عودة إلى خير الدين التونسي

لا شك أنّ خير الدين قد أولى للنخبة اهتماما كبيرا حيث حمّلها المسؤولية الأولى في النهوض بأعباء الإصلاح. فمقدّمة "أقوم المسالك" الجزء الأهمّ من العمل، إنّما هو بيان للنخبة، تلك المؤمنة بالإصلاح وتلك التي ينبغي إقناعها به أيضا. لا يمكن في الظرفية التاريخية التي ظهر فيها المؤلف أن يكون موجّها لغير النخبة بسبب عدم انتشار التعليم من ناحية، وبسبب طابع الاستعجال الذي يفترضه إطلاق مسار الإصلاح في بلاد أثخن فيها الاستبداد وعمّها التخلّف وأحدقت بها التهديدات بسلب السيادة. من هذا المنطلق فإنّ مقدّمة أقوم المسالك إنّما تضع الإصلاح السياسيّ على عاتق نخبة المجتمع بوصفها القادرة على فهم الأزمة التي تردّى إليها القطر بل وكامل دولة الخلافة، وهي التي بحكم موقعها من الجهاز السياسي والثقافي القادرة أيضا على إنجاح المسار الإصلاحي أو إفشاله. هذه النخبة تنقسم إلى فرعين : نخبة مملوكية تضاف إليها بعض العناصر المحلّية تمسك بأهمّ مقاليد الإدارة، ونخبة مثقّفة ثقافة تقليدية تمسك بالوظائف التعليمية والدينية وتحتلّ في المخيال الجمعيّ قيمة معنوية كبيرة، حيث تصوغ الوعي وتحتكر الفضاء الرمزيّ. يدعو خير الدين بوضوح إلى اتّحاد قسمي النخبة المذكورين في بوتقة واحدة عن طريق تشجيع النخبة التعليمية والدينية إلى اقتحام الفضاء السياسي بتقديم المشورة لرجال الحكم والتقريب بين أحكام الشرع والممارسة العمومية، ذلك أنّ التزامها إنما هو في صلب دورها الديني كفئة مؤتمنة على مصالح المسلمين.

هناك حاجة للاجتهاد في أحكام الشريعة وملاءمتها مع حاجات الإصلاح لا يمكن لغير النخبة الدينية والتعليمية أن توفّرها، ذلك ما فهمه خير الدين وسعى إليه من خلال نصه المعروف، حيث كان يعرف بحكم التجربة أنّ فشل الإصلاح أو نجاحه إنّما يتوقّفان على موقف الفئات المحافظة، إن على المستوى السياسي أو على المستوى الديني، وأنّ النخبة الإصلاحية بسبب هامشيتها الواقعية إنما تحتاج لإنجاز تحالف مع تلك الفئات كمقدمة لتطبيق أفكارها في النهوض.

يمكن اعتبار مقدّمة "أقوم المسالك" خلاصة فكر نخبة انتمى إليها خير الدين واشتركت معه في تبنّي أفكار الإصلاح السياسي، وهي نخبة تونسية ومملوكية، عصرية وتقليدية، شكلت أهمّ سند للرجل في مسيرته الإصلاحية. يمكن النظر إلى ذلك من خلال ملاحظة اشتراك خير الدين مع أحمد بن أبي الضياف في تبنّي ذات الأفكار، كما يمكن النظر في المغزى الذي يحمله اشتراك الشيخ سالم بوحاجب (أو محمد السنوسي مدير "الرائد") في تحرير هذا النص أو مراجعته،(1) وأيضا في درجة التزام المملوك حسين بتطبيق الإصلاح ومعاضدته. من هذا المنطلق فإنّ مقدّمة "أقوم المسالك" تعتبر بيانا سياسيا لنخبة ضيقة ولكنها متنوّعة الجذور، وليست مجرّد وثيقة فردية، وهو في نظرنا ما يعطيها جزءا معتبرا من قيمتها كنص مؤسس للفكر الإصلاحي التونسي الحديث.

شيئا فشيئا يبتعد خير الدين عن اعتبار العمل الإصلاحي المنجز نتاج مجهود جماعي، بل إنّه يذهب في مذكّراته، وخاصة في الجزء الذي توجّه فيه بالخطاب إلى أفراد أسرته، إلى القول، ملخّصا ما آل إليه عمله بالإيالة: "مهما تكن سعادتي بالازدهار الذي نتج عن خدمتي لوطني بالتبنّي، فإنّ مستقبله لا ينفكّ يشكل مصدر قلق لي. ذلك أنّ الازدهار الذي نجحت في تحقيقه للبلاد لم يكن سوى نتاج لمجهودي الشخصي، وإنني أخشى سقوطها مجدّدا  في نفس الفوضى ونفس التجاوزات الماضية عندما أغادرها" (2).

بعيدا عن اعتبار هذه الخلاصة انعكاسا لذات نرجسية مغترّة (3) وإن كانت تلك سمة غالبة على كبار المصلحين في مرحلة معيّنة من مسيرتهم السياسية، فإنّ الأمر يمكن تفسيره من ناحية أخرى بانفراط عقد النخبة التي كان يفترض بخير الدين أن يمثّلها ويحقّق رؤاها الإصلاحية. تشير بعض العبارات المضمّنة في مراسلات خير الدين الخاصة إلى حالة الريبة التي أصبحت تسود علاقاته بعناصر النخبة الإصلاحية، متّهما إياهم وخاصة محمد بيرم الخامس والجنرال حسين بالعمل ضدّه والمساهمة في سقوطه من الوزارة الكبرى (4) بل وبالولاء لمصطفي بن إسماعيل لاحقا (5).

من المفيد هنا أن نتعرّض لعلاقة خير الدين بالطبقة الإثنية والسياسية والاجتماعية التي جاء منها، ذلك أنّ انتماء الرجل لأفق الفكر الإصلاحي لا يجب أن يحجب عن المؤرّخ المعنيّ بالمدى الطويل تأثير ذلك الانتماء إلى مسيرة شخصية محورية مثل خير الدين اضطلع بأخطر المهام السياسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وخلال أصعب السنوات التي مرّت بها البلاد التونسية قبل انتصاب نظام الحماية الفرنسية. يغفل كثير من الدارسين التعرّض لهذا الجانب والإسهاب في انعكاساته على الرجل ومسيرته، وكأنهم يفترضون أن الانتماء إلى أفق فكريّ معيّن يحرّر الفرد من روابط انتمائه العميقة.

ينتمي خير الدين إلى فئة المماليك التي استأثرت تحت حكم الحسينيين بأرفع المناصب السياسية والإدارية وشكّلت نخبة مغلقة ومتجهة نحو التهرّم منذ إلغاء الرقّ في البلاد. وداخل فئة المماليك هذه انتمى خير الدين إلى فئة المماليك الشراكسة المتميّزة والضيّقة التي كانت نخبة المجتمع المملوكي بتونس، وهي فئة متأوربة ووفيّة في الآن نفسه للباي الذي وضع في عناصرها كلّ ثقته، وللسلطان الذي تشرّبت الولاء له أثناء صباها. يذكر صميدة وكذلك فان كريكن في دراستيهما حول خير الدين التونسي أنّ هذه الفئة كانت قد انحسرت إلى حدّ كبير ولكن دون أن يؤثّر ذلك على نوعية حضورها في مؤسّسات الدولة العليا والوسيطة. يبدو أنّ هذه الفئة كانت واعية بذاتها كطغمة متميّزة عن غيرها من فئات المجتمع المحلي، ذلك أنّ الوعي بالانتماء يزيد قوة مع حضور التهديد بالاندثار الديمغرافي والشعور بتوثّب الفئات الأخرى لنيل نصيبها من السلطة.

عندما أكّد خير الدين فكرة أنّ إصلاح الإدارة هو مفتاح النهوض، بالنظر إلى أنّ شيوع الفساد الإداري هو المعرقل الحقيقي لمسار النهوض، فإنه كان يعني أيضا إنقاذ فئته الاجتماعية وسلطتها على الدولة والمجتمع، عن طريق عملية تجديد في الممارسة : نقل هذه الفئة من فئة إقطاعية تقليدية في خدمة الباي، وليّ نعمتها، إلى فئة مسؤولة أمام المؤسسات الجديدة التي كان يفترض بالإصلاح أن ينشئها. لعل ذلك يفسر إلى حدّ ما إصرار خير الدين على حسم مسؤولية الوزراء أمام المجلس الكبير واقتطاع جزء معتبر من سلطة الباي التنفيذية، وهو نفس المشروع الذي حاول تطبيقه لاحقا في إسطمبول دون كبير نجاح. كانت المعارضة لهذا المسار متأتّية من جهات مختلفة: من ممثّلي المؤسسة الدينية التي اعتبرت أنّ في ذلك حدّا من سلطات الأمير/الخليفة، ومن المماليك المتنفذين الذين عارضوا هذا المسار لأنه يضعهم مباشرة تحت سيف المراقبة ويحرمهم من ادّعاء تنفيذ سياسة الأمير، مع ما يعنيه ذلك من التغطية على الفساد الممارس على نطاق واسع.

ولكن رغم إقرار خير الدين بفساد الطبقة الإدارية إلا أنه لم يجر أية تغييرات على تركيبتها ووظائفها في الوزارات التي تسلم مهامها طيلة مسيرته السياسية، وهو أمر يدعو إلى التساؤل عن مدى تطابق الدعوات إلى إصلاح الإدارة وتطهيرها من الفاسدين مع حقيقة ما أنجز على أرض الواقع (6). رغم ذلك فقد كان ينظر إلى خير الدين، في بعض أوساط النخبة محلّية المولد، كممثل ليس لطبقة المماليك وإنما لفكرة التونسة. في معرض حديثه عن استعفاء خير الدين من وزارة البحر ومن رئاسة المجلس الأكبر، يذكر أحمد بن أبي الضياف ردود الفعل السلبية التي عمّت "العقلاء من أهل الإيالة، لأنه لم يكن عن سبب ظاهر في السنّ ولا في البدن، إذ هو في أطيب أوقات الشباب". كان خير الدين يتصرّف بطريقة فردية ممّا يجعل الحديث عن نخبة إصلاحية متجانسة ومتناغمة في مسار إصلاحي واضح أمرا شديد النسبية. رغم ذلك فقد كان "العقلاء من أهل الإيالة"، ونحسب أن ابن أبي الضياف إنما كان يعني بذلك النخبة المحلية، يعتبرون وجوده على رأس وزارة البحر والمجلس الأكبر مكسبا كبيرا. من الغريب أنّ خلفه في رئاسة المجلس الأكبر، الذي لم يكن سوى صهر خير الدين منذ 1862، مصطفى خزندار، قد عيّن ثلاثة كواهي لنيابته في المنصب، جميعهم من "أبناء المملكة ولادة" (7)، مع ما كان يعرف من عدم تحمّسه لتونسة مناصب الدولة. نجد نفس المعنى في تعليق ابن أبي الضياف على تركيبة العشرين رجلا المنتخبين من موظفي الدولة أعضاء المجلس الكبير الذين لم يكن منهم سوى ثلاثة من أبناء المملكة ولادة، وعدّ ذلك من "غريب الاتفاق" (8) غير أنه لا يرجع الأمر فقط إلى رغبة في غلق المؤسسات الجديدة أمام التونسيين بل أيضا إلى تهرّب العلماء من المشاركة فيها، ملقيا باللائمة عليهم في ذلك، مثلما فعل خير الدين. كما نجده في التعابير القاسية التي وصف بها صاحب الإتحاف أتراك الجزائر، وربما كان المقصود بذلك مماليك الإيالة. غير أن ابن أبي الضياف كان يعتبر خير الدين تونسيّا، ومن هنا ترحيبه بتعيينه في الوزارة الكبرى.

كان خير الدين المتابع للتحولات السياسية والاجتماعية بأوروبا، من خلال رحلاته في مهام عديدة، وكذلك من خلال إدمانه مطالعة صحافتها وكتابها، واعيا بأنّ إنقاذ الفئة/الطبقة يفترض حتما التزامها بأفكار الإصلاح التي يفترض أن تنقذ البلاد من السقوط تحت الهيمنة الأجنبية، في الوقت نفسه. تشير مؤشرات عديدة إلى ميل خير الدين للأفكار الليبرالية، هذا الأمر يفسّر إلى حدّ كبير طبيعة الإصلاحات التي اقترحها بوصفها إصلاحات تدخل على إدارة الإيالة جرعة من التحرّر تحدّ من الفساد داخلها وتنقلها بالتدريج إلى نمط مشابه للملكيات الدستورية الأوروبية وتنقذ في ذات الوقت الطبقة الإقطاعية المتأزمة.

نجد من أهمّ الإصلاحات التي قام بها خير الدين قانون الفلاحة، وقد جاء هذا القانون في سياق محاولة الرجل إصلاح الوضع الاقتصادي للإيالة عن طريق ترسيخ ارتباط "الخمّاس" بها وبمالكها. على المستوى الاقتصادي اتسمت سياسة الوزير الأكبر بطابع المحافظة، حيث هدفت كلّ إصلاحاته في هذا الاتّجاه إلى ترسيخ نفوذ الطبقة المسيطرة على الاقتصاد، اعتقادا في أنّ نهوض البلاد يمرّ عبر توفير الظروف الملائمة لهذه الطبقة حتى يمكن الزيادة في الإنتاج. لم تكن لدى خير الدين نظرية اقتصادية لإسناد الإصلاح، مع ذلك يمكن القول إنّ الإجراءات التي اتّخذها كانت تنطلق في ذات الوقت من حرصه على مصالح الفئة المسيطرة وعلى مصالح الدولة الاقتصادية العليا أيضا (9).هنا أيضا تصرف خير الدين كرجل دولة وكمنتم إلى طبقة معينة تحتل أعلى الهرم الاجتماعي، وهي فئة كبار الملاكين(10). عند تفريطه في أملاكه للفرنسيين بالبيع، وخاصة هنشير النفيضة الذي يمسح 100 ألف هكتار للشركة المرسيلية للقرض، تصرّف خير الدين كملاك كبير كان يسعى لتأمين مستقبل مريح لأسرته وحفظ أملاكه من جور الباي وبطانته. الغريب أنه عندما وقع توجيه اللوم له على هذا التصرّف، خاصة من قبل حسين، كتب أنّ مصطفي بن اسماعيل، الذي كان يعتبره رمز الفساد، يفعل الشيء نفسه ببيع أملاك أشسع للأوروبيين(11). كانت هذه المقارنة لوحدها معبرة عن تأرجح الرجل بين انتماءين.

لم يكن بوسع خير الدين رغم إيمانه المطلق بالإصلاح أن يتحرر من انتمائه التاريخي لفئته الاجتماعية، وإنّ عدم الإقرار بذلك ينطلق في نظرنا من نظرة تجزيئية للظاهرة. هنا لا ينبغي في نظرنا الحديث عن تناقض بين الانتمائين بل عن وضعية معقّدة تتداخل فيها عوامل عديدة. فمن زاوية تاريخية موضوعية بحتة لم يكن بوسع غير الفئة الاجتماعية التي انتمى إليها خير الدين أن تقود عملية الإصلاح، تلك الفئة التي رأت في مرحلة ما أن حفظها يمرّ عبر إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والسير في طريق النهوض بالبلاد في ظرفية بلغت فيها الأزمة أقصاها. كانت النخبة العصرية المنتمية إلى الفضاء المملوكي والتي شكل خير الدين وحسين خاصة عمادها، والتي تشاركت أفكارها مع مجموعة من المصلحين المحليين هي المؤتمنة على أي مشروع إصلاح حقيقي بحكم ثقافتها المنفتحة ووضعيتها من الهرم الاجتماعي والإداري.
 

الهوامش:
1- صميدة، المنجي، خير الدين الوزير المصلح، (بالفرنسية)، الدار التونسية للنشر، ص 61.

Smida, Mongi, Khereddine ministre réformateur, MTE, 1971.

2- مزالي (محمد صالح) وبينيون (جان): خير الدين رجل الدولة، (بالفرنسية)، الدار التونسية للنشر،1971، الجزء الأول، مذكرات، ص 39.

Mzali (M-S) et Pignon (J) : Khereddine homme d’Etat, MTE 1971, tome 1, mémoires,

3 – أنظر الإنطباعت عن شخصيته "الصلبة" ومزاجه  الحاد في شهادات المعاصرين، صميدة ، مرجع سابق ص 52.

4 – فان كريكن، خير الدين وتونس (1850-1881)، (بالفرنسية)، ليدن، 1976، ص 276.

Van Krieken, Khayral-Din et la Tunisie (1850-1881), Leiden, 1976.

5 – – فان كريكن، ص  280

6 – – فان كريكن، 169-168.

7 – – أحمد بن أبي الضياف، الإتحاف، الدار التونسية للنشر 1990، ج 5، ص 110.

8 – – نفس المصدر ج5، ص 44.

9 – – لتفصيل النظر في هذه السياسة أنظر صميدة، ص 194 وما تلاها.

10 – – أنظر ثبت أملاكه في بينيون ص 46.

11 – – بينيون ص 47.

عدنان المنصر : مؤرخ وجامعي من تونس.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This