عن شريط المذبحة الجوية في العراق: حين يصبح القاتل عاجزاً عن القتل / بلال خبيز

عن شريط المذبحة الجوية في العراق: حين يصبح القاتل عاجزاً عن القتل / بلال خبيز

لا تظهر وجوه في الشريط العراقي الذي صوّر من قمرة طائرة الهليكوبتر الاميركية التي نفّذ طاقمها مذبحة في العراق ذهب ضحيتها 12 مدنياً بريئاً كان من بينهم مصوران صحافيان يعملان لوكالة رويترز. الضحايا يقتلون من بعيد، والقتلة مختبئون خلف أسلحتهم. وعلى جاري العادة آثار الشريط حفلة أخرى من المناقشات والخلافات منها ما يجزم بضرورة تجريم أميركا برمتها، وهذه آراء تصدر من جهات معنية إلى حد كبير بمحاربة أميركا وهزيمتها وشيطنتها على طول الخط، وأخرى تدافع عن اميركا وحجتها على الآخرين ان الموقع الذي بث الشريط هو موقع اميركي يتخذ من كاليفورنيا مقراً له، وأن وسائل الإعلام الأميركية تلقفته بسرعة قياسية مما حرك مناقشات ساخنة بعضها يدعو إلى الخروج من مستنقعات الحروب كلها، سواء في افغانستان او في العراق او في أي حرب محتملة.

الطرفان في المعادلة يتحدثان من موقعين سياسيين. وغالباً ما لا ترى السياسة في أي مكان من العالم ضحاياها، بل تقتصر رؤيتها على ضحايا اعدائها وخصومها، ما يجعل الحياة البشرية في حد ذاتها في أي مناقشة سياسية من دون قيمة على الإطلاق. ذلك أنه في وسع اي مدافع عن السياسات الأميركية في العراق او في أي مكان أن يحتج على خصومه بالقول: حسناً، الذي حصل هو خطأ فظيع، وثمة محاكمات ستجري ورؤوس ستطير بسبب هذا الشريط. إنما ماذا عن ضحايا النظام البعثي، وماذا عن ضحايا المقاومة العراقية التي تقتل الناس في الأسواق والشوارع والمباني السكنية من دون تمييز؟ ويستطيع المعترض على السياسة الاميركية ان يحتج أيضاً بالقول: تقولون ان أميركا ديموقراطية وتقيم وزناً لحقوق الإنسان، لكن الوقائع المتكررة تثبت العكس. هذا الشريط يصور آخر مآثرها ولن تكون الأخيرة، وغالباً ما تحال هذه الممارسة الثابتة إلى أخطاء تقنية. ماذا عن ضحايا ملجأ العامرية، الذين قيل انهم قتلوا بطريق الخطأ؟ وماذا عن التعذيب في سجن ابو غريب؟ وماذا عن قتل الجرحى المسنين في مساجد الفلوجة؟ وماذا عن وعن وعن…؟ وعلى أي حال هذا الذي ظهر هو رأس جبل الجليد، ولا شك ان المخفيّ أعظم. والحال، هذه سياسة تحترف القتل القصد، وتحاكم بضعة أشخاص على اقترافه، لكنها في النتيجة لا تفعل سوى القتل القصد ولا تجيد غير تكراره الوف المرات.

لكن التجاذبات السياسية لا تمنع المرء من التفكر قليلاً في ملاحظة أخرى، قد تكون فائدتها عظيمة في السياسة على أي حال.

ما يثبته الجدل الدائر بوصفه حقيقة لا يرقى إليها شك هو ان جيش الولايات المتحدة الاميركية قادر على القتل. وهذا الحكم يصبح مخيفاً حين نضيف ان موازين القوى بين الجيش الأميركي واي خصم من خصومه، في المنطقة التي جرت فيها هذه الأحداث، تعني بلا لبس، ان الجيش الاميركي قادر على تعريض الخصم للقتل وهو محمي من التعرض للقتل. لا ينفي ذلك ان ثمة ضحايا تسقط بين الجنود الاميركيين بين الحين والآخر، لكن منحى النقاش الدائر يأخذ في اعتباره ما هو مفترض وكامن من قدرات عسكرية أميركية وما هو معروف ومستعمل معاً وفي آن واحد. والحال، ينطلق النقاش من مسلمة تفيد ان أميركا قادرة على تدمير العراق تدميراً تاماً من دون ان تبقي على اي اثر فيه. هذا من دون ان يتعرض اي من جنودها او مواطنيها للخطر إلا ما كان من طريق الخطأ او الصدفة. وعليه، فإن امتلاك هذه القوة الهائلة يحرف النقاش عن طبيعته المفترضة، او البديهية، ليرفعه إلى صعيد آخر. لذلك لا بد من وضع قوانين للحرب تتيح لأي طرف من الطرفين الانتصار. لن تستعمل أميركا جماع قوتها، بما فيها ترسانتها الباليستية في الصراع الدائر، ويتوجب على الطرف الآخر استعمال كل ما يملك من وسائل لتحويل الصراع من قتل سهل مبا على شاكلة القتل الذي يصوره شريط الفيديو، إلى صراع بين قوتين، واحدة متفوقة جداً، لكن احتمال خسارتها قائم، وأخرى متواضعة جداً لكن احتمال انتصارها قائم أيضاً. واستناداً إلى هذه المعادلة، يصبح الصراع الفعلي دائراً على كسب ودّ هؤلاء الذين قتلوا من الجو من دون ذنب او استعداد. وأي انحراف عن هذا المنطق في الصراع الدائر يجعل الطرف المنحرف خاسراً في نهاية المطاف. والحال، فإن النقاش الدائر معبر وعميق الدلالة. القتلى العراقيون المدنيون، هم في نهاية الأمر عراقيين وليسوا أميركيين، لكن قتلهم يضير الأميركيين على نحو اعمق وأكثر خطورة من مقتل بعض الجنود الأميركيين في عمليات عسكرية موجهة ضدهم. ما يضير الأميركيين، ساسة وشعباً ورأياً عاماً، هو تصرفهم مثلما يتصرف خصمهم، ليس لأن الدولة الأميركية تقيم لحقوق الإنسان وزناً أوفى من خصومها، بل لأن اعتماد هذا الأسلوب في المعركة يؤدي إلى خسارة الحرب خسارة نهائية. فحين يتحول الجيش الأميركي إلى تنظيم عمليات القتل من دون تمييز مثلما هي حال المقاومة، يكون قد خسر افضليته وعطّل كل هدف سياسي وحوّل الحرب إلى حروب إبادة ووجود. والحال، يجب ان لا نستخف ابداً بالنصر الذي قد تحققه المقاومات المختلفة إذا ما وصلت السياسة الاميركية إلى هذا الدرك من انعدام الخيارات على ما حدث في نهاية الحرب العالمية الثانية، حين قصفت القاذفات الأميركية هيروشيما وناغازاكي بالقتابل النووية، في وقت كانت اليابان، على ما يعرف الجميع، على قاب قوس او ادنى من الاستسلام.

يكشف هذا الصراع الدائر عن هول الخسائر في المنطقة. وعلى اي حال، فإن الصراع يدور على ارض خصوم أميركا وليس على ارضها. بمعنى ان اميركا تخسر خارج حدودها، في حين ان المقاومة العراقية تخسر داخل حدودها، لأن المعارك تجري على أرض العراق، وليس على الأرض الأميركية. وتالياً ثمة دار حرب في العراق، وليس ثمة دار حرب في أميركا. وربما لهذا السبب يشعر جميع المعنيين بما يجري في المنطقة ان المعركة على العراق بين أميركا وخصومها قد لا تبقي العراق عراقاً وتحوله إلى ساحة معركة وميدان بعد أن كان وطناً ودولة له دوره ومصالحه وسياساته. وإذا افترضنا ان العراق هو دار المقاومة، وليس دار الأميركيين، نكون قد غامرنا بمصيره وبقائه في سبيل هزيمة اميركا على ارض حرام. والأمر تالياً ليس أقل من اخفاء بلد وتحويله ميداناً للعراك، من أجل تعديل طفيف في موازين القوى بين الطرفين المتعاركين.

ما من شك ان المقاومة العراقية ومن وراءها اقل اهتماماً بمصير العراق من اميركا نفسها. وهذا ليس لحرص أميركي على العراق وأهله، بمقدار ما هو تعبير صارخ عن موازين القوى المشتبكة في هذا الصراع. إذ لا يستطيع خصوم اميركا مقاتلتها على ارضها، يجدون انفسهم مجبرين على مقاتلتها على ارضهم، مما يجبرهم واقعاً على جعل الأرض التي تدور عليها المعركة مجرد ميدان، لأن مجرد اخذ العراق والعراقيين في حاصل الحساب يجعل خصوم اميركا أقل قدرة على الفعل والتأثير، بل يحولهم إلى مستسلمين تماماً. على هذا يستطيع المرء ان يفهم ميل العراقيين إلى تجنيب بلادهم هذه اللعبة الخطرة، ولو على حساب مصالحهم القومية والجغرافية، وهذا مما يمكن فهمه جيداً في الحالة اللبنانية، حيث يبدو البلد منذ زمن مجرد ميدان للحروب الإقليمية، مما يجعل كل جنوح نحو اعتبار البلد بلداً سبباً للتشكيك في وطنية الجانح واتهامه بالعمالة لأميركا واسرائيل. ذلك ان اللعبة التي تدار في هذا الصراع، وبسبب من موازين القوى المختلة لصالح أميركا وإسرائيل، تصبح على النحو التالي: على خصوم اميركا وإسرائيل حصر اللعبة في البلد الذي أمسى ميداناً إن أمكن ومنع الصراع من التقدم طرداً نحو حدودهم، وهذا يفترض بخصوم أميركا ان يقللوا من أهمية الحياة العراقية أرواحاً وأرزاقاً وممتلكات، لأن تحول العراق ميدانأً يعني ان معايير النصر والهزيمة لا تتعلق بالعراقيين انفسهم. وعلى أميركا ان تحول الميدان وطناً لأهله، ولو غامرت بعض المغامرة في انحيازه، دولة وسياسة، لخصومها من بعض النواحي. ذلك ان استواء العراق وطناً لأهله يقيمون عليه دولتهم المستقلة والسيدة، يجعل كل مقاومة ضرباً من الاعتداء على سيادة الدولة العراقية وعلى حقها المطلق في رعاية وحماية حيوات مواطنيها. والحال لا تبدو المعركة الجارية اليوم في العراق معركة من أجل تحريره من الاحتلال الأميركي بقدر ما هي معركة لإعادة احتلاله. وهذا ما عبر عنه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أكثر من مرة بالتصريح ان ايران مستعدة لملء الفراغ الذي يتركه الانسحاب الأميركي من العراق. اي ثمة احتلال سيعقب احتلالاً ذلك ان المشترك بين الخصمين يتعلق بواقع ان العراق لم يعد قابلاً للبقاء إلا مهيمناً عليه من قوة خارجية.

لكن رد الفعل الأميركي السياسي والشعبي والإعلامي والثقافي على مجريات الشريط الذي تم بثه يضع المناقشة في صعيد آخر. ذلك ان الهول الذي استشعره الأميركيون، رسمياً وثقافياً، جراء بث الشريط، وردود الفعل المجمعة على استنكار ما جرى، تعيد بعضاً من الروح للأمل العراقي في ان يبقى البلد بعد هذه المخاضات العسيرة. على اي حال، ثمة مسألة على هذا المستوى تستحق العناية. فالرأي العام الأميركي الشاجب لما جرى والمستنكر بشدة لما شاهده في الشريط، اثبت أن القتل الصريح أخطر على الأمة الاميركية من التعرض للقتل. ثمة جنود يقتلون يومياً في العراق وأفغانستان. وموت هؤلاء يمر من دون ضجيج كبير. ليس ثمة تظاهرات حاشدة تطالب بالخروج من الحرب بأي ثمن، حقناً لدم الأميركيين في العراق. وليس ثمة حركة اجتماعية تمدّ يدها إلى خرج السياسة بوصفها حركة سلام بأي ثمن. وتالياً يمكن القول ان القوات الأميركية نجحت في العراق في كسر اهم معادلات المقاومات ضد الاحتلال على مر التاريخ: يخرج المحتل من دون قيد او شرط، حين تصبح خسائرة البشرية مكلفة على نحو لا يمكن قياسها مع ما يحققه من مكاسب. لكن معادلة أخرى حلت في الميدان تفترض ان المعوّل عليه ليس موت الجندي المحتل في تحرير العراق، بل لجوء الجندي الاميركي إلى القتل من دون وازع او تردد. ما يخاف منه الاميركيون اليوم ليس تعرض جنودهم للقتل ذبحاً او خطفاً او شنقاً او تفجراً، بل وقوعهم في موقع المفجر والذابح والخاطف. كما لو ان مأثرة ابي مصعب الزرقاوي الذي ذبح نيكولاس بيرغ أمام الكاميرا، اصبحت بمعنى من المعاني دليلاً مرشداً لتحديد هوية المهزوم والمنتصر في هذا الصراع.

بالعودة إلى الوجوه التي لا تظهر في الشريط من الجانبين. لم يطل الأمر بالضحايا قبل انكشاف وجوههم وسيرهم. وهذا كان متوقع الحصول سلفاً. وما ان تم بث الشريط حتى بات أمر انكشاف وجوه القتلة مسألة وقت. وهذا سيحول القتلة من مسمار صغير في ماكينة عملاقة إلى أفراد واصحاب وجوه وسير. مما يبرّئ الماكينة العملاقة من تبعة القتل القصد، ويحملها لأفراد محددين. وغني عن القول ان هذا السلوك في الحروب والمواجهات له تاريخ محدد، وهو متعلق تعلقاً مباشراً بالدول التي تسود فيها سلطة القانون لا العكس. فالموتى في شوارع طهران اصحاب وجوه، لكن احداً لا يأمل في تحويل القتلة إلى افراد وأصحاب وجوه وأسماء، ذلك ان النظام برمته هو المسؤول عن القتل لا الأفراد الذين نفذوا. لذلك عمد النظام إلى رد اسباب القتل إلى استحقاق الضحية للقتل، فالضحايا في إيران هم جواسيس وعملاء للخارج، بحسب ادعاء النظام، ولم يقتلهم افراد محددون بل أن ما قتلهم هو غضب الشعب على الجواسيس والعملاء. وعلى المعارضة هناك أن تثبت انها شعب، ويحق لها الغضب ليتسنى لها ان تعيد الاعتبار لموتاها. أما في الحال الأميركية بعد بث الشريط، فالأمر مختلف: الضحايا ابرياء، والقتلة قد يكونون أي شيء، وقد تلصق بهم اي تهمة، بما فيها العمالة لإيران او الانتظام في صفوف القاعدة.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق