عودة الناسخ

   إلى: عبد السلام بنعبد العالي
 
” عندما تنحل هوية الأشياء، ينفلت الوجود حتــى
يبلغ وحدة المعنى فيشرع بالدوران حول المختلف”
                              دولوز.
 
–    1 –
  تتحدد مصائر النصوص- في كثير من الحالات- بعمل النُسّاخ؛ بمهاراتهم وأذواقهم وأمزجتهم. بنيّاتهم الحسنة أو السيئة، بوضعهم الاجتماعي، بسُلطهم.
  في بعض الأحيان يقدّم الناسخ تبريرا لما يقدم عليه من تعديل للنص، كما هو شأن رسالة طوق الحمامة لابن حزم، التي يصرّح ناسخها في نهاية النص، بتصرّفه في “أكثر أشعارها وإبقاء العيون منها تحسينا لها وإظهارا لمحاسنها وتصغيرا لحجمها وتسهيلا لوجدان المعاني الغريبة من لفظها”(1).
 
  لا يحذو أغلب النُسّاخ هذا الحذو خوفَ فضيحة أو محاكمة أدبية؛ فيعمدون إلى الحذف والإضافة والتعديل أملا في كتابة “أيسر” أو “أخف” أو “أوضح”؛ أملا في تقديم النص الأمثل للقارئ. يحدث هذا، بشكل خاص، عندما يكون الناسخ معنيّا بشكل ما بسؤال الكتابة؛ بالنص وما يطرحه من قضايا (شكلا، ومضمونا). يعمد الناسخ، حينها إلى الاجتهاد في العناية بالنص حتى تجاوز عنايته المطلوب فيهم بمصادرة حق المؤلف؛ باتخاذ موقعه، وتلبّس حقه في الكتابة(2). أمّا إذا كان الناسخ مجرّد أجير لا يعنيه من أمر الكتابة شيء، فالمهمّة تكون ثقيلة الظل؛ فتنتج عنها أخطاء السهو والجهل والنسيان.
 
  شأن الناسخ شأن الناشرéditeur: أوليس الناسخ ناشرا؟ أليس الناشر ناسخا، أيضا؟ ألا يعمل كثير من الناشرين على التدخّل في النص بالتعديل، أو الحذف، أو الإضافة؟ ذلك ما نلاحظه مع طوق الحمامة؛ إذ يتردّد ناشر معاصر في نشرها كاملة، لما تبيّن له من عيوب أخلاقية تعدّ “جرما- لا في حقّ النص فحسب- وإنّما في حقّ التراث العربي، وفي حقّ أجيالنا الصاعدة”(3).
  
تظهر خطورة الناسخ، هنا، في كونه مؤلّفا ثانيا؛ شريكا في الكتابة رغم أنف المؤلف. هل كان ذلك ليرضي كاتبا، من القدماء أو المحدثين؟ هل كان ليرضي رغبة ذاتsujet تسعى كي تنتصب أفقا في سماء المعنى؟
 
– 2-
 
  يطرح محققو المخطوطات جملة إشكالات، لا تهمّ فقط السؤال حول هوية كلّ من المؤلف والنص، ولكنهم يطرحون بشكل جذريّ السؤال حول ماهية الكتابة: يسعى المحقق، من خلال أدواته الفيلولوجية، من خلال خبرته، من خلال المادة التي استجمع حول النص ومؤلفه، إلى إخراج ” النص الحقيقي”.
  تبدأ مقدّمات الكتب المحققة، غالبا، بإعلان أهمية النص والصعوبات التي اعترضت المحقق. لكننا بعد ذلك نجد أنفسنا أمام خطاب ينتصر لفكرة “النص الحقيقي” فيعلن عن التطابقcorrespondance بين النص والمؤلف، مثبتا هويةidentité كل منهما.
  كما لو كان في مهمة بحث بوليسي détective يعمل المحقق على تعقب الآثار traces، وتجميع القرائن. يعمل المحقق ضد الناسخ؛ يعمل على كشف مكره، وتزييفه، وسهوه، وجهله. يقابل النسّاخ مع بعضهم فيكشف كل واحد تزييف الآخر؛ فتزول الغشاوة وتنكشف الحقيقة ـ النص.
 
 لكن كيف ينبغي التصرف عندما تشحّ القرائن، وتنطمس الآثار؛ حينما تعلن النسخةcopie أنها الأصل الذي لا نسخة له، وأنها الحقيقة الواحدة المطلقة؟ كيف يمكن مواجهة الخروم والانمحاءات والأخطاء، وهي تعلن عن علاقة عضوية بالنص؟
  
تسعفنا المقدمة التي أفردها عبد الرحمان بدوي لتحقيق “الأخلاق إلى نيقوماخوس” لأرسطو، على تعميق النظر في هذه القضايا؛ فالنص الذي اشتغل عليه بدوي نسخة فريدة(4) من مخطوط الترجمة العربية القديمة لـ”الأخلاق”. حالتها المادية سيئة (ثقوب، انطماسات، سوادات)(5)، زيادة في ترقيم مقالات النص (يشير المخطوط إلى وجود إحدى عشر مقالة، عوض عشرة كما هو معروف)(6)، فضلا عن ضياع كثير من أوراقها، وعدم ترتيب البعض الآخر من أوراقها(7).
  يستعين المحقق بنشرة Bekker للنص اليوناني، كما يستعين بنصوص لاتينية وعربية؛ تنتمي لحقب مختلفة، لمؤلفين ومترجمين ومختصرين ونساخ مختلفين، وينتهي إلى تقديم “النص الحقيقي”. فأيّ نص هذا الذي قدّم بدوي؟ ما جنسه؟ ما نسبه؟
 
  تبدأ الصفحة الأولى من المخطوط، حسب رواية بدوي، بالجملة التالي: “المقالة الأولى من كتاب أرسطو “الأخلاق” وهو المسمى بنيقوماخيا”(8). يتم إثبات نسب النص لمؤلف: لكن لا يذكر اسم المترجم، أو الناسخ. هل هو مجرّد سهو من الناسخ، أم هو موقف يعتبر الترجمة عملا ثانويا بالنظر إلى التأليف، ويعتبر المترجم، شأنه شأن الناسخ، مجرد وسيط؟
  يقطع المحقق الطريق على كل مكر، ممكن، فيعمل على فضح المستور: “لم يرد ذكر المترجم في مخطوطنا الذي ننشره. لكن لنتأمّل الترجمة العربية من حيث قوّتها وفصاحة عباراتها العربية يقطع بأنّ المترجم لا بدّ أن يكون هو إسحاق بن حنين، فهو نفس أسلوب ترجمة “في النفس” لأرسطو الذي نشرناه”(9).
 
نقرأ في النهاية، على غلاف الكتاب اسم المؤلف (أرسطو) ، وشركائه: اسحاق بن حنين (المترجم)، عبد الرحمان بدوي (المحقق)، ويظل اسم الناسخ غفلا، لكن المحقق يكشف هويته، رغم ذلك؛ إذ أن صنعته المتقنة (قلة الأغلاط في النسخ، والشكل، والنحو، ضبط الكلمات الصعبة، صحة رسم أسماء الأعلام اليونانية)، تدل على أنه ” عالم بالفلسفة فاحص مدقق”(10).
 
يبدأ المحقق بالرغبة في تحقيق التطابق بين المؤلف والنص، لكنه ينتهي إلى تنصيب شركاء للمؤلف في النص. يبدأ برغبة في قتل الناسخ، لكنه ينتهي إلى تمجيده، وتعديده؛ ينتهي إلى تنصيب الناسخ/النساخ شريكا/ شركاء في الكتابة.
– 3-
 
  الناسخ المعاصر أكثر جرأة، أكثر ثقة في نفسه؛ لذلك تجده يعلن عن اسمه صراحة. لقد أضحى اسمه علامة ملازمة للنص، بل وملزمة له في كثير من الأحيان. إنه عتبة Seuil أساسية لقراءة النص، وإطار محدد لمجال انتشاره، وفضاء لجمع قرائه.
  أصبح الناسخ/ الناشر، لاعتبارات تقنية ـ تجارية، وإيديولوجية يفرض اسمه على جانب المؤلف. وجوده موجه لعملية القراءة؛ وشرط من شروطها.
  إن انتشار الجامعات وارتباط المعرفة بالمؤسسات الآكاديمية، وظهور المجلات، كلها أمور فرضت على الفكر المعاصر أن يكون محكوما بالإحالة référence؛ ما يعني ضرورة استحضار الناسخ إلى جانب المؤلف.
 
  ثمة نساخ يفرضون أنفسهم في الأنترنت من خلال ظاهرة الكتب المصورة المطروحة للتحميل télécharger . يعمل هؤلاء على استنساخ الكتب، وإثبات أسمائهم على صفحاتها. أحيانا يعمل اسم الناسخ على حجب كلمات أو أسطر. ومثل أي ناسخ قديم، يترك الناسخ ـ المصور scanneur فراغات، وانطماسات، وسوادات. وقد يسهو أحيانا عن نسخ صفحة أو صفحات، لكن ما لا يسهو عنه هو إثبات اسمه (وقد لا يكون الإسم المثبت اسمه “الحقيقي”؛ قد يكون الإسم قناعا يعبر من خلاله الأنونيموس عن إديولوجية، أو عن رغبة، ممنوعة أخلاقيا أو قانونيا، ولا يمكن التعبير عنها إلا عبر قناع).
 
لا يتوقف النسخ في هذه الحدود، فالإمكانات التقنية التي تتيحها الكتابة عبر الحاسوب تسمح بالتدخل في النصوص من حيث الإضافة و التعديل و الحذف؛ إمكانات حولت ماهية الكتابة عندما جعلت “المقص أداة للكتابة”(11)؛ ففتحت المجال لمكر النساخ وحيل المنتحلين، وجعلت من “كل كاتب ناسخا”(12).
 
  هل من مجال لضبط الحدود بين النص والنسخة؛ بين المؤلف والناسخ؟ هل يكفي أن نفتح باب السرقات من جديد حتى نحمي النص/ الحقيقة؟ أليست الكتابة في حدّ ذاتها نسخا؛ محوا، إضافة، إثباتا، نفيا، تذكّرا، ونسيانا؟ أليست التقنية المعاصرة ثورة ضدّ الحدود بين الأصل والنسخة؛ أليست انتصارا للنسخ ـ السيمولاكرات simulacres، وقلبا للأفلاطونية13؟ أو ليس الزمان المعاصر، إذا، زمان العود الأبدي le retour éternel14 للناسخ؟
 
الهوامش:
 
1- ابن حزم الأندلسي، طوق الحمامة، مكتبة عرفة، دمشق، ص، 153.
2- راجع حول وضعية المؤلف ومن يعملون على منازعته مشروعية النص، في الثقافة العربية القديمة، عبد الفتاح كيليطو، الكتابة والتناسخ، ترجمة، عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، ط2، 2008. الواقع أننا ندين، بالشيء الكثير لهذا العمل في أشكلة سؤال الكتابة، ليس في الثقافة العربية ( القديمة) فحسب، ولكن سؤال الكتابة باعتباره سؤالا فلسفيا معاصرا.
3- الطاهر أحمد مكي، تقديم لتحقيق طوق الحمامة، أورده، عبد الفتاح كيليطو في: الأدب والارتياب، دار توبقال، ط1، 2007، ص، 28.
4- عثر عليها في الخزانة العامة بالرباط: أنظر، الأخلاق، تأليف، أرسطو طاليس، ترجمة، اسحاق بن حنين، حققه وشرحه وقدم له، الدكتور عبد الرمان بدوي، وكالة المطبوعات، الكويت، ط،1، 1979، ص، 38.
5- الأخلاق، نفسه، ص،40.
6- يشير المخطوط إلى إحدى عشر مقالة، لكن المحقق لم يعثر على المقالة المضافة إلى نص أرسطو (الذي يحتوي عشر مقالات فقط). لكن تعقب المصادر يقود إلى اكتشاف قيمة المقالة المضافة، وأثرها في الفكر الغربي الوسيط، راجع، الأخلاق،ص،42- 44.
7- نفسه، ص،40.
8- نفسه، ص،39.
9- نفسه،ص،45.
10- نفسه، ص،41.
11- عبد السلام بنعبد العالي، الكتابة بيدين، دار توبقال للنشر،ط1، 2009،ص،22. أنظر، كذلك عبد الله باعلي، قراءة ل كتاب ” الكتابة بيدين” ، جريدة القدس العربي، عدد،6252، 11 – 12 تموز/ يوليو 2009.
12- عبد السلام بنعبد العالي، الأدب والميتافزيقا،دار توبقال، ط،1، 2009،ص،25.
13- يقول جيل ولوز: ” إن قلب الأفلاطونية معناه: نفي أسبقية أصل ما على النسخة، وأسبقية النموذج على الصورة. إنه تمجيد لسيادة السيمولاكرات و الانعكاسات reflets”
Gilles Deleuze, Différence et répétition, PUF, 4e ed, 1981,p,92.
14- “إن العود الأبدي، يقول دولوز، بمعناه الدقيق يعني: أن الشيء لا يوجد إلا من خلال استعداده للعودة؛ نسخة عن نسخ لا متناهية، تقضي على أي فرصة لحضور ما هو أصلي original، ولا تبقي حتى على أصل”، نفسه، ص، 92. 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This