تقسيم الوقت، نصفه تكون فيه هنا ونصفه تكون فيه هناك، بل أقصد وقوع تلك الشراكة في شخص سعاد محمّد، تلك الشراكة التي لم تفصمها، لكنها فعلت بها ما قد يكون أخطر من ذلك: أن يكون في إطلالتها على المسرح مسحة من الأم ومن الزوجة المنجبة الولود، والقابلة بالحال التي ينبغي أن تلتزمها الزوجة.

ولم يعجب انقسامها ذاك محمد عبد الوهاب الذي لم يلحّن لها أغنية واحدة، على الرغم من أنها غنّت ألحانا للكبار مثل رياض السنباطي وداود حسني وعبد العظيم محمد وفريد الأطرش وسواهم. حين سئل عبد الوهاب عن ذلك قال، مُدخلا الهزء إلى المزاح، إنّ الوقت لم يسمح بذلك، إذ لم تكد تنتهي من الوضع حتى تعود إلى الحمل من جديد.

لا أعرف كم من السنوات بقيت سعاد محمّد مختفية أو ،على الأقلّ، غير حاضرة. هناك من يتذكّر، أن يختار أغنية من أغنياتها ويبثّها من الإذاعة. كلّ بضع سنوات يخطر لرجل في الإذاعة، أو لرجل آخر في التلفزيون، أن يحيّيا محبّي الطرب القديم بأن يبثّا لهم دور أنا هويت وانتهيت. ذلك يحدث مرّة كلّ ستّ سنوات أو سبع ربّما. نسمع الدور ونظلّ متذكرينه، لكن كشيء لا نعرفه إلا نحن، الذين نعرف أنّنا قليلون، وأنّنا لم نشخ إلى الحدّ الذي نقول فيه إنّنا تركنا الطرب القديم للناس القديمين وحدهم. لذلك ربّما عمدت الصحيفة إلى استفتاء آراء أولئك الأصيلين في الطرب، سماعا وغناء، والذين قلّل من حضورهم حبّهم للطرب الأصيل ذاك.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل 10/7/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق