عوالم المتعقلين السابقين في سوريا (3): بورتريهات

الفقرة التالية مخصصة لرسم ملامح مفصلة بعض الشيء لمعتقلين سياسيين سابقين من خلفيات إيديولوجية وتنظيمية مختلفة. الغرض منها تسليط ضوء على ما لا يقبل الاختزال أو التمثيل المجرد: الألم والصراع الإنساني مع شروط عسيرة غالبا، ومختلفة دوما، وبلا دليل دوما. سنرى أنه لا سجين سابقا يشبه سجينا آخر. إن التوثيق الشخصي، وبالصوت والصورة، لأكبر عدد من المعتقلين السابقين، هو فقط ما يمكن أن يحيي تجاربهم ومحنهم.
م. ب
كان طالبا في البكالوريا، عمره 17 عاما، حين اعتقل عام 1980 بتهمة العضوية في “جماعة الإخوان المسلمين”. كان واحدا مع ستة آخرين يكبرونه بسنة واحدة، قرؤوا نشرة “النذير” التي كان يصدرها الإخوان في ذلك الوقت. قضى م. 12 عاما وسبعة أشهر في السجن. كان نال حكما بالإعدام، لكن أعيدت محاكمته لأنه حدِث، فنال حكما بست سنوات سجنا، بينما أعدم زملاؤه الستة. بعد 3 شهور ونصف في حلب (جناح “أمن الدولة” في سجن المسلمية) نقل إلى تدمر، حيث قضى سبع سنوات ونصفا. نقل بعدها إلى سجن صيدنايا قرب دمشق، حيث قضى خمس سنوات إضافية، وأفرج عنه في نهاية عام 1992.

كان ملزما بمراجعة فرع أمن الدولة بحلب كل شهر طوال 3 سنوات (المراجعة الأولى بعد الإفراج عنه بثلاثة أيام). بعد ذلك صارت المراجعة كل 3 أشهر. يقول إن من اعتقلهم الأمن العسكري كانوا ملزمين بمراجعة كل شهرين ثم صارت كل شهر. وكان في كل مرة يوقع على صفحة خاصة به في فرع أمن الدولة بحلب.

عاش مع أسرته، 9 إخوة وأختان والأب والأم، حتى تزوج بعد ثلاث سنوات من الإفراج عنه. منع من السفر لمدة 7 سنوات، كان يجدد طلب جواز سفر أثناءها كل عام، ثم نال جوازا بفضل “واسطة ثقيلة”.

بعد 20 يوما من الإفراج عنه أخذ يتعلم المحاسبة والعمل على الحاسوب، بفضل معارف والده عمل في شركة خاصة محاسبا. كان يساعد عائلته في الدخل. وحين تزوج بعد ثلاث سنوات من الإفراج عنه، كان لديه مبلغ 125 ألف ليرة من ثمار عمله.

م. ب مؤمن معتدل. لم يمارس الجنس أبدا قبل الزواج. كان أحب فتاة بُعيد الإفراج عنه، لكن أمها رفضت مجرد رؤية وجهه حين رغب في خطبتها بسبب سابق اعتقاله. بعد ذلك تزوج من زوجته الحالية منذ عشر سنوات وله اليوم بنتان. وهو يعمل حاليا في شركة خاصة كبرى في دمشق، ولا يراجع أي جهاز أمني. لكنه يقول إنه استثناء.

م.ب استثناء بالفعل. فإذا كان نجا من الإعدام بفضل صغر سنه، فإنه ينجو اليوم من مراجعة أجهزة الأمن بفضل دهائه واتساع علاقاته وحسن تصرفه. وهو اليوم يسافر إلى دول كثيرة من أجل العمل. ويحب مشاهدة الأفلام السينمائية الجيدة. وله أصدقاء علمانيون وشيوعيون، تعرف على بعضهم في السجن وعلى بعضهم خارجه.

يشكو م. أحيانا من نوبات من آلام الظهر في الشتاء، “مردها للتعذيب والضرب الذي تلقيته على ظهري خلال فترة التحقيق وسجن تدمر”، كما يعاني أحيانا من اعتلالات مِعَديّة، لكن صحته جيدة على العموم. ويقول إنه يدين للفترة التي أمضاها في سجن صيدنايا لاستعادة قسط كبير من عافيته النفسية، وللتدرب على العودة إلى الحياة، عن طريق “القراءة و الحوار والاحتكاك اليومي والعميق بشرائح متنوعة من الانتماءات” (جدير بالذكر أن معتقلي سجن تدمر يعتبرون تحويلهم إلى سجون أخرى، مثل عدرا وصيدنايا والمسلمية، “أكثر من نصف إفراج”). يبقى أن اكثر ما يزعج م. أن أجهزة الأمن لا تزال تتعاطى مع المعتقلين السابقين بوصفهم “مواطنين من الدرجة الثانية” أو “رعايا” لها، لا ينبغي لهم الخروج من سطوتها.

· آ.ك
اعتقل آ. ك، الأرمني الأصل، والمنتسب إلى الحزب الشيوعي – المكتب السياسي، عام 1987، وأفرج عنه عام 2000. حكمته محكمة أمن الدولة عام 1994 بـ13 عاما، ومثلها حرمانا من الحقوق المدنية بعد الإفراج عنه، أي تنتهي عام 2013. كان في التاسعة والعشرين عند اعتقاله، وخرج في الثانية والأربعين. كان آ. عازبا، يعمل مساعد مهندس في محافظة الحسكة، شمال شرق سوريا. صديقته تزوجت بعد 8 سنوات من اعتقاله.

بعد خروجه من السجن، تلقى آ. معونة تبلغ 150 ألف ليرة من أهله في سوريا وشقيقته المغتربة في اليمن. هو اليوم لاجئ سياسي في السويد. كان يتعرض لاستدعاءات متكررة من قبل الأجهزة الأمنية في مدينته ولمراقبة مزعجة ومنع من العمل. وقد فاض به الكيل حين استدعي ذات مرة إلى فرع الأمن السياسي في الحسكة. هناك تجرأ على القول للعميد رئيس الفرع[1]خطأ، وعليكم الرحيل، أنت ومن معك، وأن يكون المرجع للمواطنالدستور والمؤسسات لا شلة من اللصوص وقطاع الطرق!” وقف العميد مذهولا حيال هذا التطاول غير المسبوق، ثم انفجر: “والله،سأسلخ جلدك يا كلب!” لكن السجين السابق كان قد تحرر من الخوف: “لا أخاف منك ولا ممن وراءك، لأنني تعودت على التعذيب في سجنتدمر، ولم يبق لكم إلا أن تصفوني جسديا، وهذا أيضا لا يخيفني”! ويبدو أنه أسقط في يد الضابط، فقد وقف يحملق في آ.، قبل أن يلتفت إلى ضابط صغير الرتبة، ويسأله: “ألا ترى معي أن هذا الواقف أمامي مجنون؟!” رد الآخر: “نعم يا سيدي إنه مجنون!” ولا ريب أنهما كانا على حق. فليس غير المجنون يتحدى سلطة قادرة على سحقه كأنه صرصار، دون أن تخشى مساءلة من أحد! كان العميد صريحا كفاية ليعترف للسجين الأعزل:”أتعرف؟ لقد مكثت في هذه المحافظة مدة عشرين عاما، ولم يتجرأ ابن امرأة أن يتكلم معيبالطريقة الذي تتكلم بها أنت!” ووسط حيرته، رفع يده ليضرب آ.، لكنه أسبلها ثانية. ولم يعرف ما يفعل غير أن يطرد آ.، ويتوعده: “سنعرف كيف نربيك يا ..”. لكن آ. رد متحديا لن تراني إلا إذا اعتقلتني. ولم يلبث أن ترك مدينته في أقصى الشمال الشرقي، وأتى إلى دمشق.، “وجودكم [يقصد الأجهزة الأمنية] في هذا البلد.

هناك عمل لمدة 8 شهور عند شخص، يقول آ. إنه خدعه ولم يمنحه أجره رغم أنه هو الذي عرض عليه العمل، ودفعه إلى المجيء إلى دمشق، واستئجار بيت فيها بـ 5000 آلاف ليرة شهريا. حين ضاقت به السبل، واستجابة لنصيحة من أخيه، سافر إلى الأردن المجاور لسوريا ولجأ إلى مفوضية الأمم المتحدة فيها. وهناك أنفق معظم المبلغ الذي تلقاه كمعونة من أهله، فيما اكتفت المفوضية بحمايته من التسفير المحتمل على يد السلطات الأردنية (بسبب إقامته غير الشرعية) وبتمويل تعلمه للغة الانكليزية. كان آ. قد أصيب بارتفاع ضغط الدم في سجن تدمر “نتيجة التعذيب والخوف اليوميالمتواصل”، لكن الإصابة تفاقمت في الأردن، حيث تخلى أخوه عنه أيضا، رغم أنه هو الذي اقترح عليه الذهاب إلى عمان، وكان في وحدته هناك يلقى المؤازرة المعنوية و، إلى حد ما، المادية من شقيقته فقط.

بعد 21 شهرا مرهقة جدا في الأردن، كتب خلالها بضع مقالات في صحف أردنية دون أن ينال عليها أجراً، تمكن من السفر إلى السويد التي كان هاجر إليها أغلب أفراد أسرته، حيث حصل على اللجوء السياسي.

مثل أكثر اللاجئين في البلدان الغربية، يقول آ: “أعيش علىالضمان الاجتماعي. يدفعون أجرة البيت والطبابة والكهرباء، ويعطوني مبلغ 3360 كرونسويدي. أدفع منها تلفون عادي 300 كرون وهاتف خليوي 350 كرون، وإنترنت 220 كرون، وطعام بمبلغ 1000 كرون، والباقي أصرفه على اللبس والسفر. المبلغ يجعلني أعيش بشكلمقبول. أما السويدي فلا يكفيه هذا المبلغ”. ويعلق: “المشكلة أني أشعر بالخجل من ذلك، فهي فينظر السويدي أشبه بالشحاذة المنظمة، لهذا سأبحث عن عمل حتى آكل من عرق جبيني”.

في السويد بدأ آ. يؤلف كتابا يجمع بين الرواية والمذكرات عن السجن. وقد أخذ إجازة من السلطات السويدية المعنية بأمره لمدة عام لينهي الكتاب، وعليه بعد ذلك أن يعود إلى المدرسة أو يبحث عن عمل يعتاش منه. ولا يزال يشكو من ارتفاع ضغط الدم في السويد، رغم الأدوية التييتناولها يوميا.
يتكتم آ. على علاقته بالمرأة. يفضل القول إنه لا يعاني من أي مشكلة مع النساء منذ خروجه من السجنإلى الآن.

· ف. خ
كانت ف. في الرابعة والعشرين عام 1987 حين اعتقلت وزوجها لانتمائهما إلى حزب يساري سوري، حزب العمل الشيوعي. أمضت أربع سنوات، وخرجت “غير مكتملة السعادة”، كما تقول، بسبب بقاء زوجها في السجن لوقت لم يكن ممكنا تقديره. فحين أفرج عنها في نهاية 1991، لم يكون قد أحيل المعتقلون الباقون إلى محكمة أمن الدولة. لن يجري ذلك إلا في نيسان 1992.

عادت ف. لعملها كمعلمة، وأخذت تعويضات عن رواتبها لسنوات اعتقالها الأربعة، وبمساعدة من أهل زوجها اشترت منزلاً صغيراً ليسهم معها في انتظار الزوج الغائب، حسب تعبيرها، وليحقق لها نوعاً من الأمان والاستقرار.

وقد رفضت مرارا الاستجابة لاستدعاءات أجهزة الأمن، ومنعتهم من دخول بيتها. طلبت منهم أن يروها في بيت والدها، وهو ما حصل عدة مرات، قبل أن يتوقفوا.

كانت ف. تزور زوجها ب.ج كل شهر في سجنه. “كنت مرة أعود سعيدة وأمضي شهرا كاملا منتعشة”، ومرة “أعود حزينة بسبب سوء تواصل بيننا، أو نحولا بدا عليه، أو لأن زيارتي إليه تزامنت مع تحويله إلى المشفى”. كان ب. يعالج من حصيات كلوية ومن ارتفاع ضغط الدم. خلال السنوات الأربعة ونصف التي انقضت قبل أن يفرج عن زوجها، تلقت ف. دعما وتفهما وعونا من أهلها. وكان الزوج “رائعاً وإيجابياً ومتعاوناً وهو داخل السجن، سهّل عليّ التعامل مع أية مشكلات كان يمكن أن تحدث مع عائلته”، التي تقول ف. إن تعاملهم معها كان جيداً.

حين خرج زوجها عام 1996 كانت ف. تعتقد أنه طالما كانت سجنت هي ذاتها فإنهما سيتفاهمان دون صعوبة وينجحان في تجاوز أي عائق بينهما. لكن الأمر لم يكن كذلك. “ما حدث”، تقول، “أني كنت بحاجة للتعويض عن سنوات الانتظار والغربة، وهو بحاجة للملمة نفسه والبحث عن عمل بعد أن جرد من حقوقه المدنية وفصل من عمله” (قبل اعتقاله، كان ب. يعمل مهندساً في إحدى شركات القطاع الحكومي). وسرعان ما غدا البحث عن عمل شغله الشاغل دون جدوى. وسرعان ما بدأت المتاعب البحث عن العمل تستهلك قواهما معا. كان ب. بحاجة إلى الاسترخاء، لكنه لم يكن قادرا على الاسترخاء دون عمل. أخذت علاقتهما تتوتر. وتشخص ف. “الأزمة” بينهما بأنها “أزمة تواصل”، فقد كان “كل منا ينتظر أن يرمي تعبه عنه”. “بعد هذا الزمن الطويل، كل منا ينتظر الحب، يبحث عن حبه القديم، ويريد أن نعيشه بقوة”. كانت ف. في الحادية والعشرين و ب. في السابعة والعشرين حين تزوجا دون رضا والديها بعد حب جامح. “كنا متعبين، فأخذت الهوة تكبر بيننا، إلى أن وصلنا إلى حافة الطلاق”. فاقم من ذلك أن ف. خسرت جنينا في الشهر الثالث من الحمل به. هنا، تقول، “أعلنت استسلامي ورغبت بالخروج من حياته. فهذا ليس زوجي الذي انتظرته”. ويشرح الزوج الأمر بالقول إن ف. كانت بحاجة إلى كتف تستند إليه، “وللأسف لم أكن ذاك الكتف. كنت أيضا متعبا، وبحاجة لوقت لأستعيد شيئا من شخصيتي وكياني بالعمل والاندماج بالمجتمع، فأدى ذلك إلى شيء من الإحباط لديها، وإلى إحساس مني بضغطها الشديد عليّ، فحصل ما حصل من تباعد كاد أن يؤدي إلى الطلاق”.

يبدو أن هذه الذروة من “الأزمة”، وابتعادهما عن بعضهما طوال أسبوعين، أسهما في “تفريغ الضغوط” التي عاشاها، حسب ف.، ولم يلبث الحب القديم أن أخذ يستيقظ، وقرر الطرفان، وبتدخل محمود من أسرتيهما، إتاحة فرصة أخرى لنفسهيما. كان عام كامل قد انقضى على خروج ب. من السجن.

في تلك الأثناء حصل ب. على عمل جيد. لكن فرحة العمل والانفراج لم تلبث أن تعكرت بفصل ف. من عملها في التعليم (شباط 1997) دون سبب إلا سابقة اعتقالها. تبين فيما بعد أنها مفصولة منذ قرابة عام ونصف، وأنها لم تبلَّغ قرار فصلها نتيجة خطأ إداري. لكنها هي التي ستدفع ثمن الخطأ. فقد أجبرت على دفع أجورها خلال العام ونصف العام ذاك. وهكذا أعادت المواطنة ف. خ لحكومة بلدها 66 ألف ليرة سورية! تقول ف. “لم يكن يحق لي مراجعة أي كان أو الاعتراض أو حتى فهم سبب الفصل”[2]. حيال هذا الظلم “الأقسى والأصعب” فكرت ف. في الهجرة من البلاد. لكن علاقتها التي تحسنت بثبات مع زوجها ساعدتها على الاحتمال. ظلت عاطلة خمس سنوات قبل أن تحصل على عمل كمعلمة أطفال في مدرسة غير حكومية. تقول: “عوضني هذا العمل عن الظلم الذي أصابني، والطفل الذي فقدته، إضافة لتحسن مستوانا المعيشي”. وحينها فقط “توقفت عن الصراع مع الأطباء في محاولة لإنجاب طفل”. تتواصل ف. مع زميلاتها في السجن. لقد ابتعدت عن النشاط السياسي وتملكها إحساس بلا جدواه، لكنها تشعر أنها يمكن أن تعمل في مجالات تخص حقوق الطفل والمرأة وأسر المعتقلين.

بعد عشر سنوات من خروج زوجها من السجن، تقول ف. لقد “خسرت ما خسرت، ولكني ربحت أحلى زوج ونفسي”. مع ذلك، “أحياناً أسائل نفسي لماذا يزورني حزن عميق يوجع قلبي”.
رغم علاقتهما الممتازة الآن، شكرتني ف. وزوجها لأنني أسهمت في كشف غطاء عن أشياء لم يقولاها لبعضهما (وتتوفر لدي مؤشرات كثيرة على أن أزواجا كثيرين، وكذلك آباء وأبناء، لم يعرفوا، بكل بساطة، كيف يتكلمون مع بعضهم، ولم يشرح أحدهم للآخر ما يريد أو ما يشكو منه).

· ح. ن
قضى ح. ن 15 عاما في السجن بين عام 1986 و2001، بتهمة الانتساب لحزب البعث الموالي للعراق. كان في الثالثة والعشرين وقت اعتقاله، وخرج وهو في الثامنة والثلاثين. أحيل إلى محكمة أمن الدولة عام 1992 ونال حكما بـ15 عاما. السنوات الست الأخيرة منها تقريبا في سجن تدمر. وقد كانت “الأسوأ والأقسى والأكثر مرارة” في السنوات الخمس عشرة. وقد أفرج عنه في تشرين الثاني 2001. وبالطبع لم يتلق أية زيارة من أهله خلال تلك السنوات الستة.

“في طريقي إلى حلب”، يقول ح. متكلما على الساعات التالية للإفراج عنه، “كان السؤال الذي يؤرقني: هل سأجد والدتي على قيد الحياة أم لا؟” بعد لحظات من وصوله في السادسة صباحاً من يوم الأربعاء 14 تشرين الثاني 2001 أدرك أن والدته كانت توفيت قبل ثلاث سنوات.
أمضى الأسبوع الأول يستقبل المهنئين والزوار، محاولا الابتسام ومتظاهرا بالدماثة. كانت سنوات السجن الطوال والقاسية قد عودته على التحمل وابتلاع غصات قلبه.

في عام 2002 أعاد تسجيله في الجامعة التي كان طالبا في سنته الثالثة من دراسة الأدب العربي فيها. وفي 2003 نال ح.، الشاعر المتفوق في آداب العربية، شهادته الجامعية. وفي صيف العام ذاته تزوج. جاء زواجه وسط مصاعب ومشكلات عائلية مع بعض أشقائه، ما ترك آثاراً سلبية عميقة على وضعه المعيشي والنفسي. ترفع ح. عن التحدث عن تفاصيل تلك المشكلات، لكنه يقر أنها ما تزال ترافقه حتى الآن (شباط 2006). كان قد بقي عامين بلا عمل، لكنه امتنع عن طلب العون ممن استولوا على حقوقه.

يرفض ح. لوم أحد غير السلطات، ويعتقد أن “ما يواجهه المعتقل السياسي من صعوبات خارج السجن، والتي تتمثل بحالات التضييق والمساءلة وحجب فرص العمل، إنما هي استمرار للاعتقال، بطريقة أخرى، أي خروج من سجن صغير إلى آخر كبير”.

في ربيع 2004 تحسن حاله قليلا، فأقدم على ما كان يحلم به دوما: “طباعة مجموعة شعرية ضمت معظم القصائد التي كتبتها في المعتقل” على حسابه. كان قد نشر ديوانه الأول قبل اعتقاله بشهور. وهو لا يستطيع إخفاء حسرته العميقة على ما ضاع من قصائد وكتابات داخل سجني المسلمية وعدرا بسبب المصادرات الأمنية والتفتيش المتكرر.

في صيف 2005 تقدم ح. لامتحان مسابقة انتقاء مدرسين، كانت أعلنت عنها وزارة التربية، ونجح في الامتحانين الشفهي و التحريري، وكان اسمه ضمن من قبلوا، وتم إصدار قرار بتعيينهم. وحين حاول استكمال أوراقه، طلبت منه خلاصة سجل عدلي (وثيقة “لا حكم عليه”)، لكنه بالطبع كان محكوما ومحروما من حقوقه المدنية حتى عام 2016. وهو يجزم بأن الجهات الأمنية لم تحجب عنه موافقتها الأمنية المحتومة على أي وظيفة “عند الدولة”، كما يقول السوريون عادة، إلا لأنها تعلم أنه محكوم ومجرد من حقوق المدنية، وأن ذلك يكفي كي لا ينال الوظيفة.

بعد أربع سنوات من خروجه من السجن أصبح ح. أبا لطفلين، يحاول تربيتهما وإعالتهما بإعطاء دروس خصوصية، تؤمن له دخلاً غير منتظم. واليوم تراوده رغبة عارمة للعمل في الشأن الثقافي ومتابعة نشاطه الأدبي، “لكن المؤسسات الثقافية في سورية موبوءة يقوم باغتصابها عدد من المنتفعين”.

لا يتعرض ح. لمضايقات أمنية في بلدته الصغيرة شمال سوريا. وربما يكون لتحلل التنظيم الذي كان ينتمي إليه ضلع في كف الإزعاجات الأمنية عنه.

المعتقلون السابقون الجدد
ينطبق ما سبق على من اعتقلوا أثناء عقد الثمانينات الحزين، والذين أفرج عنهم في عام 1991 وما بعد. معتقلو عهد ما بعد 2000 صنفان: نشطاء علمانيون مثل سجناء “ربيع دمشق” العشرة الذين اعتقلوا في أيلول 2001، ولم يبق منهم اليوم سجينا غير الدكتور عارف دليلة الذي نال حكما بعشر سنوات ينتهي عام 2011. عدا هؤلاء، ربما اعتقل أكثر من عشرة علمانيين آخرين وأفرج عن معظمهم بعد شهور في السجن[3]. الصنف الثاني هم مجموعات إسلامية صغيرة، غير منظمة في كثير من الأحيان. يتعلق الأمر بمئات أو حتى ألوف، حسب تقديرات نشطاء حقوقيين. يحول دون تقدير قريب موثوق لعددهم تكتم أهاليهم الذين يخشون أن ينعكس اهتمام الإعلام والمنظمات الحقوقية بمصيرهم سلبا عليهم، وبالطبع “سرية” السلطة على مألوف عادة النظم الشمولية. ينال هؤلاء أحكاما تتراوح بين عامين وخمسة أعوام عادة، لكن بعضهم حوكموا أمام محاكم ميدانية ونالوا 10-15 عاما. معظم المفرج عنهم في عمر حول الخامسة والعشرين، معنوياتهم على العموم مرتفعة بعد الإفراج عنهم، ولا ريب أن لذلك علاقة بكون قضيتهم “صاعدة” عالميا في اعتقادهم. يميزهم ما كان يميز الشيوعيين قبل بضعة عقود: انفصال عوالمهم عن عوالم آبائهم الذي قد يصل في بعض الحالات إلى تكفير الابن لأبيه. آباؤهم أكثر بساطة وأبعد كثيرا عن التشدد الديني والسياسي. الجامعيون منهم يعودون إلى الجامعة، ونسبة لافتة منهم تشتغل في أعمال يدوية تتطلب جهدا عضليا. يراجع المفرج عنهم الأجهزة مرة كل شهر.

خاتمة
في مطلع خريف 2005 بادرنا، مجموعة من معتقلين سابقين وناشطين حقوقيين، إلى وضع استمارة بعنوان “ذاكرة”، تطلب من المعتقلين السابقين تسجيل معلومات أساسية عن سجنهم وما بعده. تساءلت استمارة “ذاكرة” عن المدة التي قضاها المعتقلون السابقون في السجن، وعن أعمارهم وقت الاعتقال، وعند الإفراج، وعن عملهم، وحياتهم الأسرية، وأوضاعهم الصحية، وتعامل أجهزة الأمن معهم، وحقوقهم المدنية، وحيازتهم أو عدمها لجواز سفر، وما إلى ذلك. وفي ترويسة الاستمارة قيل أن الهدف منها هو تحرير الذاكرة الوطنية من وزر ثقيل، ورواية التجربة من أجل أن لا نكررها مجددا.

كان تجاوب المعنيين بطيئا ومحدودا بصورة مؤلمة. يمتزج في هذا الموقف شعور بعدم الجدوى، وخشية من عواقب أمنية محتملة لنشاط مستقل يقترب من موضوع خطير، عمل النظام كل ما يستطيع لطمسه: الذاكرة. وربما هناك عنصر من عدم الثقة بالأنشطة المرتبطة بحقوق الإنسان التي “أحرقت” سمعتها بسرعة، نتيجة للتنافس غير المشرف بين المجوعات القائمة ولملاحظات وفيرة على السلوك، الشخصي والعام، لرؤسائها وبعض أعضائها. وإلى ذلك، يضاف التسييس أو “التحزيب” المألوف للأنشطة العامة المعارضة في سوريا. إن استخدام تجربة عامة لأغراض حزبية ضيقة ينعكس لدى البعض عدم تعاون، ولدى البعض نفورا من العمل العام.

والحال، لا غني عن جهود توثيقية كبيرة ومكثفة، ومادة وثائقية ضخمة، من أجل أن يمكن الكلام على عوالم السجن وعوالم ما بعد السجن في سورية بدرجة من الجدية. لدينا مادة خام هائلة، لكنها بكماء. إذا تكلمت فإنها ستعطي السوريين وعيا أكبر بشرطهم، وتعرفا أغنى إلى أنفسهم، لكنها أهم من ذلك ستكون أشبه بشهرزاد التي تروي حكاية لا تنتهي مؤجلة الموت يوما بعد يوم. إن رواية حكاية السجن في سوريا، مهما أمكن لها أن تكون مؤلمة، أقل إيلاما من بقائها حبيسة الصدور، تسمم قلوب أصحابها بالحقد والضغينة، وقد تنفجر بصورة بركانية مدمرة إذا ترققت، لسبب ما، طبقات الكبت السياسي فوقها.

[1]علي محسن
[2]ربحت ف. دعوى إدارية على وزارة التربية في مطلع صيف 2006 واستعادت رواتبها بعد أكثر من تسع سنوات على فصلها.
[3] أشرت قبلا إلى اعتقالات جرت بعد كتابة المقال: 7 طلاب جامعيين بتهمة تشكيل منظمة طلابية سرية، علي العبد الله وابنه محمد بتهمة الاعتداء على محكمة أمن الدولة..، معتقلو إعلان دمشق بيروت العشرة الذين بقي منهم المحامي أنور البني والكاتب ميشيل كيلو، إضافة إلى محمود عيسى الذي أعيد اعتقاله بعد أسبوع من الإفراج عنه في تشرين الأول 2006.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق