عودة إلى كتاب “مقدمة في التاريخ الآخر”: نحو قراءة جديدة في نشأة الإسلام

تظهر حاليا دراسات جديدة (1) تعيد النظر في نشأة الإسلام انطلاقا من المعطيات الأثرية والبحوث الحديثة التي تناولت الإسلام المبكر، دون الاعتماد على الرواية الإسلامية للتارخ تلك الحقبة، بسبب من الالتباسات الكثيرة والقضايا الغامضة وغير المفهومة التي تلابس الرواية الإسلامية.

ضمن هذه الطريق الجديدة التي تشقها هذه الدراسات التي تتعامل مع الرواية الإسلامية كنص أسطوري لا يُركن إليه، يبدو عمل الراحل سليمان بشير المعنون بـ”مقدمة في تاريخ الآخر، نحو قراءة جديدة للرواية الإسلامية”، والذي نشر في القدس عام 1984 (2)، عملا بالغاالأهمية وسباقا في مجال دراسات هذه التاريخية النقدية، فهو قد افتتح طريقا لم يسلكها أحد بعده من العرب.

وإضافة إلى الخشية من الإهمال الذي قد يتعرض له عمل بشير وخاصة مع الأسبقية التي يحوزها دوما الوافد الغربي إلينا، فإن هناك سببا آخر لأهمية التعريف بعمل بشير مقارنة بعمل الآخرين. فبشير لا يتجاوز الرواية الإسلامية كما سيفعل بوب،أو كرونه وكوك في عملهما “الهاجريون”، بل سيعمد إلى استكشاف الجذر التاريخي الذي تستند إليه الرواية الإسلامية، والتي تشكل في النهاية المصدر الوحيد الذي يروي لنا بداية الإسلام، بغياب أية وثائق خارجية.

نقد الرواية، وهو المقدمة لأي “تاريخ آخر” كما سيعنون بشير كتابه، هو الخطوة التي ينجزها بشير في مؤلفه هذت، وهذه الخطوة هي مصدر أهمية عمل بشير والأرضية التي سيبني عليها نتائجه، وإن لم يحاول تقديم رواية متكاملة لما حصل على العكس من عمل بوب (والآخرون الذين اشتركوا معه) وكرونه/كوك، إلا أنه يمكننا بناء هذه الصورة عبر نتائجه ومقارنتها مع عمل بوب بشكل أساسي.

فلنبدأ بعرض عمل بشير.
إن إشكالية تاريخ الفترة الأولى من الإسلام تعود لغياب أية أدلة على وجوده قبل فترة عبد الملك بن مروان، بل أن أول الأدلة التي تشير إلى وجود القرآن تعود إلى الربع الأخير من القرن الهجري الأول. مع هذا الغياب تبدو الرواية الإسلامية كمصدر وحيد برغم ما تعانيه من إشكاليات متعددة، فتواريخها مضطربة إلى درجة كبيرة حتى أن المرء يعجز عن إيجاد تاريخ متفق عليه بين مختلف الروايات.

يبدو هذا جليا في قضية مثل عملية جمع القرآن التي تنسب إلى عثمان بن عفان، إلا أنه توجد روايات أخرى تنسبها إلى أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب، في حين تتحدث روايات أخرى عن عمليات جمع تمت على عهد محمد نفسه. أما الرواية الشيعية فتعطي لعلي بن أبي طالب دورا مميزا في هذا الأمر، بل يصل الاضطراب إلى الحجّاج الذي قام بتنقيط القرآن، وربما بجمعه وتحقيقه كما أشار إلى ذلك الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث في مراسلاته مع عمر بن عبد العزيز، وكيف قام الحجاج بإتلاف “كتابات المهاجرين” و”إنه جمع كل كتاباتكم القديمة وألف أخرى حسب ميوله ووزعها على أمتك في كل مكان…. ولم ينج من هذه الإبادة سوى القليل من أعمال أبي تراب لأنه لم يستطع القضاء عليها كليا”.

بل يتعلق هذا التضارب بالرسول نفسه، بين روايات ثبّتت أميته وأخرى تجعله يتقن السريانية التي علمه إياها جبريل. فضلا عن إننا لا نعرف بشكل دقيق عدد أبنائه ولا حتى سنة ميلاده أو وفاته.

وتلك هي أيضا حال الروايات التي تتناول نسب الرسول، فهي مضطربة بشكل كبير على العكس من الرواية السائدة والتي تجعله ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، مما دفع بعض إلى اعتباره مجهول النسب. بل أن هناك رواية تُنسب إلى عمر أنه سأله “يا رسول الله مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: كانت لغة إسماعيل درست فجاء جبريل فحفظتها”.

كما أن هناك أحاديث تروى عن الرسول تناسب فترات لاحقة، كما في حديث عبد الله بن عمر “القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدا وإليه يعود”، وكذلك الحال مع الآيات القرآنية، مثل الآية 33 من سورة الإسراء “وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا” والتي تنطبق على قتل عثمان، أو الآية 55 من سورة النور”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ” في مسألة الخلافة.

إن نشوء الرواية التاريخية استند إلى الحاجة الدينية مقدما، كما في علم تفسير القرآن (أسباب النزول) حيث سعت الرواية إلى إعطاء الآيات القرآنية مضمونا تاريخيا عبر ربطها بأحداث معينة أو شخصيات، يضاف إليها الحاجة إلى ضبط الإسناد وتوحيده مع ازدياد ظاهرة الحديث عن الرسول والتي ازدادت بكثرة في نهاية العصر الأموي وبداية العباسي (القرن الثاني للهجرة)، على العكس مما سبق حيث كان الحسن البصري يروي دون إسناد.

هذه الرواية –إضافة إلى أسباب أخرى سنأتي عليها- هي التي أعطت المأثور الإسلامي إطاره التاريخي والذي يبدو أنه هو المشكلة برغم محاولات عقلتنه.

إن الإطار التاريخي الذي يبدو أنه يناسب الأحداث هو إطار متأخر عن الإطار الذي تتحرك الرواية الإسلامية ضمنه وهو منتصف القرن الهجري الأول، أي فترة الحرب الأهلية الثانية والتي دارت أحداثها بين المختار الثقفي وعبد الله بن الزبير وعبد الملك بن مروان.

فالتقاطعات بين أحداث الرواية السائدة لهذه الفترة والأحداث اللاحقة، كما بين شخصيات الفترتين، كبيرة ومهمة.

تبدو شخصية الرسول وكأنها بنيت على أساس من شخصية محمد بن الحنفية، فكلاهما كني بابي القاسم، برغم نهي الرسول عن أن يجتمع اسمه وكنيته لأحد من بعده، إلا أن الرواية تجد مخرجا في رخصة حصل عليها علي لابنه، وكلاهما لديه ابنة تدعى فاطمة وكنيتها (أم أبيها).

ومن أوجه الشبه الأخرى بين الشخصيتين الحصار الذي ضربه ابن الزبير على محمد بن الحنفية وأهله من بني هاشم بعد رفضه مبايعته، فأرسل المختار “الخشبية” لفك الحصار وفيها صدى لأقوال الرسول ونهيه عن حمل السلاح، وهناك مرويات عن أن الحصار دام ثلاث سنوات.

بعد مقتل المختار يهاجر ابن الحنفية باتجاه آيلة شمالا، وفي رواية أخرى انه هاجر بعد ذهابه إلى الطائف مع ابن العباس، وهنا يدخل عبد الملك مسرح الأحداث ويسمح لابن الحنفية بالدخول إلى أراضيه، فيهاجر إليه بسبعة آلاف ولكن في الطريق لا يبقى منهم إلا 900 في تشابه بيّن مع مسيرة الرسول إلى تبوك والآيات القرآنية التي تتحدث عن المتخلفين.

وعندما حاول ابن الحنفية الحج إلى مكة منعه ابن الزبير (كما منعت قريش محمدا) ولكنه وبعد فتح الحجاج لمكة بسنتين قام بالحج وبعده بثلاثة أشهر مات، وهو ما يتشابه مع سيرة الرسول والذي حج حجة الوداع بعد سنتين من الفتح وتوفي بعدها بثلاثة أشهر.

كما أن العلاقة بين محمد وأبي سفيان عشية فتح مكة تتشابه مع العلاقة التي ربطت كلا من عبد الملك بن مروان ومحمد بن الحنفية.

وهناك أيضا أوجه شبه تربط بين الرسول محمد ومحمد آخر هو محمد النفس الزكية.

وهذا هو أيضا حال عمر بن الخطاب والذي يبدو أن القصص التي وردت عنه اختلطت بروايات لأشخاص آخرين، كما مع عبد الملك بن مروان فيما يتعلق بتعريب الدواوين أو ضرب السكة أو مع شخصية ابن الزبير في توسيعه للكعبة أو الدور المنسوب لعمر في محاولة تقويض صلح الحديبية والذي ربما يشبه هنا ابن الزبير، أو حتى مع عمر بن عبد العزيز.

أما موقف الزبير من علي حيث بايعه أول الأمر ثم عاد وحاربه في موقعة الجمل فهو يشابه سلوك ابنه فيما بعد تجاه محمد بن الحنفية وزين العابدين، حيث أيد أولا الحق العلوي ثم عاد ليطالب محمد بن الحنفية بمبايعته.

أما معركة الأحزاب فتبدو وكأنها إعادة صياغة لمعركة الحرة التي شنها يزيد ضد المدينة، فالمدافعون عن المدينة تحصنوا في خندق الرسول ويزيد رآها ثأرا لأهله الذين قتلوا على يد أهل المدينة، وكذلك فيما يخص الطابع السري للدعوة الإسلامية في بدايتها. ففي قصة إسلام أبي ذر يبدو أن اسم الرسول ومكانه كانا غير معلومين، وهي تعكس أجواء الحركات الشيعية السرية في العهد الأموي.

أما فيما يتعلق بروايات فتح مكة (وقد يكون الفتح الفعلي هو القضاء على ابن الزبير) فهي تبدو غامضة ويحضر فيها أطراف ثلاثة، الرسول وأبو سفيان والقرشيون، و يظهر الأخيرون وكأنهم مختلفون عن أبي سفيان، زعيمهم المفترض، الذي فاوض النبي.

وبعد الفتح تسلم الأمويون كافة مقاليد الدولة الإسلامية، وشكلوا هم وحلفاؤهم قادة ألوية الجيوش التي حاربت القبائل المرتدة والتي كان من ضمنها قبائل مسيحية، مما يناقض الصورة التي تقدمهم فيها الرواية الرسمية كمهزومين. بل أن حروب الردة والتجهيز الذي سبقها والأعداد التي خاضتها تجعلها غير مناسبة للفترة التي تتحدث عنها بل أقرب إلى أجواء احتلال منظم قام به الأمويون في الشام للحجاز وإخضاع القبائل العربية، بعد قضائهم على ابن الزبير.

إن الرواية الإسلامية، وقد كتبت في العصر العباسي الأول، قامت بإضافة الفترة الراشدية إلى التاريخ الإسلامي من أجل الانتقاص من شرعية الحكم الأموي ومنجزاته في مجال الفتوحات وجمع القرآن وغيرها، عبر إيجاد حيز تاريخي يمكن أن توضع فيه هذه المنجزات وهو ما تم بإضافة فترة الخلفاء الراشدين الأربعة، وربما وبشكل خاص تشير موافقات عمر إلى التعديلات التي أدخلها الأمويون على الصلاة وعبادات ومسائل تشريعية أخرى. وحشر الفترة الراشدية بشكل قسري بين الرسول من جهة والأمويين من جهة أخرى كان هو السبب في أكثر الظواهر اضطرابا. وهكذا علينا أن نعيد قراءة الأحداث ضمن إطار تاريخي مغاير للذي تقدمه الرواية السائدة، وان يكن معكوسا بشكل ما ضمن أحداثها.

فالخلفاء الراشدون ربما عاشوا في المدينة بعد وفاة الرسول ومارسوا بعضا من الصلاحيات في المدينة ولكنها كانت صلاحيات وكان ذلك أساسا بموافقة الأمويين- ربما بسبب تحالف الرسول معهم- وتحت إشرافهم وهو الأمر الذي تنعكس ملامحه في الرواية الإسلامية. فعمر لا يسيطر على مواسم الحج، وعثمان يستنجد بمعاوية مما يعني أن المدينة لم تكن تملك المقومات العسكرية كعاصمة، بل أن هناك أدلة على أسبقية الشام فعثمان كان يرسل المعارضين إلى معاوية، كما أن معاوية خاطب علي “أهل الشام حكام لأهل الحجاز”، حتى انه تنسب إليه تهديدات للصحابة بشأن عثمان.

أما الروايات التي تتحدث عن البيعة بعد الرسول فهي تشير إلى دور أموي في اختيار أبي بكر تحت قوة الوجود العسكري للأمويين، مما اقنع الأنصار بالخلود إلى السكينة.

وفي أحداث السقيفة، ستظهر جميع التيارات التي ستشكل فيما بعد التيارات المعارضة للأمويين والتي ربما تمثل التيارات اليهودية –مما يلفت الانتباه في هذا الشأن هو أن الشوام كانوا يعيرون الأنصار خلال وقعة الحرة بكونهم يهودا رغم أنه من المفترض أن اليهود في هذا الوقت كانوا قد أخرجوا من المدينة، كما أن معاوية عير سعد بن عبادة احد قادة العلويين وابن زعيم الخزرج بكونه “يهوديا ابن يهودي”/ فكان أن رد عليه “وثني ابن وثني”- في المدينة التي التفت حول علي.

وملابسات مقتل عمر بن الخطاب تشير إلى معارضة قوية للأمويين من طرف العلويين والزبيريين والعناصر اليهودية في المدينة. مما دفع الأمويين على ما يبدو إلى تشديد قبضتهم بالانتقال إلى الحكم المباشر عن طريق العناصر الموالية لهم ممثلة بعثمان.

إلا أن الغموض يحيط بعثمان بن عفان نفسه والذي ربما شكل مخرجا راشديا- سلفيا للجوانب الايجابية في الدور الأموي ونوعا من حلقة تبريرية لانتقال السلطة إلى الأمويين، إلا انه من جانب آخر يتقاطع كثيرا مع شخصية أخرى وهي عثمان بن محمد بن أبي سفيان عامل المدينة الأموي، والذي وثب عليه أهل المدينة وأخرجوه منها، مما كان المقدمة لمعركة الحرة، حيث دافع أهل المدينة عنها في خندق الرسول،كما يشار إلى أن مروان بن الحكم وابنه عبد الملك كانا ضمن من أخرجوا من المدينة، كما كانا سابقا ضمن من أخرج منها في الفتنة الأولى.

كما أن معارضة عثمان -عبد الله بن مسعود مثلا- سوغت موقفها بأمرين وهما توسع الحكم الأموي، الذي أشير إليه عن طريق تولية عثمان لأقاربه عمالا وولاة، والمعارضة لفرض صيغة موحدة للقرآن ما يوحي بدور عبد الملك في فرض صيغة نهائية للإسلام، تلك التي دخلتها عن طريق الأمويين تأثيرات مسيحية.

يبدو أن الإسلام تشكل بشكل معكوس لما تقدمه لنا الرواية السائدة فهو لم يخرج من الصحراء إلى الهلال الخصيب، بل يجب النظر إليه على انه نشأ كحاجة لحماية وتثبيت الاستقلال الذي قام به الأمويون في الشام عن البيزنطيين، وتوسيع سلطانهم باتجاه شبة الجزيرة وتوحيدهم الهلال الخصيب.

هنا نلحظ فترتين متمايزتين في الإسلام ، الأولى والتي تعكس تأثيرات يهودية وهذا ما أشار إيه كثير من الباحثين كاسم الرحمن وصيام عاشوراء (والذي سيكون يوم مقتل الحسين). وربما أثرت على محمد في الفترة المبكرة من دعوته مجموعة يهودية ذات معتقدات يغلب عليها طابع التصوف والرهبنة مخالفة بذلك اليهودية الرسمية التي كانت سائدة في المدينة.

كما أن هذا الإسلام الأولي حمل معه عداء صريحا للأعراب.

ومفهوم الهجرة المرتبط بالإسلام الأولي كان مفهوما غامضا، وربما يدل على فئة اجتماعية متمايزة، فالرسول كان يميز في رسائله إلى أمراء السرايا بين المهاجرين وأعراب المسلمين، لكن ومع تحول الإسلام إلى دين الدولة توجب فتح باب الهجرة للجميع كما فعل عمر بن عبد العزيز.

أما الفترة الثانية والتي بدأت مع تبني الإسلام من قبل الأمويين، فقد ما أدت إلى بروز تأثيرات مسيحية فيه، كما في تعبير “الرسول” وهو تعبير مسيحي ظهر إلى جانب تعبير النبي. بل أن كلمة “حنيف” والتي أشير عبرها للإسلام كدين العرب الحنيف الذي أسسه إبراهيم، هي بالأصل كلمة أرامية تعني “وثني”، وقد استخدمتها الكنيسة البيزنطية للدلالة على المذاهب المنحرفة والمنشقة.

أما معاوية فقد توج على جبل الجلجلة عند موقع كنيسة جيتسمياني، وعمر بن عبد العزيز لقب بالراهب واختار دير سمعان مدفنا له، كما كني الأمويين من قبل خصومهم ببني الأصفر، ومما يلاحظ انه في الشام لم تكن هناك معسكرات لجيوش الفتح كما في العراق أو مصر، بل كانوا يعيشون في المدن القديمة مع أهلها الأصليين- وربما كانوا هم من أهلها الأصليين- وكانوا يشاركونهم دور عبادتهم –كنائسهم- وذلك بتحويل نصفها إلى مساجد لهم.

وهناك واقعة مهمة في هذا الصدد، وهي الحرب التي استأنفها الروم مع العرب بسبب ضرب عملة خاصة بهم بحسب ثيوفانس، إلا أن الرواية الإسلامية تؤكد أن ما أثار حفيظة الأخيرين هو ذكر عبد الملك للرسول في افتتاح مراسلاته معهم.

إن الأمويون هم الذين دفعوا باتجاه تعريب الإسلام، فظهرت الأحاديث التي تشيد بالعرب وترفع من شأنهم، وأيضا تعريب عبد الملك للدواوين وهذا ما كان جزءا من خطة استقلالية عامة.

كما أن هناك دلائل على أن نشاط عبد الملك بن مروان وابنه الوليد في بناء المساجد في دمشق والقدس كان أساسا لجعلها قبلة للمسلمين. وبالتعارض مع رفع مكانة دمشق ظهرت أماكن مقدسة أخرى كما في مسجد نوح في الكوفة. إلا أن عملية تعريب الإسلام وازدياد وزن العرب فيه دفع إلى تبني مكة، رغم وجود إشارات تدل على عدم تحديد موقع الكعبة فعليا، فقبلة جامع عمرو بن العاص في مصر والتي أشرف عليها ثمانون صحابيا كانت مشرّقة جدا، وتدل الكشوف الأثرية في جامعين أمويين في العراق إلى إنهما كانا منحرفين إلى اليمين.

اختيار مكة كمكان للقبلة دفع إلى اكتشاف أصول قرآنية لمكة، كما في الألقاب التي ذكرها القرآن ونسبت إليها (مثل أم القرى، أو واد غير ذي زرع) دون مبرر تاريخي لهذه التسميات. كذلك محاولة ربط مكة مع تاريخ نبوي يبررها كقبلة، هذا التاريخ الذي ستبرره قصص الأنبياء والتي يبدو أنها دخلت بشكل متأخر إلى الإسلام، فهناك روايات عن ضرورة استئذان السلطة فيها على أيام عمر بن الخطاب، وروايات أخرى تؤكد عدم وجودها في عهود أبي بكر وعمر وعثمان وأنها انتشرت زمن الفتنة.

أما بناء الأنساب القبلية للعرب فهي جاءت لتلائم التحالفات التي سادت خلال العصر الأموي، ولإعطاء شرعية للحكم الأموي نفسه عبر ربطه بقريش وبالرسول، وربما كان الأمر كذلك بالنسبة إلى الروايات المتعلقة بمصاهرات الرسول لأبي بكر وعمر وبدرجة أقل لأبي سفيان أي أنها ذات قيمة سياسية تتعلق بالنقاشات المتأخرة حول شرعية السلطة.

وكذلك يبدو دور العباس الغامض نوعا ما، كما في دوره في بيعة العقبة ورغم عدم إسلامه أو بدر وحتى في مسألة مبايعته لعلي بعد وفاة الرسول، وكأنه إضافة عباسية إلى هذه الروايات.

