عن وصف الإرهاب

أصبح الإرهاب اليوم موضوعا ملحا ويتم تداوله على صعد شتى، من خبراء الإرهاب إلى النشرات الإخبارية وصولا إلى الأفلام السينمائية، يتشكل لدينا ما يمكن تسميته بوصف الإرهاب. هذا الوصف يقدم نفسه على انه تشكيل معرفة بالإرهاب كما انه حكم أخلاقي حول ظاهرة الإرهاب.

تعتمد هذه المعرفة الموجهة أساسا إلى الرأي العام على الوصف بشكل متقدم على التعريف المحدد لموضوعها، أي الإرهاب. فما الذي نعنيه بالإرهاب يبقى غير معرف، حيث لا توجد تعاريف متفق عليها لمعنى الإرهاب.

هناك التعريف الأكثر شيوعا والذي يربط بين العنف وضحاياه المدنيين ولا يأبه عندها للقضية المولدة للعنف، إلا أن هذا التعريف الشائع عموما ليس هو وحده المعتمد في تشكيل وصف الإرهاب. فليست كل العمليات التي استهدفت مدنيين صنفت إرهابا، كما أن عمليات أخرى لم يكن موضوعها المدنيين اعتبرت إرهابا. فالقمع الذي مارسه الجيش الجزائري خلال الحرب الأهلية لم يعتبر إرهابا على العكس من عمليات الميليشيات الإسلامية، وهكذا كان حال الكثير من الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل أو أنظمة عربية أخرى لم تعتبر هي الأخرى في خانة الإرهاب، بمعزل عن ليبيا (وأحيانا العراق وسوريا) حيث اعتبرت عمليات الاغتيال التي قامت بها ضد خصومها إرهابا.

بالمقابل، فإن اغلب حركات التحرير المعترف بها تاريخيا مارست عنفا ضد المدنيين، وعلى الرغم من هذا فإنها لا تعتبر إرهابا، بينما اعتبرها كذلك الناطق الرسمي للسلطة وقتها. فحركة التحرير الجزائرية كانت إرهابا للفرنسيين ومقاومة بالنسبة للجزائريين مثلها مثل المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي.

عدم تعريف الإرهاب لا يعود إلى صعوبة التعريف بقدر ما يعود إلى فائدة غيابه المضمرة. فالغياب هذا يجعل مهمة تحديد الإرهاب تعود إلى وصفه كخطاب متكامل، مما يعني أن الإرهابي هو الذي يتم وصفه كذلك من قبل هذا الخطاب، حيث يقوم الخطاب عبر الوصف بعملية التصنيف، والتي تعني تحديد من هم الإرهابيون ومن هم ليسوا كذلك.

بهذه الطريقة لا يعود الشخص إرهابيا لأن ضحاياه أبرياء. وإنما لأنه أدرج في الوصف ولأنه صنف كإرهابي سيكون ضحاياه وقتها أبرياء، فهم الضحايا الأبديون للإرهاب.

ما يقوم به الوصف هو تقديم الإرهاب كبربرية لا يمكن فهمها أو استيعابها من خلال سياقها الاجتماعي أو عبر تناقضات النظام الذي تحياه، بل تبقى عصية على الفهم بحكم شرها الجوهري المطلق وشذوذها التام. بهذا الشكل يكون الإرهاب -البربرية- موضوعا مجردا من شرطه الإنساني ولا يمكن التفاعل معه، يمكن القضاء عليه وحسب. هذا هو الواجب الأخلاقي الذي يحمله النظام على عاتقه ومرتكز شرعيته الحالية.

السمة الأولى التي ينسبها الوصف إلى الإرهاب هي وظيفته “الغفرانية” التي يحملها معه دوما. الضحايا الأبرياء للإرهاب.

يحدد ضحايا الإرهاب بكونهم دوما مدنيون أبرياء، وهذه البراءة لا يمكن اشتقاقها من تواريخهم الشخصية التي لا نعرفها ولا تقدم لنا (حيث الإصرار الدائم على إغفالها إلا عبر قصص الأطفال عن ذويهم أو الزوجات عن أزواجهن)، فهم دوما غفل تحت يافطة البراءة وكونهم مدنيون. براءتهم هذه مصدرها فعل خارجي وقع عليهم وهو الإرهاب، السمة “الغفرانية” للإرهاب هي أنه ينتج البراءة التامة لهؤلاء الضحايا، والتي تكون مهمتها فيما بعد تحديد الإرهاب بكونه الشر المطلق.

هذه هي المقدمة الأولى لكل وصف للإرهاب، مقدمة تستند إلى مثنوية أخلاقية تقوم على براءة كاملة مصدرها الإرهاب ذاته لتعود بدورها وتعرفه كشر، بحكم اعتدائه على أبرياء.

هذا التشذيذ للإرهابي يمتد إلى وصف الإرهابي النموذجي على المستوى الفردي، أي النموذج الإنساني المنحرف، غير الأخلاقي له. يلعب الجانب الشبقي للوعد الخلاصي الذي يحمله الإرهابي دورا مهما في الوصف. الإرهابي المسلم يقدم حياته مع ضمانة القرآن له بالجنة، حيث الحوريات وانهار اللبن والخمر. الشبق والجوع الجنسي الشاذ والوعد التعويضي المصاغ بمفردات جنسية متطرفة تشكل الجانب النفسي والمخيلة النمطية للإرهابي.

فالإرهابي لا يناضل من أجل مثل عليا أو لقضايا عادلة وهو لا يحمل مناقبية ذات سوية عالية، إنما على العكس فإنه يحمل شبقا مرضيا لا يرتوي يمثل التعويض والمكافأة لجهاده في حال فشله ببناء يوتوبياه المتخلفة (مجتمع تُقمع نساؤه وتسجن ويكنّ مجرد موضوعات جنسية). الوصف الجنسي للمخيلة التي يحملها الفرد هي ما يتم إبرازه والتأكيد عليه بما تحمله من شذوذ وانحطاط خلقي، بإغفال التجربة الحياتية أو المعاناة التي قد تدفعه إلى الموت.

بالمقابل فإنه من الصعوبة بمكان النظر إسلاميا إلى الجنة الموعودة ضمن مفردات الشبق الجنسي والشذوذ الأخلاقي ولهذا يتم تحويل الانحراف الجنسي إلى الحياة الشخصية للإرهابي. فهو داعر وسكير ومعربد ولا يؤدي الفروض، وسمعته الأخلاقية (الجنسية) لدى أهل الحي الذي يقطنه سيئة بشكل دائم. الشذوذ السلوكي الجنسي يلعب دورا أساسيا في بناء صورة الإرهابي النمطي التي يقدمها وصف الإرهاب في الحالتين غير الإسلامية أو الإسلامية وان اختلف مكان هذا الشذوذ الذي يتم تعيينه.

الشذوذ الفردي للإرهابي لا يمكن له أن يعمل بشكل فعال إلا عبر أبلسة الإرهاب بتمامه من خلال إعادة إنتاجه على مستوى اللاهوتية الإسلامية.

يمثل الإرهاب استمرارا للجهاد الإسلامي، أي للحرب المقدسة من أجل فرض سيادة الإسلام على العالم بأسره والذي بدأه النبي عبر حروبه من اجل فرض سلطته -وليس فقط تعاليمه- على الآخرين. الجهاد النبوي هو العنف المقدس الذي يمثل أصل الإرهاب الحالي. الإرهاب عندها يكف عن كونه ظاهرة تاريخية يمكن تفسيرها، ليغدو ظاهرة لاهوتية أصيلة في الإسلام كما هو -الإسلام الصحيح- الإسلام الثابت والمماثل لذاته منذ ألف وأربعمائة عام. التفسيرات الخارجية تفقد جدواها التفسيرية، وربما يقتصر دورها على تفسير مستوى وشكل الإرهاب الحالي لا أكثر، فهو الآن جزء من منظومة لاهوتية مغلقة لا يمكن النفاذ إليها أو عقلتنها. الإرهاب من الإسلام لأن الإسلام هكذا.

الجهاد المقدم كأصل للإرهاب لا يكتفي بتقديم الأصل اللاهوتي للإرهاب، بل يتعداه إلى ربطه بشهوة جامحة لا تتوقف للسلطة يحملها معه الإسلام عبر حروبه وفتوحاته. بهذا الطريقة يكون الإرهاب هو الخطة والوسيلة الجهنمية للإسلام لتحقيق غايته في السيطرة والسيادة على الآخرين.

وعندها لا تصبح المهمة إلا اكتشاف المؤامرة -السيطرة على أوروبا- التي يكون الإرهاب جزءا منها ولا يمثل إلا وجهها العنيف، المؤامرات في الجوامع وأماكن اجتماع المسلمين وعبر أدبيات تنظيماتهم السياسية، أو حتى التي تتولى أمورهم الحياتية والقانونية وصولا إلى النص المقدس والعنف المقدس والأولي للنبي ذاته. الإرهاب جزء من مؤامرة شيطانية لا ندرك مداها وموجودة في كل مكان بحكم الطبيعة الانتشارية للإسلام على الصعيد العالمي والأوربي. الإرهاب موجود على الحدود ، كما انه موجود في الداخل. موجود حيثما يقطن مسلمون – إرهابيون محتملون- أو تراه عبر وسائل الاتصال الحديثة عبر التلفاز الذي يجلبهم إلى داخل الغرفة ويقدمهم كحضور راهن.

هذا الوجود المكثف والمبعثر في الآن ذاته يدفع أكثر وأكثر إلى أبلسة الإرهاب، إنه موجود دوما دون إمكانية لتحديد مكانه وبالتالي الاحتراس منه. هذا يدل عندها على الخطورة الهائلة التي يحملها معه، حيث غياب المعلومات لا يدل على غياب التنظيم، إنما يشير إلى الخطر الأكبر الناجم عنه. إننا نلمحه في كل مكان ونلمح آثاره ولكننا لا نستطيع أن نرصده. إنه موجود في الكتب، في المواعظ الدينية وفي العقول، وبهذا الشكل يكون عدوا أشد خطرا حتى من أعداء الحرب الباردة؛ إنه البربري الذي يهدد الحضارة بأسرها .

الصورة العربية للإرهاب لا يمكنها اكتشافه كجزء أصيل من الإسلام أو استمرار للجهاد المقدس لكنها أيضا تسعى إلى وصفه بطريقة مماثلة، المؤامرة الشريرة والشهوة الجامحة للسلطة، هذه الشهوة الشريرة والتي تدفع بأصحابها إلى حد التلاعب بالدين الحنيف والذي هو براء منها بشكل مطلق.

الطبيعة المطلقة للشر الإرهابي تعني امتناعه على التفسير أو الفهم. فإجرامه لا يمكن تفسيره إلا عبر العقل المؤامراتي الكلي القدرة والذي تحركه شهوة السلطة التي لا ترتوي، لكن من دون السؤال عن طبيعة السلطة التي يحيا الإرهابي في شرطها: كيف وصل إليها القائمون عليها؟ وكيف يحافظون عليها؟ وما هي شروط تغييرها؟

هذا ما يسمح به التشذيذ المطلق للإرهاب. انه إغفال الشرط الواقعي للسلطة التي يناهضها الإرهاب، استبعادها من السؤال وتقديمها كواقعة محايدة أو غفل لا تعني شيئا، بل إنها تنظر إلى نفسها كضرورة من أجل مكافحة الإرهاب.

إن انتشار الإرهاب كما ثقافة الإرهاب تتم عن طريق “المدرسة” أي نظام المدارس الدينية ومعاهد تحفيظ القرآن، فهي المسؤولة عن شيوع ثقافة التكفير والتفسيرات المتشددة للإسلام وإقصاء التفكير. يُنسب إلى المدرسة دور محوري في تعزيز الإرهاب وتقدمه، وخاصة في دول استجد فيها الفكر الإسلامي مثل إندونيسيا حيث نجح الإسلاميون ببناء قوتهم في الشارع عبر الدور المتزايد لنظام التعليم الإسلامي والمتأثر بالوهابية وبالوعاظ الأفغان. الشيء ذاته يصدق على أغلب التفسيرات التي طرحت لهيمنة الفكر الإسلاموي والتي ربطتها بالمدرسة. ما تم إهماله هو سبب قوة المدرسة أمام نظام التعليم الرسمي أو الخاص، أو في هيمنتها وقدرتها الحالية على إنتاج فكر إسلامي راديكالي بينما كانت المدرسة موجودة دوما.

تبدو المدرسة في هذا التفسير استكشافا للطبيعة اللاهوتية للإرهاب، الإرهاب الذي يعلمه الإسلام، دون النظر في واقع هذه المدرسة و أسباب انتشارها والحضور المتزايد لأعداد هائلة إليها واعتمادها كوسيلة مفضلة عن المدارس الأخرى للتعليم، وقدرتها على الإقناع وتقديم إسلامها على انه الإسلام، بينما عجزت عن هذا في مراحل سابقة.

ما يسعى إليه وصف الإرهاب هو بناء مغايرة مطلقة للإرهاب بحيث يصبح من الاستحالة إدراكه عبر مقولات الشرط الإنساني أو التاريخي الذي نشأ فيه، إنما عبر استشفاف هذه المغايرة التامة وتلمسها من خلال إحالتها إلى بنية لاهوتية ثابتة وعابرة للزمن، أو شهوة شريرة للسلطة. الانحراف التام وغير الإنساني لا يعني إلا إلغاء الواقع الاجتماعي وإخراجه من المساءلة لأنه غير قادر على تفسير هذه المغايرة المطلقة. تحليل الواقع الاجتماعي هو الذي يتجنبه وصف الإرهاب في سعيه إلى تقديم المعرفة عن موضوعه.

بمقابل إغفال واقع الإرهابي يسعى الوصف إلى بناء لغة تستعيض عن الواقع ذاته، لغة يتم من خلالها وصف وتقديم الإرهابي كما من خلالها يتم التفكير بالا هاب وإدراكه. لغة – مفردات وعبارات ورموز- تشكل المعنى الذي علينا استدعاؤه إلى الذهن عند ورود الإرهاب أو استخدامها عند الحديث عنه. فالإرهاب جبان (كما سيقول رئيس الوزراء الجزائري بعد عمليات الجزائر) والإرهابيون قتله ومجرمون، ويمكن لحد ما تمييزهم خارجيا عبر لحاهم المطلقة أو شواربهم الحليقة كما من خلال جلابيبهم القصيرة أو أسمائهم الخاصة كأبي مصعب أو أبي مهاجر وغيرها. أو إعادة تأويل كلمات متداولة كما “الله اكبر.

اللغة التي يتم بنائها لمقاربة الارهاب هي الحدود القصوى لتأسيس المعنى الذي علينا النظر عبره للإرهاب، إنها بناء لعالم الذي يتحرك الإرهابي من خلاله.

وصف يتحدث طوال الوقت وما يسعى إليه هو منع الإرهابي من الحديث أو بناء لغته وخطابه الخاص، إسكات الإرهابي مهمة أساسية على وصف الإرهاب وتقديمه أن يقوم بها وأن لا يسمح له بالحديث إلا بمقدار عندما يتطابق حديثه مع الوصف المقدم له. هناك حالتان واضحتان لإسكات الإرهاب أو إنطاقه كما يشتهي واصفه.

الأولى إقصاء الإرهاب وتقديم هذا الإقصاء وإشهاره، إن بغرض المشاهدة أو بغرض تبيان غرابة الارهاب وشذوذه كما في غوانتانامو. الإرهابي يبدو كائنا غريبا وشاذا بثيابه البرتقالية ومجردا من خصائصه الإنسانية ومحولا إلى مجرد موضوع للمراقبة والفحص والتفتيش. العلنية في غوانتانامو هي تقديم الغرابة وتحويل الإرهابي إلى موضوع بشكل مشهدي وتثبيته في الذاكرة.

الحالة الثانية للإسكات هي أن نجعل الإرهابيين أنفسهم يتحدثون اللغة المستخدمة في وصفهم، وربما كون مفردة القاعدة بحد ذاتها ذات دلالة خاصة. فقد بدأ استعمالها من المسؤولين الأميركيين لوصف التنظيم الافتراضي الذي يقوده ابن لادن في حربه على الحضارة وبعد مدة من الزمن أدرك ابن لادن اسم تنظيمه وأصبح هو نفسه يستخدمه، ومن ثم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين أو بلاد المغرب الإسلامي. هنا لا يمنع الإرهابي من الكلام إنما يتكلم يما يتوافق مع وصف الإرهاب، باللغة والمفردات التي تقدم له. قدرة هذا الوصف على بناء العالم الذي يحياه الإرهاب تتعدى في بعض الأحيان الرأي العام لتصل إلى الإرهابيين الذي يعيدون إنتاج هذه اللغة بغرض أن يتواصلوا مع الآخرين انتهوا إلى أن يثبتوا الوصف على أنفسهم.

أما ما يقوله الواقع الذي يحياه الإرهابي وما دفعه إلى هذا السلوك فيبقى مغيبا أو مبعدا. فلا نعرف الكثير عن السير الشخصية لأغلب الذين نفذوا العمليات الانتحارية أو غيرها أو الذين ذهبوا إلى أفغانستان أو انضموا إلى الحركات الإسلامية. ولا يقدم منها إلا ما يمكن تمثيله كسيرة غرائبية أو فانتازية كسيرة المليونير السعودي الذي رحل إلى أفغانستان. لا توجد محاولات لتقديم واقع الحياة لهؤلاء خارج المحاولات الفلسطينية بشكل خاص، والتي سعت لمقاربة هذه السير ولإعادة دمجها بالواقع اليومي للمعاناة واندثار معنى الحياة والرعب المستمر والذي يصل إلى حده الأقصى بفقدان العائلة دفعة واحدة، كما الاستغلال السياسي والصراعات الوجودية التي يحياها الجهادي ويمثل فيلم “الجنة الآن” واحدة من أهم هذه المحاولات لإعادة هؤلاء إلى الأرض، وإدماجهم بالوجود الإنساني.

أن إقصاء الإرهاب وتحويله إلى البربري يحوله إلى موضوع لا يمكن التعامل معه لا عبر السياسة الأمنية، السياسة الوحيدة الممكنة معه والتي تأخذ وظيفة أخلاقية معلنة، استعادة النظام والأمن. إن الإمبراطورية تعيد تأسيس سياستها على أرضية أخلاقية وحقوقية، إنها تناضل باسم الحقوق الطبيعية والحق الأخلاقي في مواجهة هؤلاء البرابرة. الصراع ضد الإرهاب لا يحيل إلى خلافات إنما إلى معركة مستمرة وطويلة (ولكنها خارجية) ضد الشر الإرهابي.

حتى أن السياسة الأمنية قد لا تقتصر وحسب على السياسة العسكرية التقليدية لها، إنما تتوسع إلى إعادة النظر في الأنظمة التعليمية حيث تحل الرقابة والفحص لمضمونها وإنتاج مطابقته للمعايير الأخلاقية التي تشرعها الإمبراطورية. أما ما يتناقض معها فعلى المؤسسات الدولية مكافحته وإلغاؤه. هذه المؤسسات التي تأخذ المسؤولية الأخلاقية لضمان هذا النظام وضمان استمرار معاييره.

إن وصف الإرهاب هو خطاب سلطة يعين الحدود بين ما هو إرهابي وما هو غير ذلك، أي يؤسس موضوعه ويقدمه كحقيقة، ويعرف الإرهابي كبربري وشرير بشكل مطلق -وغير قابل للفهم انطلاقا من التجربة التاريخية التي يندرج في إطارها الإرهاب- حيث يقوم بأبلسته وتحويله إلى خطر داهم ومؤامرة كلية لعقل شرير. بالمقابل فإن هذا الوصف يستبعد أية مناقشة ممكنة وجدية عن الشروط الموضوعية للنظام وتناقضاته، منذ اللحظة التي تؤسس الإرهاب كبنية مغايرة تماما وشاذة، وهكذا تبني السلطة شرعيتها على أساس الوظيفة الأخلاقية لها في محاربة هذا الإرهاب، الحرب تكف عن كونها أمرا مكروها لتغدو واجبا أخلاقيا لإعادة السلم والأمن إلى النظام. إنها حرب شرعية الضرورة.

وصف يقوم على التصنيف والعزل والإقصاء، كما على النسيان وإلغاء مساحات كاملة من التفكير والتهميش.

يبقى الهدف الأهم لهذا الوصف هو الناس العاديون الذين يتم التوجه إليهم، هو لا يعرف وحسب العدو بالنسبة إليهم، إنما يضع المعايير والحدود التي تميز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول، كما يحدد الإطار الذي يمكن التفكير من خلاله والمجال الذي يمكن للأسئلة أن تطرح عبره.

إن وصف الإرهاب يقدم نموذجا عن بناء العدو كما عن بناء الشرعية والمفاهيم الجديدة للحق في ظل النظام الجديد (كتاب “الامبراطورية”- هارت ونيغري).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق