عن علمنة القومية العربية

في ورقته الموسومة بـ “جولة في أفق العلمانية، وشأن الحضارة”، والمقدّمة إلى مؤتمر عن العلمانية في المشرق العربي نظّمه المعهد الدانمركي بالعاصمة السورية دمشق والتي نشرت فيما بعد في كتاب بعنوان ” العلمانية في المشرق العربي ” من إصدارات دار بترا الدمشقية، يذكر المفكّر والكاتب السوري عزيز العظمة حرفيا في الصفحة 105 من الكتاب ما يلي : ” في فرنسا، على سبيل المثال، بريونيون وقشتاليون وغيرهم . لكنهم في اعتبارهم السياسي مواطنون فرنسيون أوّلا، وليسوا أعضاء في جماعات أقلوية. وقياسا على ذلك، لست راغبا في أن أرى في سورية مسيحيين أو أكرادا أو إسماعيليين أو نصيريين بوصفهم أقليات، بل بوصف كلّ فرد منهم على أنه مواطن عربي سوري، وعضو كامل في الجماعة الوطنية ” انتهت الجملة والفقرة.

أثناء النقاش أشار الناطق الرسمي باسم تيّار المستقبل الكردي في سوريا (معتقل حاليا) مشعل التمو لعبارة الكاتب “مواطن عربي سوري” التي ربما أتت بزلّة اللسان، أنّه ربما قصد ” مواطن سوري فقط “، لكن الكاتب العظمة أشار إلى ذهابه إلى ما قصد بالضبط في عبارته تلك.
تتأبّط عبارة الأستاذ العظمة، والتي بروح مطمئنة نستطيع القول أنها تمثل نموذجا عن تيار فكري واسع في الأوساط الفكرية والثقافية العربية، تتأبط عبارته روحا مركزية ثقافية عروبية بالغة. تصل حدّ الإيمان الديني في طمأنينتها وروحها الأيدلوجية. وهو حدّ يصل درجة الحاجة إلى علمنة مباشرة لها، هذا إن كان مطلوبا أن يكون ثمة تساو ما بين مواطني المشرق العربي.

أوّلا: في النموذج هذا ما يوحي بالإيمان بأنّ القومية العربية، هي الحلّ الأمثل للمشكلة الطائفية في المشرق العربي. وهو بذا يختصر المشكلة الطائفية إلى بعدها الديني – الطائفي – فحسب، وهو أمر غير حقيقي تماما، فما أريق في المشرق العربي من دماء قومية، هو ضعف ما أريق به من دماء دينية وطائفية، خصوصا في القرن الأخير من سيرته. فلو أنّ منبع التيار الفكري العلماني في أوربا، كان بسبب مشكلة الإيمان، والصراع على المعنى الديني، بين جناحي المسيحية- الكاثوليك والبروتستنت – في حروب المائة عام الطويلة، فإنه لم يكن ما يضاهيها، في الضفة الأخرى من مياه المتوسط، فالسيطرة شبه المطلقة للمذهب السني الحنفي، حال دون ذلك. وهنا أقصد فقط أنه لم يكن ما يضاهيها من حيث منبع الحاجة، وليس للحاجة إلى العلمنة بحد ذاتها. فالعلمنة كانت وستبقى دواء أي نزوع لعدم المساواة التامة بين المواطنين. فالقول بأن القومية العربية هي الحلّ للإشكالية الطائفية، ينفي مباشرة وجود أية مشكلة قومية وأثنية بين مواطني المشرق العربي. وأيضا قد يعني غياب ذلك التمايز أساسا.

ثانيا: ثمّة أيضا تغاض عن التاريخ السياسي المادي لفكرة ونظرية القومية العربية، خلال النصف الأخير من القرن العشرين، وبالذات في المدنيات العربية الثلاث – سوريا مصر والعراق – فالرؤية العامة حسب هذا النموذج الفكري لا تأخذ بعين الاعتبار المنتج المادي materially the . لنظرية القومية العربية، بل تغرق في الجوانب الروحية والإنسانية العامة، أو بعبارة أخرى، قومية ثقافية فكرية، لا قومية سياسية عصبوية. وهو إن صح، سيكون مثوبا بروح الإرادة والرغبة، لا الحقيقة الواقعة والموضوعية . فالقومية العربية أنتجت في نصف القرن الماضي – وما تزال بنسبة أقل – من الحيز السياسوي العصبوي، أضعاف ما أنتجت من الروح الثقافية والفكرية العربية. وهو أمر وإن كان مأسوفا عليه من قبل النموذج الفكري الذي يمثله الأستاذ العظمة، لكنه في النهاية يبقى واقعا معاشا وحيا.

ثمة سؤال: ما الفرق بين هذا النموذج الفكري المختصر للإشكالية الطائفية إلى إحدى أجنحتها وعللها فحسب من طرف، ومن طرف آخر تتغاضى عن أبرز إشكالية معاشة فيما تعرضه من دواء، وهو التغاضي عن التجربة المباشرة للقومية العربية. ما الفرق بين هذا النموذج وبين النموذج الفكري الديني، لما تعرضانه من حلول مختصرة، أو تيار ” الإسلام هو الحل ” ففي كلاهما شمولية أيدلوجية مباغتة واختصارية في رؤية الواقع، مطعونا برومانسية بالغة لما تعرضه من حلول.

لكن أليست كل الأيدلوجيات لها الرغبة تلك، وهو أصيل في جوهر أي تطلع إنسانية؟

وهو صحيح تماما، ولا مشكلة فيه، إن بقية الأيدلوجيات تلكم مختصرة في الجسم الاجتماعي السياسي، ولا تسعى إلى إصباغ الدولة برغباتها تلك، وهو طبعا ما لا ينطبق على القومية العربية. فالعلمانية التي ليس لها أي تعريف نهائي، مقصدها النهائي، هو لا شخصنة الدولة، أي أن الدولة العلمانية هي التي لا تحمل أية صفة من صفات الكائن البشري. فلا هي سمراء ولا شقراء لا مسلمة ولا مسيحية وطبعا لا ملحدة ولا كردية ولا عربية .. الخ. فلو كان لها أي من الصفات تلك، فستكون منحازة لبعض مواطنيها ضد بعضهم الآخر، ولو بشكل رمزي. فالقومية العربية التي رسمت دولا وأنظمة إقليمية ولها تاريخ وماض لا يمكن التغاضي عنهما، لا يمكنها أن تكون حل الإشكالية “اللا علمانية” . بل أن الأجدر بالبحث هو كيفية تنقية الدولة المشرقية من المنتج السياسي العصبوي للقومية العربية، أو ما يشبه الدين في القومية العربية. فروح العلمنة يعني لا روحية الدولة. سواء كان المطالبون بالروحية تلك، يلبسون عباءة أفغانية، أو ربطة عنق.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This