يبدو أن الإسلام تحول في فترة عبد الملك إلى دين الدولة، وذلك بعد تنظيمه وضبطه على الأقل فيما يخص البنية اللاهوتية الأساسية له والنص المقدس، فإنه يمكن الافتراض أن الفترة السابقة كانت بحكم الجاهلية، حيث التأثيرات اليهودية في المدينة وجنوب العراق، والمسيحية- النسطورية في العراق واليمامة، والمسيحية- اليعقوبية في الشام.

وبهذا الحال يكون الإسلام مع عبد الملك والأمويين مر بمرحلة إعادة إنتاج (تتضمن التعريب وإدخال التأثيرات المسيحية وحتى معاداة اليهود إلى الإسلام الرسولي) وتحويله إلى الدين القومي للهلال الخصيب الموحد مع الجزيرة العربية بما يضمن الاستقلال التام له عن بيزنطة، وفي الوقت ذاته استيعاب الهجرات القبلية التي وفدت على الهلال الخصيب خلال عقود بتأثير الوهن الذي أصاب البيزنطيين.

إن الجوانب الايجابية لعمل بشير تتجلى ليس وحسب في محاولة حل المعضلات التي تثيرها التناقضات الداخلية للرواية التقليدية وعدم اتفاقها، بل أيضا في ما تثيره من إشكاليات بقيت غامضة، فالعربي في الرواية الإسلامية يظهر على ساحة التاريخ مباشرة ممتطيا حصانه، فارسا وشاعرا دونما ممهدات. والفتح العربي تم بسرعة مذهلة، تلاه مباشرة الانتقال إلى تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف، ومعها بداية حضارة جديدة وكل هذا في فترة زمنية قصيرة بشكل غير معقول.

ومن المحير أن العرب المسلمين ارتضوا لأنفسهم وخلال خمسين عام العملة الفارسية أو العملة البيزنطية وما عليها من رسم الصليب وصورة قيصر.

إن محاولة بشير تأتي لبناء سياق عقلاني للأحداث وذلك انطلاقا من الرواية الإسلامية ذاتها، ونقدها. لكن هذا لا يعني أن ما قدمه بشير حل كل المعضلات، يبقى –مثلا- من غير الواضح من هو الرسول، وهل هو شخص آخر غير ابن الحنفية أم أنهما شخص واحد، وخاصة مع وجود دلائل على استمرار إمامة ابن الحنفية حتى أبي جعفر المنصور؟

هناك أشخاص آخرون في الرواية الإسلامية يبقون غير محددي الملامح مثل عائشة أو طلحة بن عبد الله.

والآن سنحاول تقديم الصورة التي أعاد بوب تركيبها للأحداث التي أدت إلى نشوء الإسلام، وبشكل مختصر ومهملين نوعا ما البراهين والنقاشات التي ساقها وسنحتفظ فقط بنتائجها، وفي هذا لن يهمنا عمل بوب نفسه بقدر ما سنتوقف عند تقاطعاته مع عمل بشير والضوء الذي يمكن له أن يلقيه على الموضوع.

تبدأ رواية بوب للأحداث من الحرب البيزنطية- الفارسية، والانقلاب العسكري الذي طرأ عليها مع الهزيمة القاصمة التي تعرض لها الفرس عام 622م (والتي هي أيضا بداية التقويم الهجري)، وما تلاها من إحراق هرقل لمعبد النار الأكبر 623م، وذلك بمساعدة من القبائل العربية(3) المسيحية، حتى نهاية الحرب ومقتل كسرى الثاني ابرويز 628م. هذه الهزيمة أدت إلى انهيار الإمبراطورية الساسانية، ومعها كذلك النخبة الدينية الزارادشتية.

كان قد تم الاتفاق بين الفرس والبيزنطيين على أساس استعادة الوضع كما كان عليه عام 590م، إلا أن الإمبراطورية الساسانية المنهارة لم تقو على الاستمرار، وانتقلت السيادة في مناطق بلاد الرافدين وسورية إلى الأمراء المحليين من العرب المسيحيين الشرقيين، والعرب الساسانيين الذين كانوا سابقا حلفاء للفرس، وأصبحوا الآن أمراء حرب لحسابهم الخاص على هذه المناطق التي كانت تحت السيادة الساسانية.

كان من الصعب توحيد هؤلاء مع البيزنطيين، فقد كان عصيا أن يجدوا حلولا للمشكلات اللاهوتية المتفاقمة بينهم.

وهكذا بدت السيادة العربية كوراثة للإمبراطورية الساسانية المنهارة، وتحققت بالتعاون مع البيزنطيين، ومما يدل على هذا إعادة تنظيم الإمبراطورية التي قام بها هرقل بعد انتصاره وحيث يبدو أنه قد أخرج سوريا من أراضي الإمبراطورية المباشرة (4).

فيما بعد قامت سياسة هرقل تجاه المشرق البيزنطي كاستمرار لسياسته تجاه الساسانيين، وهي الحفاظ على التوازن مع العرب المسيحيين. هذه السياسة التي لم تستطع أرملته الاستمرار فيها فيما بعد فاضطرت إلى الانسحاب من الإسكندرية 642م.

إن أول الأمراء العرب هو معاوية، وقد دون اسمه على النقود، التي ستبقى تحمل نقوشا ساسانية وبيزنطية- مسيحية، مع لقب أمير المؤمنين، هذا اللقب الذي تمت قراءته بطريقة ارتجاعية. فالقراء رأوا فيه المعنى الإسلامي للقب، والذي هو نتاج الرواية الإسلامية المتأخرة والتي دونت في العصر العباسي، بينما اللقب نفسه ينتمي إلى الموروث المسيحي لعرب إيران، وهو يفيد بسلطة محلية ويمكن ترجمته بـ”أول المؤمنين” والمؤمنين تحيل هنا إلى المسيحيين العرب.

عبارات أخرى ظهرت على قطع النقود مثل “خليفة” و”عبد الله” وهي تستند إلى أصول مسيحية ومحلية، بل إن اسمي عبد الله ( عبد وجمعها عباد، وليس تلك التي جمعها عبيد) ومحمد لا تنتمي إلى عربية مكة وهي تبدو كأسماء أجنبية بالنسبة إلى منطقة الحجاز.

تابع معاوية في سوريا السياسة الساسانية، وربما يكون قد نقل عاصمة ملكه إلى دمشق من أجل تأمين السيادة عليها، خاصة وأن السيادة في المناطق الشرقية قد حسمت مع انهيار الإمبراطورية الساسانية، ولكنها تبقى مسألة مشكوك بها في القسم الغربي بحكم استمرار الإمبراطورية البيزنطية.

كذلك استفاد معاوية من أهمية دمشق، التي فيها قبر النبي يوحنا المعمدان، وهو شخصية محورية في المسيحية العربية، وقد قدم معاوية نفسه كحام لـ”الحرم- قبر يوحنا المعمدان”، كما يبدو في القطع النقدية العائدة إلى عصره.

بعد وفاة هرقل (أما خلال حياته حيث يبدو أن العرب قد قدروا له صنيعه فلم تحدث اضطرابات بينهم) قام معاوية بمحاولة احتلال القسطنطينية بإدخال القوى البحرية متفاديا الخطأ الفارسي، ولكن هذه المحاولة فشلت أمام أسوار القسطنطينية، مما دفع أميرا عربيا آخر في القسم الشرقي إلى التمرد عليه وهو عبد الله بن الزبير (الزبير ربما يكون اسم عائلة)

بينما سيخلف معاوية في القسم الغربي عبد الملك (شخصيات يزيد ومعاوية الثاني وحتى مروان هي شخصيات مشكوك بوجودها فلم تصل أية قطع نقدية او نقوش تعود إليهم).

ومع عبد الملك بدأ تاريخ الإسلام، فالفترة التي سبقت لم يكن العرب إلا مسيحيين.

تعتبر فترة الإسلام التي بدأت مع عبد الملك بمثابة الإسلام-I، وفيها ظهرت العبارات التي تحيل إلى محمد رسول لله.

إن المحمدية في زمن عبد الملك لم تكن إلا مسألة مسيحية داخلية، ومحمد رسول الله تشير إلى شخصية يسوع المسيح.

ذلك أن ضرورة تأمين الاستقلال عن بيزنطة من ناحية، والدور العربي المتزايد في الدولة الناشئة عبر عن نفسه في إنتاج فهم عربي للاهوت السوري المسيحي، وهو ما كان بمثابة إعادة النظر إلى المسيح انطلاقا من الدين القبلي للعرب في إيران وبلاد الرافدين.

المسيح هو عبد الله ورسوله، وكذلك هو محمد عبد الله. ويلعب التوحيد في الفهم العربي للمسيحية دورا مركزيا وهو ما نجده إلى اليوم في الكنيسة الأثيوبية.

إن إسلام فترة عبد الملك وأولاده فيما بعد بقي يتحرك ضمن المجال المسيحي الداخلي، وحتى حربه مع جستنيان الثاني لم تأخذ معنى جهاديا، بل إن ما حرك الصراع بينهما هو التنافس على المشروعية الدينية على الأرضية المسيحية ذاتها، فما أن أصدر جستنيان نقودا عليها عبارة “خادم المسيح” في إشارة إليه، حتى قام عبد الملك بسك نقوده تحمل عبارة “خليفة الله”(5)، بل أن شعار-محمد سيبدأ بالظهور مع بيت إيل، والذي يستعاض به عن الصليب الذي كان في النقوش السابقة.

ربما يكون بيت إيل وحتى شعار- محمد، مفهومان كإشارة إلى الدولة الجديدة على أنها إسرائيل الجديدة، الدولة المستقلة، وعلى أنها العقد بين الله وشعبه، في استعادة للتقاليد السامية.

والأعمال العمرانية الضخمة وذات الطابع الإمبراطوري التي وسمت مرحلة عبد الملك وابنه الوليد لا يمكن إلا أن تكون ضمن دائرة تأسيس الشرعية الدينية المستمدة من حماية الحج إلى “الحرم” والحفاظ عليه في القدس ودمشق.

تبدو قبة الصخرة كنيسة لا جامعا، بل إن العبارات التي نقشت عليها تتوجه إلى المسيحيين لتؤكد على الطابع الرسولي للمسيح (محمد رسول الله) وعلى وحدانية الله.

إن هذه المفاهيم المحمدية للإسلام أتت من مناطق الرافدين، وبهذا يمكن الحديث عن أن الإسلام لم يتحرك من الجنوب إلى الشمال إنما من الشرق إلى الغرب.

لعبت بعض التأثيرات اليهودية من العهد القديم، فيما يتعلق بالنبيين موسى ووليه هارون دورا في بناء شخصية مرافقة للرسول محمد كولي له هي شخصية علي. كذلك أسهمت التقاليد القبلية والفهم القبلي للرسول في إعطائه نسبا. إن هذا التطور للمحمدية الخاصة بعبد الملك سيصل إلى حدوده القصوى في القسم الشرقي، في بلاد الرافدين.

الفترة الأخيرة من الحكم الأموي كانت فترة الاضطراب الديني لعموم المنطقة، وحتى مع الفترة الأولى من قدوم العباسيين (وهم يمثلون صعود النخبة الساسانية الزارادشتية واستعادة مواقعها كما مع أسرة البرامكة، والجهاد ضد بيزنطة لن يكون إلا تكرارا للحرب البيزنطية –الفارسية)، والذي بدأ دعوتهم أبو مسلم الخراساني، ومما يلفت الانتباه أن كلمة “مسلم” بدأت تظهر في تلك الفترة.

أول الأمراء العباسيين المعروفين هو السفاح، ويبدو أن فهم السفاح للرسول محمد لم يختلف عن فهم عبد الملك له وكونه هو نفسه عيسى. إن ما يحسم مسألة إن كان المقصود بمحمد هو عيسى أو شخصية تاريخية مستقلة هو صفة عبودية الله، وأصلها التأكيد على عبودية المسيح.

غياب هذه الصفة من وصف محمد سيكون أول دليل على تحول محمد من شخصية المسيح إلى شخصية مستقلة تاريخيا، وهو ما تم كما يبدو على عهد المأمون، وهو الذي جمع القرآن وقدمه ككتاب مستقل للمسلمين، بينما لم يكن هناك سابقا إلا “كتاب الله” وهو مجموعة من الكتابات المتنوعة. أما سنة نبيه والتي كانت ترد دوما بالترافق مع “كتاب الله” فهي لم تكن تشير إلا إلى أعمال موسى النبي.

إن المأمون، وربما كان أبو مسلم الذي يأتي من الشرق بجيوشه العربية-الشرق إيرانية والتركية إلى العرب في بغداد صورة أولية له، قدم نفسه بمثابة “خليفة الله” ولأسباب مغايرة للأسباب التي دفعت عبد الملك سابقا، فعوضا عن الصراع على الشرعية الدينية على الأرضية المسيحية كان المأمون يخوض صراعه مع الإمام علس الرضا… الإسلام (في صيغته النهائية) سيكون إذن من عمل المأمون الذي أمسى “خليفة الله” و”الإمام”

ربما يستطيع المرء أن يلحظ نقاط مشتركة مهمة بين كل من عملي بشير وبوب، وكذلك نقاط الافتراق بينهما. الميزة الأساسية لبوب هي أنه يقدم لنا الخلفية التاريخية التي يفتقدها عمل بشير. بالمقابل يقدم لنا بشير قراءة جديدة ومهمة للرواية الإسلامية، التي أهملها بوب بالرغم من أنها تشكل مصدرا هاما وغنيا بالأحداث والتفاصيل الفريدة.

إهمال الرواية الإسلامية واعتبارها إنتاجا متأخرا وأسطوريا تماما، يطرح مشكلة التراث الشفهي الذي نشأت عنه. فهل من الممكن بناء تراث شفهي بهذا الحجم وفي فترة قصيرة نوعا ما، بحدود قرن ونصف وقرنين من الزمن انطلاقا من لا شيء؟ وأكثر من هذا من قبل مجموعات لم تكن مضطهدة ومتخفية كما كان المسيحيون الأوائل.

هذه النقطة تبقى صعبة القبول، حتى لو قبل المرء اعتبار هذا التراث الشفهي قائما على أرضية أسطورية في قسم كبير منه، وان الصياغة النهائية له لم تنفصل عن احتياجات وتشويهات السلطة السياسية وبناء الشرعية لها.

بالمقابل يمكننا اغناء عمل بوب تحديدا بالقراءة المميزة التي قام بها بشير للرواية الإسلامية، والتي علينا أن نتعامل معها (الرواية الإسلامية) بحذر شديد وننظر إليها بما تقدمه لنا من أصداء عن التاريخ، أكثر من كونها تقدم تاريخا صرفا لا أدلة إلى الآن على وجوده.

إن أول التماثلات بين عمل بشير وبوب هي أن كلا منها يعتبر أن منطقة الهلال الخصيب هي الأصل الذي نشأ منه الإسلام، وان فترة عبد الملك هي بمثابة اللحظة المحورية في الإسلام ونشأته كدين.

فالخلفية التاريخية للحرب الفارسية- البيزنطية التي قدمها بوب قد تكون مفيدة لمعرفة من هم الأمويون الذين بقوا غامضين عند بشير سوى أنهم من الشام.

بالمقابل يفسر الأمويون أيضا الاتجاه المسيحي الذي برز في الإسلام، ولكن عند بوب يبدو الأثر المسيحي هو الأثر الأولي، ولكن هذا لا يمكننا من فهم مصدر التأثيرات اليهودية في الإسلام، والتي لا يمكن لنا إرجاعها وحسب إلى التوراة، فالنصوص القرآنية تبدي تشابهات كبيرة مع نصوص تلمودية، مما يعني أن هناك تأثيرا يهوديا مهما ولا سبيل إلى اعتباره تأثير ثانويا للعهد القديم، بالمقابل من الصعب تفسير التأثير اليهودي انطلاقا مما وفد من بلاد الرافدين في فترة الاضطراب الديني في أواخر الفترة الأموية و بداية الفترة العباسية. إن الظواهر اليهودية في الإسلام تبدو بمثابة حجر الأساس، وسابقة على التأثيرات المسيحية المتأخرة والتي يدلل عليها ليس وحسب التسليم بعيسى، بل كذلك العداء الكبير لليهود في الإسلام، والذي يبدو إنه إسهام متأخر في الإسلام.

بالمقابل يلاحظ المرء أن تشابهات مهمة بين الأصداء التي نقلت عن النقاشات اللاهوتية التي دارت في العصر الأموي حول مسائل الجبر والحرية، مع تلك المسيحية في الفترة السابقة مباشرة.

كما يمكن بوضوح التمييز ضمن الإسلام بين فترتين، واحدة منهما تخضع لتأثيرات يهودية جلية ومعادية للعرب، والأخرى تبدو فيها تأثيرات مسيحية وترفع من شأن العرب بشكل واضح وتعتبرهم مادة الإسلام، والاختلافات هذه لا يمكن تفسيرها بما يقدمه بوب، وخاصة أن المرحلة الأولى (ذات التأثيرات اليهودية والمعادية للعرب) لا يمكن أن تكون لاحقة على التأثيرات المسيحية العربية التي تميز الإسلام الآخر، من هنا ربما علينا أن نقول أن الإسلام بدأ يهوديا، وليس مسيحيا كما يرى بوب.

أما تأخير بناء صياغة نهائية للإسلام (بما يتعلق بالشخصية المستقلة للرسول) حتى عصر المأمون فإنها صعبة القبول، فلم يصل إلينا أي شيء يحتمل أي تأويل ممكن لكون محمد هو المسيح من تلك الفترة، من شأنها أن تحمل بشكل أو بآخر ذكريات متعلقة بمثل هذا الطرح. خاصة أن عاصفة لاهوتية قد نشبت بعصر المأمون، اشتهرت بمحنة القرآن، عللها بأن الفقهاء قد ضاهوا بقولهم في القرآن قول النصارى، إلا أنها من المستبعد أن تكون إشارة إلى بناء صياغة نهائية للقرآن ضدا من تأويلات ذات بقايا مسيحية، وخاصة أن الذين حاربهم المأمون، أي أهل الجماعة، كانوا أبعد الناس عن أي تصور يمكن مقاربته بما يقدمه بوب، بالرغم من أنهم كانوا يحسبون على الأمويين من وجهة التعاطف السياسي.

أما فيما يخص الفهم العربي للاهوت السوري فهو يزيد من تعقيد الموضوع، فما نعرفه عن التيارات اللاهوتية لتلك المرحلة هي النسطورية، واليعقوبية وأخيرا الملكية، ومن المستبعد أن يتطور أي شيء من النسطورية أو اليعقوبية باتجاه مشابه لما تطورت إليه مسيحية عبد الملك، أما التيار اللاهوتي الأقرب للإسلام وهو الأريوسية (6) فكان منتهيا وقتها، ولم يعد قوة فاعلة. على العكس من هذا يمكن أن نرى في العراق في ذلك الوقت نشاطا يهوديا قويا، ومن غير المستبعد أن القصص التي نقلتها الرواية الإسلامية عن اليهود في المدينة، والإشارات لاستمرارهم إلى فترة الحروب الأموية، أو حتى إنهم أخوال الرسول وجده، تعطي إشارات عن الجذور اليهودية للدعوة، ولا يكون التفسير عندها نتاجا لفهم عربي للمسيحية، بقدر ما هو توليفة متأخرة لتيارات متنوعة بين اليهودية والمسيحية بدأت في فترة عبد الملك (ربما بعد قضائه على تمرد ابن الزبير) وما بعده.

حتى العرض الذي يقدمه بوب لتطور مفهوم آل بيت محمد يبدو من العسير قبوله، وإشارته إلى الصراعات التي عاشتها الدولة الأموية وفشل التيارين، تيار آل بيت محمد والتيار الثاني الذي يدعو إلى دولة الله (الخوارج) تدل على اعتماده المصادر الإسلامية الداخلية، والتي بدونها لا يمكن إعطاء مفاهيم إيديولوجية للصراعات التي عاشتها الدولة الأموية.

ما يمكن لنا عمله هو أن نأخذ الخلفية التاريخية التي يقدمها لنا عمل بوب القائمة على انهيار الإمبراطورية الساسانية وبداية الاستقلال العربي الذاتي في مناطق الهلال الخصيب، ومن ناحية أخرى أن نسترشد بعمل بشير في قراءة الرواية الإسلامية بطريقة مختلفة، وبما يتناسب مع المعطيات الأثرية الموجودة، لهذا سنقول مبدئيا إن الرواية الإسلامية التي تقدم لنا فترتين منفصلتين (الفترة الممتدة من بداية الدعوة حتى فتح مكة ثم الحرب الأهلية الثانية) هي في الواقع رواية لفترة تاريخية واحدة، انشطرت فيما بعد إلى فترتين، وتم إدخال الخلفاء الراشدين وحتى معاوية بينهم للتقليل من شرعية الأمويين الذين تمرد عليهم العباسيون من ناحية، ومن ناحية أخرى بناء الزمن المقدس، واليوتوبيا الإسلامية ، وإعطاء بعد تاريخي للحدث القرآني.

إن الأهمية التجارية لخط الحرير يمكن أن تعطينا سببا إضافيا لفهم الحرب الفارسية- البيزنطية، وهو الخط الذي ارتبط به تاريخ نشوء ممالك وتضخمها كتدمر ومملكة الأنباط. لقد استوجب انقطاع في خط الحرير خلال الحروب الفارسية-البيزنطية إيجاد طريق أخرى له. يمكن لنا هنا أن ننظر إلى أهمية مكة كطريق بديل للطريق السابقة مع عدم إمكانية استخدام البحر الأحمر بسبب شعابه المرجانية.

وقد أشار القرآن إلى الأهمية الخاصة لرحلتي الصيف والشتاء(7)، ويمكن لنا أن نرى حرب الفجار على إنها إشارة لمحاولات فارسية للسيطرة على هذه الطريق المارة عبر الجزيرة العربية، وكذلك المحاولات الحبشية (والفارسية) لاحتلال اليمن ومكة، كإشارات متأخرة لأهمية هذة الطريق.

إن الخط التجاري المار من اليمن عبر مكة إلى فلسطين هو خط قديم حمل بضائع يمنية سابقا، إلا أن أهميته ازدادت مع فترة الصراع الفارسي- البيزنطي.

أهمية هذا الخط، ومروره عبر مكة، هو التدليل على إن مكة وربما المدينة معها، دخلتا خلال الفترة الأخيرة في علاقات مكثفة مع الهلال الخصيب، مما يبرر حضورها في الإطار الداخلي للهلال الخصيب في تلك الفترة بعد انهيار الإمبراطورية الساسانية، وبدء فترة السيادة العربية الذاتية في تلك المنطقة، والذي بدأ تعريبها منذ زمن سابق وبعيد وبتأثير تحولات مناخية، وربما بشكل متسارع منذ سقوط تدمر على يد الرومان.

مع غياب أية إشارات إلى الإسلام خلال فترة معاوية، لا يمكننا إلا وضع فترة معاوية ضمن الإطار المسيحي الشرقي للمنطقة، وربما يكون نشاط النبي (الذي لا نعرف اسمه وخاصة أن أسماء محمد، وعبد الله يمكن أن تلعب دور الصفات أيضا، وربما يكون ابن حنيفة نفسه) بدأ في نهاية فترة معاوية، أو أقدم ولكن عندها لا يكون تجاوز النشاط المحلي، وربما السري، الذي نرى أثرا له في الرواية الإسلامية.

ربما كان النبي كان لتأثيرات يهودية، ضمن النشاط اليهودي في بلاد الرافدين أو المدينة، وربما كان أصلا نشاطا إصلاحيا يهوديا صرفا.

إن الأهمية التي أخذها النبي ربما كانت مع بداية التمرد الذي قام به ابن الزبير، والذي يجد سببه في محاولة معاوية التحول إلى الملك، فالرواية الإسلامية تنقل لنا صورة لمعاوية تشبه من ناحية شيخا عشائريا لاتحاد قبائل (والصراع القبلي هو سمة ستبقى خلال كل العصر الأموي) ومن ناحية أخرى على أنه أول الملوك، ولا يمكن لمحاولة معاوية احتلال بيزنطة أن تتم بدون محاولات لتحويل سلطته إلى سلطة ملكية مركزية ربما دفعت العرب الآخرين إلى التمرد عليه أو الرفض، وخاصة في المناطق الشرقية، المتضررة من انتقال العاصمة إلى دمشق.

إن التمرد الذي كان على خليفة معاوية عبد الملك التعامل معه لم يكتف بأخذ أبعاد قبلية، إنما اتخذ أيضا أبعادا دينية في منطقة مضطربة بين الكنائس اليعقوبية والنسطورية والملكية، يضاف إليها اليهود والزادشتيين وغيرهم، وهكذا ربما كان هناك تأثير يهودي بين المتمردين في وادي الرافدين، والذين كانوا من أتباع النبي، أو المتعاطفين معه.

والإشارات التي تنقلها لنا الرواية الإسلامية عن دعم حبشي لابن الزبير وحتى بيزنطي ستكون مفهومة في إطار الصراع الذي كان عبد الملك يخوضه ضد البيزنطيين.

بعد الانتصار الذي حققه عبد الملك على ابن الزبير (حيث كانت حروب الردة وفتح مكة هي أصداء للحملة الأموية على مناطق الحجاز والعراق وإخضاعها) والذي سبقه تحالفه مع الرسول وتبني دعوته، سعى عبد الملك إلى توحيد القبائل العربية في دولة واحدة، وترسيخ هذه الوحدة عبر بناء دين قومي لها، يضمن بواسطته تأمين الاستقلال النهائي عن بيزنطة، وهو ما كان متعذرا على الأرضية المسيحية السابقة.

إن تبني عبد الملك للرسول حتم إضفاء تعديلات مهمة على الدعوة ذات الطابع اليهودي، وإدخال مؤثرات مسيحية، وأيضا الإعلاء من شأن العرب بشكل خاص، وحتى البدء باختراع سلاسل انساب تربط الأمويين بين والرسول.

ذلك أن سلاسل الأنساب العربية تعكس لنا صورة التحالفات التي سادت في العصر الأموي، ومحاولات إعطاء شرعية للحكم الأموي، في محيط تشكل علاقات القرابة محورا أساسيا في فهمه للعالم.

لكن بالمقابل علينا الانتباه إلى أن تبني عبد الملك للرسول لا يعني تحويل الإسلام بشكل ناجز إلى دين الدولة، إنما اعتبارها نقطة البداية في مسيرة تكون الإسلام، التي لا تبدو واضحة بشكل نهائي. فالقصور التي خلفها لنا الأمويون بعد عبد الملك لا تعكس مفاهيم إسلامية في عمارتها وزينتها التي بقيت ساسانية، وحتى في رسوماتها الجدارية، بل تدل على استمرارية للتقاليد السابقة على الإسلام، مما يعني أن الإسلام لم يتكون دفعة واحدة مع عبد الملك وخلفائه، أو على الأقل لم يصبح بعد نمطا للحياة.

إن المساومة التي حصلت بين الرسول وعبد الملك لم تتم بدون معارضة ما من أتباع الرسول أنفسهم، وهذا ما تدل عليه ربما القصص التي تقدم لنا صورة لمجموعتين، مجموعة علي و مجموعة عمر، أو حتى الاعتراضات ذات السمة الدينية على النبي نفسه والتي قدمتها الرواية الإسلامية على أنها بداية تكون الخوارج، أهم تيار معارض تعين على الدولة الأموية محاربته، ولن تنتهي من الصراع معه إلا بانتهائهما معا.

إن الجذور اليهودية للدعوة، والتسوية الأموية التالية معها ربما تسمح بفهم أفضل للإسلام ، من افتراض فهم توحيدي عربي، لا توجد دلائل عليه (إلا بمقارنته مع الكنيسة الأثيوبية) ولا يفسر التشابهات الكثيرة التي يعكسها القرآن مع النصوص التلمودية.

فالفترة التالية لحكم عبد الملك كانت فترة اضطراب ديني، من بين ما يدل عليها أن القبلة أخذت وقتا ليتم تثبيتها في مكة، في حين كانت سابقا تنتقل بين دمشق والقدس وربما أمكنة أخرى في شمال الحجاز وهناك أحاديث عن أما كن مقدسة في العراق أيضا وهو ما ستحفظه التقاليد الشيعية. كذلك كانت فترة اضطراب سياسي يمكن أن نفهمه بصعوبةِ بناء الدولة مع استمرار القبائل كوحدات أساسية، لكن علينا أن ننتبه أن القبائل العربية هذه هي قبائل عايشت لفترات طويلة الساسانيين والبيزنطيين وليست قبائل الحجاز والجزيرة البدوية التي تقدمها لنا الرواية الإسلامية.

إن البنية النووية للإسلام، التي تقوم على الرسول ومفاهيم دينية توحيدية يمكن اعتبارها على أنها نشأت في تاريخ مضطرب منذ فترة عبد الملك وأبنائه، وريما يكون القرآن قد جُمع في فترة لاحقة (وان كانت قد وُجدت بدءا من فترة عبد الملك نصوص يمكن اعتبارها كمصدر أولي للقرآن، و تمثل كتاب الله) من نصوص متنوعة وربما بعضها سابق على هذه الفترة، إلا انه من المستبعد أن يكون الإسلام انتظر عهد المأمون ليعثر على شخصية مستقلة تاريخيا لرسوله، لكن الصيغة المنظومية المتكاملة للإسلام لن تتشكل إلا مع عصر التدوين وبناء الرواية الإسلامية وإعطاء صيغة نهائية للنص القرآني وللحدث التاريخي الذي يمكن تأطيره داخله.

يمكن لنا وضع نقطة انطلاق الإسلام في فترة الحرب الأهلية التي عاشها العرب، بعد استقلالهم في مناطق الهلال الخصيب، وهو لم ينشأ وحسب من الحاجة إلى الاستقلال عن بيزنطة إنما أيضا ضمن واقع الحرب الأهلية وضرورة توحيد العرب.

الإسلام بهذا لم يخرج من الجزيرة إلى الهلال الخصيب، بل إن ما حصل هو العكس تماما، لقد انتقل الإسلام من الهلال الخصيب إلى الجزيرة، وكان بمثابة الدين القومي للدولة الناشئة في الهلال الخصيب. أما الحجاز فلم يدخل إلا متأخرا مع التحولات التي أصابت الخط التجاري، وقد دخل كمنطقة ملحقة في فترة الأحداث التي عصفت بالهلال الخصيب وقتها، وفيما بعد دخلت في الرواية المتأخرة للزمن المقدس وأيضا كأرض الآباء المقدسة، ربما على غرار ديمون بالنسبة للسومريين.

خاتمة
تعاني الفترة الممتدة من السنة الأولى للهجرة حتى سنة 72 للهجرة غيابا للوثائق التي تدل على الإسلام، وأحداث الجزيرة العربية ونشوء الدعوة فتبقى منطقة مظلمة تماما، بالمقابل تتأخر الرواية الإسلامية المدونة لها بما ينوف القرنين عن زمن الحدث الأصلي، وتعاني من كثير من الثغرات مما يدفع الكثيرين إلى ستبعادها، مما يعني أن أية رواية لما حصل تبقى رواية مفترضة حتى تظهر أدلة تثبتها أو تدحضها.

التاريخ المدون للبدايات الضبابية التي تسم الأديان جميعها ليس تاريخا للأحداث كما حصلت، إنما تاريخ للأحداث كما يجب أن تكون قد حصلت، تاريخ تدخله علاقات القوة وحاجات الشرعيات السياسية، تاريخ للمتعالي والمقدس والأبطال، ومهمته إعطاء المعنى للعالم الذي يعيشه البشر، تاريخ منتخب واختراع للأصول، وليس رواية لما حصل فعلا.

مسألتان فقد يمكننا أن نكون على يقين منهما: أولاهما تأخر تحول الإسلام إلى نمط حياة متكامل إلى نهاية العصر الأموي أو بداية العباسي، والثانية أن تصورنا للتطور السياسي للإسلام (من خلافة راشدة إلى خلافة- ملك وانتهاء بملك عضوض) كما تقدمته الرواية الإسلامية خاطئ تماما ومغاير لما حصل، وهو ينتمي إلى التاريخ القيمي، إلى النقد الذي رفعه الفقهاء في العصور المتأخرة على حكامهم عندما قدموا على الضد منهم عصرا ذهبيا كان الحكم في الإسلام بمثابة تراجع عنه. وهذا يتوافق مع ما أسماه بجمالية فهمي جدعان ب”الزمان الملحمي” (8) الذي شكل بؤرة محورية في رؤية الفقهاء ورواة الحديث وحتى المؤرخين – الذين أنتجوا هذا التاريخ- للعالم، التاريخ الذي يتجه نحو الأسوأ انطلاقا من زمن ذهبي مقدس، وربما ما علينا إلا أن نقول أن هذه البداية لم تكن إلا في لا مكان، إنها اليوتوبيا الشرطية للملحمة.

الهوامش
1- نشير هنا إلى سلسلة من الكتب والتي تناولت موضوع نشأة الإسلام ، وهي “القراءة السريانية الآرامية للقرآن” للوكسنبرغ، و”البدايات المعتمة” و”الإسلام المبكر” كمؤلفين مشتركين بإشراف كارل هاينس أوليش.

وهناك مراجعة نقدية للكتاب الثالث منها في مقال “تهافت التحريفية الجديدة” لدانييل برنشتيل على موقع القنطرة

http://www.qantara.de/webcom/show_article.php/_c-471/_nr-569/_p-1/i.html
وأيضا عمل للدكتور رالف غضبان عن الكتاب الأول في مقاله “معاني القرآن على ضوء علم اللسان”

http://www.middleeasttransparent.com/article.php3?id_article=1430
وما سأعتمد عليه هنا هو دراسة فولكر بوب من الكتاب الثاني “البدايات المعتمة”

Karl-Heinz Ohlig / Gerd-R. Puin (Hg.)
Die dunklen Anfänge
Verlag Hans Schiler

الدراسة
Wieso dunkle Anfänge des Islam?
Zur Frühgeschichte des Islam
Volker Popp

كما تجدر الإشارة إلى عمل “الهاجريون” لباتريسيا كرونه ومايكل كوك والذي ترجمه نبيل فياض ضمن هذا الاتجاه، وقد أشار بشير إلى هذا العمل في كتابه.

2- الدكتور سليمان بشير محاضر في جامعة النجاح في نابلس بالضّفّة الغربيّة الفلسطينيّة، وقد وضع الكتاب على أسا

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق