عوالم المعتقلين السياسيين السابقين في سوريا (1)

عن التحقيق والاعتقال وتجربة “الاستحباس”، عُسرا أو عسرا شديدا…

لم يتسن لأحد من السوريين أن يتناول حياة المعتقلين السياسيين السابقين بعد الإفراج عنهم. تبدو هذه الحياة فاقدة لـ”الندرة” و”الفرادة” اللتين تميزان تجربة السجن، وتجعلان منها جديرة بأن تروى أو تدرس أو يكتب عنها، أن تتناول بوصفها موضوعا جذابا. الواقع أن السجناء السابقين أنفسهم يتكلمون كثيرا عن اعتقالهم والتحقيق معهم وحبسهم وسجونهم، لكنهم لا يكادون يمنحون اهتماما لتناول شروط حياتهم بعد السجن. على أن تجربة السجن ذاتها، ورغم تميزها المضمون، لما تنل ما تستحقه من التناول والدرس في سوريا. ولا تزال التجربة الخام أغني كثيرا مما قيل فيها وعنها. الشرط السياسي الأمني الضاغط سبب أساسي لذلك. ثمة من كتبوا عن السجن ولم ينشروا خوفا. والأرجح أن هناك الكثير مما هو مكتوب، تحول دون نشره الشروط السياسية الأمنية نفسها، لكن كذلك الشروط الكتابية: يعتقد سجناء كثيرون أنهم غير مؤهلين للكتابة عن تجاربهم، لأن مقتضيات “الكتابة الصحيحة” لا تعترف بما قد يكتبون!
غير أنه ليس لنقص تغطية تجربة السجن السورية أن يسوغ انعدام الاهتمام بشروط حياة ما بعد السجن، بل لعل الانكباب على هذه الأخيرة يناسب أن يكون مدخلا وبداية محرضة لتناول السجن والتفكير فيه.
ما زال وضع المعتقل السابق، بعد 15 عاما في بعض الحالات، يترك آثاره على المعني، وما زال يفرده عن غيره، وبالخصوص من جهة نوعية تصرف النظام حياله. من المتوقع أن تكون حيازة معتقل سابق لجواز سفر أصعب من غيره، وحصوله على عمل أعسر من غيره، وإكماله للدارسة ما بعد الجامعية أشد تعذرا. ومن البديهي أنه لن يحظى بأي نوع من المساعدة العامة، الصحية أو النفسية أو الاجتماعية، حتى حين يكون في أمسِّ الحاجة إليها، وكثيرا ما يكون[1]. الواقع أن هناك استثناءات دوما. فطبيعة النظام السياسي والقانوني السوري إنما تقوم على الاستثناء، وبالخصوص لمصلحة المال والقرابة، لكن يبقى أن المعتقلين السياسيين السابقين أكثر تعرضا للوجه الأعنف من نظام الاستثناء، وهم اليوم يشكلون مجتمعا افتراضيا يحظى أقل من غيره بفرص الاستفادة من الاستثناءات الإيجابية.
في ظل الصمت على تجربة ما بعد الخروج من السجن (عدا جانبها الحقوقي، كما سنرى)، وندرة المواد المكتوبة عنها، أجد نفسي في وضع غير ملائم. وقد يدفعني ذلك إلى كتابة إسقاطية، أعني أن أكتب عن المعتقلين السابقين كما لو كانوا جميعا يشبهوني. ليس لدي حل مقنع لهذه المشكلة. فحلها يقتضي مقاومة الموضوع لذات الدارس، أي “اعتراضه” (الموضوع) على ما يقول الدارس، و”احتجاجه” على تمثيله غير “الديمقراطي”. وهذا غير متاح، بفعل ندرة المواد التي تتحدث عن الشرط ما بعد السجني. وهذه، فوق ذلك، ندرة غير متكافئة: فالحصول على معلومات عن سجناء يساريين سابقين أيسر من الحصول على المعلومات عن سجناء إسلاميين أو موالين لـ”بعث العراق”، وتوفير معلومات عن معتقلي موجات عقد الثمانينات التي اعتقلتُ ضمنها أيسر لي من توفير معلومات عن معتقلي ما بعد 2000، إن كانوا من مجموعات إسلامية بالخصوص. هذا بسبب كون كاتب هذه السطور منخرط في عالم اليساريين السابقين الذي اعتقلوا في الثمانينات على العموم وأفرج عنهم في التسعينات أو العامين الأولين من القرن الحالي؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى لأن عالم المعتقلين السابقين الإسلاميين أشد حذرا وانكفاء على نفسه. بالنتيجة ستتكلم هذه الورقة عن سجناء يشبهوني بعض الشيء، فكريا و/أو سياسيا و/أو جيليّاً. وهو ما يعطي صورة مشوهة عن العوالم المدروسة، فكأننا كبّرنا عُشر لوحة عشر مرات بدلا من رؤية اللوحة كاملة.علي أن أضيف أني حرمت نفسي من الاستفادة من بعض المواد المكتوبة والمصورة التي أنجزها أو أنجزت عن معتقلين سابقين أضحوا مشاهير، مثل رياض الترك ورياض سيف… وهم، على كل حال، تكلموا إما عن السجن أو عن السياسة خارج السجن. وكلا الأمرين خارج نطاق هذا التناول.

لمحة عن تاريخ الاعتقال السياسي في سوريا
ارتبط الاعتقال السياسي في سوريا المستقلة بأنظمة الحزب الواحد. فأول موجة كبيرة نسبيا من الاعتقال والتعذيب جرت في عهد الوحدة بين سوريا ومصر 1958-1961 برئاسة جمال عبد الناصر، وكان ضحاياها من الشيوعيين أساسا؛ والموجة الكبيرة الثانية وقعت في العهد البعثي بعد شهور أربعة من الانقلاب البعثي الأول في آذار 1963. في هذه الموجة فتك البعثيون بحلفائهم الناصريين، فأعدموا العشرات منهم وسجنوا المئات. وبلغ بهم الأمر أن حولوا التعذيب إلى متعة[2]. وفي العهد البعثي الثاني، 1966-1970، اعتقل بعثيون موالون للعهد الأول وناصريون وشيوعيون وغيرهم. وحين استولى الرئيس حافظ الأسد على الحكم في سوريا بانقلاب عسكري عام 1970، دشن عهده بموجة اعتقالات جديدة، طالت رفاقه البعثيين الذين انقلب عليهم. بعد ذلك وأثناءه، كانت تقع اعتقالات، يُحوَّل حصادها إلى محاكم استثنائية مثل محكمة أمن الدولة العليا في دمشق أو محاكم ميدانية، حتى لو لم يكن المعتقلون عسكريين. على أن الاعتقال السياسي لم يمس قضية عامة ووطنية في سورية إلا في مطلع ثمانينات القرن العشرين، حين بلغ عدد المعتقلين لأول مرة في تاريخ البلاد الألوف، وناف على العشرة آلاف، ولأن المعتقلين كانوا من خلفيات سياسية وإيديولوجية متنوعة: إسلاميين، شيوعيين، بعثيين موالين للحكم البعثي العراقي المنافس، ومن عامة المواطنين، ممن شاء حظهم المنكود أن يشي بهم أحد المخبرين الذين تجاوز عددهم في عقد الثمانينات عدد المعتقلين السياسيين أضعافا. كذلك لأن الشيء الروتيني وقتذاك كان تعذيب السجناء وعدم تقديمهم لمحاكمة لوقت طويل. ويُعتقد أن ألوفا من معتقلي الإسلاميين قد أعدموا في سجن تدمر الذي كان التعذيب يوميا فيه حتى أواخر تسعينات القرن العشرين[3]. وتتحدث منظمات لحقوق الإنسان عن حوالي 15 ألفا أعدموا هناك، وجلهم من الإسلاميين. ويتعمد أحد مصادري، وقد كان معتقلا في سجن تدمر هو ذاته، الإدلاء بأرقام متحفظة: 15 ألف سجين إسلامي، قتل منهم في سجن تدمر 6000. وهو يلح بشدة على أن تقديراته هذه متحفظة جدا.
لكن مصدرا آخر يقول إن عدد من أفرج عنهم حوالي 6 آلاف، وهو رقم مضبوط تقريبا. ويقدر أن عدد من أعدموا لا يقل، تاليا، عن 10 آلاف. وينسب إلى مصدر ثالث، وصف بأنه “مهووس بالأرقام ويتمتع بذاكرة خارقة”، عدد من أعدموا بـ15 ألفا[4].
كان الاعتقال السياسي جزءا أساسيا من حملة ترويعية، قادتها أجهزة أمنية وميليشياوية، هدفت إلى سحق أي تحد لنظام الرئيس حافظ الأسد الذي قاومه الإسلاميون بالسلاح، واليساريون بالكلام والتعبئة ضده. من عناصر الحملة تلك أيضا، أكثر من مجزرة صغيرة أو كبيرة جرت في حلب ومناطقها، ومناطق إدلب، وسجن تدمر (قتل رشّاً في مهاجعهم قرابة 1000 معتقل إسلامي يوم 26 حزيران 1980، إثر محاولة اغتيال فاشلة للرئيس حافظ الأسد)، وذروتها مذبحة مدينة حماة التي يعتقد أن ما بين 10 و30 ألفا قتلوا فيها إثر تمرد إسلاميين محليين في شباط 1982. من وجوه الحملة تلك أيضا احتلال كثيف لعناصر أمنية وعسكرية وميليشياوية للشوارع والجامعات، وحضورهم البارز في الحياة اليومية لعموم الناس، وانتشار الوشاية و”كتابة التقارير”، والاستدعاءات الأمنية، والاعتداء على السابلة في الشوارع لترهيبهم ونزع فكرة المشاركة في الشأن العام من أذهانهم. نتيجة الحملة تلك كانت استيلاء بالقوة على المجتمع، بعد أن كان انقلاب عام 1970 ضمن لنظام الأسد استيلاء بالقوة على السلطة. وقد غرزت الحملة في جسم النظام عداء ضاريا لكل أشكال الانتظام الاجتماعي المستقل. وبنتيجتها لم يعد في سوريا أحزاب سياسية أو جمعيات أو أنشطة ثقافية أو طلابية، عدا الداجن منها (الجبهة الوطنية التقدمية..). وتدنت نوعية ما هو موجود لغياب المنافسة ودافع تطوير الذات.
في أواخر الثمانينات كان المجتمع السوري قد أنهك تماما. فبفعل حملات اعتقال استنزافية دامت طوال العقد، والاختراق الأمني العميق والخشن للمجتمع، وأزمة اقتصادية حادة في النصف الثاني من العقد، أخذ المجتمع السوري يبسط أطرافه الأربعة مستسلما، بعد أن كان تكوّر على نفسه دفاعا لبعض الوقت في مطلع الثمانينات. كان عقد التسعينات عقدا مريحا للنظام على الصعيد الداخلي. وشهد آخر عام 1991 أول إفراج مهم عن معتقلين إسلاميين وشيوعيين. قالت الجهات الرسمية وقتها إن 2865 قد أفرج عنهم، لكن لا سبيل إلى التحقق من صحة هذه المعلومة. فقد دأبت مجموعات حقوق الإنسان التي تكونت في السنوات الأخيرة على التشكيك في صحة الأرقام التي تعلنها السلطات، علما أن هذه لا ترفق أبدا بقوائم اسمية لمن تقرر الإفراج عنهم. وفي ربيع 1992، حُوِّل 600 شخص إلى محكمة أمن الدولة العليا بدمشق، وكان بينهم كاتب هذه السطور. كان قد انقضى 11 عاما وأربعة أشهر على اعتقالي قبل أن أحال على المحكمة، وأُتَّهم بـ”مناهضة أهداف الثورة” (الانقلاب البعثي الأول في 1963) و”الانتساب لجمعية سرية بهدف قلب نظام الحكم”. كان المحالون للمحكمة ينتمون إلى تنظيمين شيوعيين، وإلى جناح حزب البعث الموالي للحكم العراقي، وعدد صغير منهم إلى تنظيم ناصري وتنظيم بعثي حافظ على ولائه للعهد البعثي الثاني 1966-1970. ولم تكن ثمة قاعدة واضحة لإصدار الأحكام، ولا ضمانة بالإفراج عن المعتقلين بعد إنهاء أحكامهم. فقد قضيت عاما إضافيا فوق السنوات الخمسة عشر التي حكمتني بها محكمة أمن الدولة العليا، بل نقلت إلى سجن تدمر الفظيع مع ثلاثين آخرين تراوحت أحكامهم بين 8 و15 عاما. وكان منهم من أتموا، حتى نفينا إلى تدمر، ما بين 6 و14 عاما.
كان النصف الثاني من التسعينات وحتى عام 2005 زمن الإفراج عمن بقي من السجناء، أي عمن لم يمت ولم يفرج عنه عام 1991. على أن الإفراج عن المعتقلين السياسيين لم يعن في أي يوم من الأيام الإفراج عن السياسة. لقد خرج السجناء إلى مجتمع مذعور ومنكفئ على نفسه، إلى حياة سياسية غائبة. وكانت أحزابهم قد أبيدت سياسيا بالكامل، أو حافظت، بمشقة بالغة، على استمرار رمزي طفيف.

عن التحقيق والسجن
يقدم المعتقل إلى التحقيق فور توقيفه. التعذيب روتيني جدا لانتزاع المعلومات منه. ويتفاوت التعذيب حسب التنظيم: الإسلاميون أشد من الشيوعيين؛ وحسب أهمية الشخص المعتقل والمعلومات المهمة التي يفترض أنه يحوزها. على العموم، كان تعذيب الشيوعيين “هادفا”، يتوقف إذا تم الحصول على المعلومات، أو استطاع المعذَّب إقناع جلاديه بأنه لا يحوز معلومات. فيما هناك عنصر انتقامي قوي في تعذيب الإسلاميين. قتل بعض الشيوعيين تحت التعذيب، لكن الراجح أن قتلهم لم يكن سياسة معتمدة من قبل أجهزة الأمن، فيما كان القتل مألوفا أثناء التحقيق مع الإسلاميين. في الحالين، يتمتع الجلادون ورؤساؤهم بحصانة مطلقة، تمنع عنهم أية مساءلة على ما يقترفونه أثناء التحقيق.
بعد فترة تطول أو تقصر، بين أيام وأسابيع أو شهور، ينتهي التحقيق وينقل المعتقلون إلى السجن، لكن يمكن لبعضهم أن يبقوا شهورا أو سنوات في فروع الأمن، دون أن يكون هنا أيضا ثمة قاعدة مطردة لتفسير بقائهم.تتفاوت شروط الحياة في السجون السورية. في سجن حلب المركزي (المسلمية) الذي قضيت فيه احد عشر عاما وأربعة أشهر، كنا، لبعض الوقت، 26 شخصا، شيوعيا، في مهجع (يسمى أيضا: قاووش) مصمم أصلا لسبعة. بعد شهور، في نيسان 1980 رُحّل الإسلاميون، وكانوا أكثر من أربعة أضعافنا عددا في جناح السياسيين المشترك بيننا في السجن ذاك، رحلوا إلى سجن تدمر، فتوزعنا إلى مهجعين مناصفة.
وطوال عامين وخمسة أشهر لم يكن مسموحا لنا بالخروج إلى باحة السجن. بعدها صرنا “نتنفّس” لمدة ساعة أو ساعة ونصف يوميا. لكن الزيارات كانت متاحة أسبوعيا لكل سجين بعد وقت قصير من تحويله إلى السجن، مدتها عشر دقائق، ويفصل بين السجين وزواره (قرابة الدرجة الأولى حصرا) شبكان حديديان بينهما مسافة 80 سنتمترا. قطعت الزيارة الأسبوعية لمدة شهر في شباط 1982 أثناء مذبحة حماة، وصارت كل أسبوعين في بداية عام 1985، ثم كل شهر مرة بعده بشهور قليلة، وقطعت لمدة عشرين شهرا بين عامي 1988 و1989. وعادت كل شهر بعدها. في سجن عدرا الذي أحيل إليه معتقلو جهاز الأمن السياسي ممن لم يفرج عنهم آخر عام 1991 من أجل أن يحاكموا أمام محكمة أمن الدولة العليا، كانت الزيارة مرتين في الشهر. لكن رئيس المحكمة فايز النوري قطعها على مجموعتنا، 10 من أعضاء الحزب الشيوعي – المكتب السياسي لمدة ثلاثة أشهر، لأننا، فيما يبدو، كنا “طوال الألسنة” أثناء إحدى جلسات محاكمتنا.
بعد عام ونصف من اعتقالنا، في صيف 1982، سمح لنا في سجن حلب المركزي (المسلمية) بإدخال الكتب والمعاجم. ثم توقف الإدخال بعد شهرين لكن لم تسحب الكتب الموجودة بحوزتنا. وقد استفدنا من الفساد ومن المحسوبيات لمضاعفة غلتنا من الكتب، ما اقتضى منا بالطبع الإسهام في شبكة الفساد كلية الإحاطة.كنا متفاوتي الأعمار والتأهيل العلمي ومستوى الحياة. 5 متزوجون من 26 سجينا. الباقون طلاب جامعيون، واثنان فقط تجاوزا الثلاثين دون زواج. معظمنا من الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، صغار البرجوازية حسب ماركس، وبيننا خمسة موظفين وعامل واحد وخريج جامعي واحد، والباقون طلبة.
اذكر هذه المعلومات لأنها تعطي فكرة عن كتلة المعتقلين السياسيين السوريين الإجمالية. المعتقلون الإسلاميون في معظمهم لم يحظوا، ولو بزيارة واحدة، خلال 15 عاما وأكثر. بعضهم لم يعلم أهلوهم إن كانوا أحياء أو أموات حتى اليوم، أو حتى لحظة الإفراج عنهم بعد 15 أو عشرين عاما. وهم ينتمون عموما إلى شريحة اجتماعية أعلى قليلا، سن الزواج لديهم أدنى، وتاليا نسبة المتزوجين أعلى. لكن الشريحة الشبابية عالية في أوساطهم أيضا، بل وأعلى من غيرهم. لم يكن ثمة من اعتقلوا أحداثا دون الثامنة عشر إلا في صفوف الإسلاميين (هناك دوما استثناءات). والمقاتلون من أوساطهم كانوا شبابا بالكامل تقريبا.
هذه كلها معلومات تقديرية، مبنية على الملاحظة والتجربة الحية، لأنه لا تتوفر حتى اللحظة دراسات موثقة.بعد تحويلهم إلى سجن تدمر، أحيل الإسلاميون والبعثيون الموالون للعراق إلى محاكم ميدانية حكمت كثيرين من الإسلاميين بالإعدام، أو بمدد متفاوتة قد تصل إلا الحبس المؤبد. كان المعتقل ينال الحكم بعد جلسة أو اثنتين، بل كان يبلغ الحكم دون أن يحضر أية جلسة أحيانا[5]. لكن لم يكن لأحكام المحاكم قيمة، لأنه يمكن أن يحكم المرء خمس سنوات، ويقضي عشرا أو حتى عشرين عاما[6]. هذا إن لم يمت في ظروف سجن تدمر الوحشية.في عام 1988 جُلب من تدمر إلى سجن صيدنايا، الذي كان افتتح حديثا وقتها، كل من أتموا أحكامهم. بعضهم كان أنهى حكمه منذ عامين مثل م. ب الذي سنتحدث عنه لاحقا. وسيفرج عنهم عشوائيا بدءا من نهاية عام 1991، أي بعد أن كان بعضهم أنهى حكمه بسنوات. بعض “المحكومين بالبراءة” قضوا 13 أو 14 عاما.
السجناء اليساريون ظلوا موقوفين “عرفيا”، أي لا يعرفون متى يفرج عنهم، بل لا يعلمون شيئا عن مصيرهم المحتمل. إن تجريدنا طوال سنين، 11 عاما وأربعة أشهر في حالتي الشخصية وعشرات غيري، من الحق في معرفة المصير، كان يعني عمليا أننا رهائن، مصيرنا تحدده تقلبات أحوال وأمزجة “مختطفينا” الرسميين.
كانت أجهزة الأمن تبلغ الأهالي أن أبناءهم مسؤولون عن بقائهم في الحبس، لأنهم عنيدون أو “يابسو الرؤوس”، ما يعني أنهم يرفضون “التعاون” مع الأجهزة والانضمام إلى جيش الوشاة الإجباري والتطوعي الذي لغّم المجتمع السوري في الثمانينات، وبدرجة أدنى فيما بعد حتى اليوم. وغالبا ما كان الأهالي، الزوجات بخاصة، يمارسون ضغطا على الأبناء والأزواج للتعاون والخروج من السجن، ما يجعل حياة السجين أحيانا بالغة العسر.
حتى أواسط التسعينات كان المعتقل السياسي يخرج أما بـ”واسطة” قوية جدا، وهذا ينطبق على عدد قليل منهم، أو بعد مساومة قاسية تفرض عليه أن ينقلب على نفسه، ويتعاون مع أجهزة الأمن، حتى بعد أن يكون قد نال عقابه “العادل” المفترض. بعد الإحالة إلى محكمة أمن الدولة تغير الأمر، لكن بحدود فقط. خرج البعض دون مساومات، لكن بعد تحذير، وأخضع آخرون لمساومة، ومنهم كاتب هذه السطور. بعد عام 2000، لم يعد المعتقلون اليساريون يخضعون لمساومات. أما الإسلاميون والموالون للبعث العراقي فقد كانوا طوال الوقت، وحتى اليوم، يجبرون على توقيع “عقود إذعان”، تضعهم تحت رحمة أجهزة أمنية لا ترحم.
أخذ الثلج يذوب ببطء شديد عن الحياة السياسية السورية في النصف الثاني من التسعينات، وبالأخص بعد عام 1998 الذي تفاقم فيه مرض حافظ الأسد وشهد الإفراج عن رياض الترك (المعتقل الوحيد الذي لم يقدم إلى محكمة، والذي كان يوصف بأنه سجين لحساب القصر الجمهوري)، وبدرجة أكبر بعد سنة 2000 حين قضى الرجل الذي حكم البلاد 30 عاما. هذا يعني أن عددا كبيرا من المعتقلين السياسيين السوريين خرجوا من سجونهم إلى مجتمع يحكمه النظام نفسه، وقد جعل منه بالفعل سجنا كبيرا. خرجوا إلى مجتمع خائف و”متحجِّب”، ولا تزال تحكمه الأجهزة ذاتها التي اعتقلتهم، وحالة الطوارئ ذاتها التي شرعت اعتقالهم تخيم عليه. خرجوا وقد كبر كل فرد في أسرهم 10 سنوات أو 15 أو 20، أو حتى ثلاثين: عماد شيحا وفارس مراد اللذين أفرج عنهما عام 2004. خلال ذلك غاب بعض أفراد الأسرة، أمهات أو آباء، وربما طلقت الزوجة زوجها السجين، أو تركت الحبيبة رجلها السجين (أو العكس في حالات اقل).

شروط ما بعد السجن
هناك عدد من العوامل التي تحدد كيف يعيش المعتقل السابق بعد الإفراج عنه. أولها، كيف عاش السجن، وهو ما يتحدد بدوره بكيفية تفاعله مع التحقيق، وما يواكبه روتينيا من تعذيب. فالسجين الذي “انهار”، يعاني السجن اكثر من سجين “صمد”، ومن قاد المخابرات إلى أحد رفاقه يحمل شعورا بالذنب قد يكون باهظا خلافا لمن لم يفعل. وثانيها، سنه وحالته العائلية ومستوى الدخل المتاح له. وقْع السجن على الشاب أقل ممن هو أكبر سنا، والعازب أقل من المتزوج، ومن لا أولاد لديه أقل ممن لديه أولاد، والصحيح الجسم أقل من المريض، ومن يتاح له دخل معقول غير من لا يتوفر له مثل هذا الدخل. وكانت حياة التكافل التي يعيشها السجناء في الغالب تعمل على الحد من تأثير هذا العامل الأخير، بنجاح حقيقي أحيانا.
تتحدد كيفية الحياة في السجن أيضا بنوعية السجن ذاته، وما قد يتوفر فيه من أدوات ومرافق، تتيح للسجناء ترويض الوقت، أو حتى فتح صفحة جديدة من حياتهم: وجود الكتب يساعد، وجود أدوات طبخ يساعد، الزيارة الدورية تساعد السجين على طرد الزمن المتراكم داخل السجن وتقريب زمنه الشخصي من زمن حياة أسرته في الخارج وزمن الحياة العامة. ومن البديهي أن شروط حياة المعتقلين الإسلاميين، بصورة خاصة في سجن تدمر، كانت بالغة القسوة، لخلوها بالكامل مما يساعد على تحمل السجن، لكن كذلك لأنها حياة تعذيب يومي وعشوائي طوال قرابة عشرين عاما في بعض الحالات. إن سجونا مثل المسلمية في حلب وعدرا وصيدنايا قرب دمشق تتيح للمعتقل إقامة درجة من التواصل بين حياته قبل السجن وحياته في السجن. وتاليا، يسهل عليه اعتبار السجن مرحلة عضوية من حياته. أما سجن تدمر فيقيم قطيعة جذرية بين الحياة فيه والحياة قبله، لذلك يعتبر زمنا مهدورا في أحسن الأحوال وحسما من العمر في أغلبها السيئ.
على أن المحدد الأهم لكيفية الحياة في السجن، وللحياة بعده، هو المدة التي يقضيها السجين فيه. وقد يبدو للوهلة الأولى أنه كلما طال المقام في السجن ازداد صعوبة. لكن الأمر ليس كذلك دائما. الفترة الأولى تكون قاسية دوما. وهي تستغرق عاما أو عامين أو أكثر، حسب سن السجين (المتزوج والأب تكيفه أصعب بكثير)، وطبعه، وشروط الحياة بما فيها الزيارة الدورية، وكذلك وجود سجناء قبله[7]. بعد السنوات الأولى، قد “يستحبس” السجين ويستوطن السجن، و”يترحرح” بتناسب طردي مع طول المقام في السجن. السجين “المُستحْبِس” شخص يبدو كأنه ولد في السجن فلا يعيش في انتظار دائم لإطلاق سراحه، خلافا لسجين لم يستحبس و لم يقض سنوات سجنه انتظارا ممضا[8]. على أن هذا ينطبق على السجناء الشبان، غير المتزوجين، الذين يتيسر لهم دخل معقول، والذين يمكن لهم أن يفتحوا صفحة جديدة في السجن. لقد بلغت شخصيا أعلى مراحل “الاستحباس” بعد وفاة والدتي عام 1990، وبدرجة أكبر بعد الإفراج عن أخويّ في نهاية عام 1991. لكن لا استحباس في سجن تدمر، إذ لا يمكن للمرء أن يألف التعذيب والخوف اليومي.
العامل المهم جدا أيضا الذي يحدد كيف يعيش السجين في الخارج هو كيفية الإفراج عنه. الفارق النفسي والمعنوي كبير بين من يخرج “موقّعا” على “التعاون” مع أجهزة الأمن، ومن لم يوقع؛ بين من يجبر على زيارة فروع الأمن دوريا وبين من لا يزورها أبدا. معظم السجناء اليساريين لا يزورون فروع الأمن، حتى لو كانوا وقعوا على “التعاون” معها مقابل الإفراج عنهم. بينما الإسلاميون مكرهون على تجرّع مذلة زيارات دورية لها: مرة كل شهر أو شهرين أو ثلاثة. ليس ثمة قاعدة مستقرة. هم، على العموم، تحت رحمة أجهزة اعتباطية تتصرف على هواها. هذا ينطبق حتى على من أفرج عنهم منذ 15 عاما.
الظروف العامة بعد الإفراج عامل مهم أيضا. اليساريون الذين أفرج عنهم بعد عام 2000 خرجوا إلى مجتمع أقل هلعا، وإلى أجهزة أمن أدنى جبروتا، وإلى رفاق لهم يعملون علانية في المجال العام. هذا يرمم معنوياتهم بسرعة ويدمجهم في عالم ما بعد السجن بسرعة أيضا. ويوفر كذلك شبكة من العلاقات والمعونات التي تسهل إعادة تأهيلهم. الإسلاميون أيضا استفادوا من شرط أقل قسوة، وإن بقيت الحواجز المنصوبة دون دخولهم المجال العام مرتفعة كحالها منذ أواخر السبعينات.
تتدخل أيضا عوامل من نوع حالة أسرة السجين بعد خروجه. بالخصوص مستوى الدخل ودرجة تماسك الأسرة وقدرتها على دعم المعتقل خلال فترة بضع الشهور الأولى القاسية، التي يحتاج فيها إلى رعاية خاصة. لا حاجة إلى القول أن المعتقلين السياسيين السوريين لم يتلقوا دعما ماديا أثناء اعتقالهم ولا بعده، لا من النظام الذي ما انفك يعتبرهم أعداء، ولا من أية منظمات دولية. لقد تحملت عشرات ألوف الأسر عبئا باهظا طوال سنوات غياب أبنائها أو معيليها، عبئا معيشيا وأمنيا، إذا لطالما اعتبرت أسر المعتقلين مشبوهة، وتعرض إخوتهم وأخواتهم وأقاربهم لضغوط أمنية متنوعة، تتراوح بين استدعاءات متكررة إلى حجب الموافقات الأمنية عنهم للعمل في إدارات الدولة ومؤسساتها، وبالخصوص التعليم. ولما كانت الدولة هي رب العمل الأساسي، فإن هذا يعني رمي أكثر المعنيين للبطالة. لقد تولت الأسرة السورية وحدها أعباء إعادة تأهيل ألوف المعتقلين المفرج عنهم، جسديا ونفسيا واجتماعيا ومهنيا، وقد كانت مهمة عسيرة، ومستحيلة في بعض الحالات، حين كان العائد من السجن يشكو من مرض عضال في جسمه أو في روحه.
والواقع أن الضغط الذي تمارسه الأسرة السورية على عضوها المعتقل، حين يكون سجينا، أو على أعضائها الآخرين كيلا يتورطوا في عمل عام يورد للاعتقال والسجن، يعكس ما تتعرض له هي ذاتها من ضغط في غيابهم، وحقيقة أنها ستتحمل دون عون احتضانهم ومعالجة آلامهم النفسية والجسدية بعد عودتهم. وهي في الغالب تنجح في ما انتدبت نفسها له، لكن ثمن ذلك هو الحجر على أعضائها سياسيا (كما كان يحجر على مرضى الطاعون في أزمنة سالفة)، والانكفاء على ذاتها، واحتكار حياة أعضائها العامة أو الإشراف على جوانبها كافة.بهذه الطريقة، أي بحرق الأرض الاجتماعية السورية كي لا تنبت عليها أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية مستقلة، استطاع نظام الرئيس حافظ الأسد أن يصادر الحياة السياسية للسوريين ويطردهم من المجال العام. وإلى مجال عام سكنه الخوف، وأجلي عنه عموم السكان، خرج أكثر المعتقلين السياسيين السوريين.


——————————————————————————–

[1] بعد 29 عاما في السجن خرج فارس مراد في 31/1/2004 من السجن مصابا بمرض التهاب الفقار اللاصق الذي يبقه محنى الظهر وضيق النفس لانضغاط رئتيه. ولم تقبل السلطات منحه جواز سفر رغم أنه لا فرصة لعلاجه داخل البلاد.

[2] يتحدث سامي الجندي، وهو من الرعيل البعثي الأول، وكان وزيرا للثقافة والإعلام لبعض الوقت بعد 8 آذار 1963 ثم سفيرا في فرنسا، عن أن “الرفاق” تعودوا حينما يملون رتابة الحياة أن يذهبوا إلى سجن المزة” فتفرش الموائد وتدار الراح ويؤتى بالمتهمين للتحقيق وتبدأ الطقوس الثورية فيفتنون ويبدعون كل يوم رائعة جديدة”. ويضيف” “أظن الدولاب من اكتشافات آذار”، أي الحكم البعثي. والدولاب أداة تعذيب يحشر فيها المعتقل مطويا ويداه مقيدتان خلف ظهره وقدماه مرفوعتان إلى الأعلى بينما ينهال الجلادون على أخمصي رجليه بخيزرانات أو بـ”أكبال”..الجندي: البعث، الطبعة الأولى، دار النهار، بيروت، 1969. ص 132.
[3] قضيت عام 1996كله تقريبا في سجن تدمر، وكان التعذيب عشوائيا من حيث تواتره ومقداره. لكن تعذيب الإسلاميين كان اشد قسوة من تعذيب الشيوعيين. وقال زملائي الذي ظلوا في السجن بعد الإفراج عني إن عام 1998 كان فظيعا عليهم وعلى نزلاء السجن جميعا.
[4] قدرت اللجنة السورية لحقوق الإنسان عدد المفقودين السوريين ب17 ألفا، وقدمت قوائم اسمية بـ 4 آلاف منهم، تمكنتْ من جمع المعلومات عنهم. انظر http://www.shrc.org.uk/data/aspx/d0/2570.aspx، وكذلك رسالة موقع أخبار الشرق thisissyria.net اليومية في 6آذار 2006.
[5] انظر: “خمس دقائق وحسب! تسع سنوات في السجون السورية” لهبة الدباغ. والكاتبة اتهمت بالانتماء لتنظيم الإخوان المسلمين، وقد فقدت أفراد أسرتها جميعا في مذبحة حماة. وتروي أنها أبلغت الحكم في السجن دون أن تحضر أية جلسة. لدي نسخة إلكترونية من الكتاب: http://www.shrc.org.uk/data/aspx/010BOOKS.aspx
[6] نال رضوان.. حكما بالسجن لخمس سنوات وعبد الغني.. بعشر سنوات. بعد انتهاء حكمه حول رضوان إلى جناح السياسيين في سجن حلب المركزي عام 1985، وكذلك عبد الغني عام 1990. وسيفرج عنهما معا في أواخر عام 1991. هذا يعني أن رضوان الذي نال الحكم الأخف عانى من ظروف أصعب، لأنه قضا ست سنوات في جناحنا المحروم من أشياء كثيرة قياسا إلى الجناح الذي كان فيه بين سجناء قضائيين. فيما قضى عبد الغني عاما واحدا معنا قبل الإفراج عنه.
[7] كنا “مؤسسين” للجناح السياسي في سجن المسلمية بحلب، وكان علينا حل عدد كبير من المشكلات والمصاعب تخص تأمين أواني الطعام مثلا وموقد الكاز والفرش التي ننام عليها، وعشرات التفاصيل الأخرى التي شغل توفيرها جميعا أكثر من أربع سنوات؛ من أتوا بعدنا، في النصف الثاني من الثمانينات خصوصا، قدموا في ظروف مناسبة جدا تطرح عليهم تحديات أقل.
[8] كنت اقترحت أن يكون شعار التوقيف العرفي: إعمل لسجنك كأنك مسجون أبدا، واعمل لحريتك كأنك خارج من السجن غدا. مقالي: “عن الحياة والزمن في السجن”. www.rezgar.com//debat/send.art.asp?t=0&aid=20074-8k

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق