عولمة أم غربنة؟

لا تفي العولمة بوعودها. فبينما تنتشر أنماط الحياة والعلوم والتّكنولوجيات على الصّعيد العالميّ، ما زال القسم الأعظم من الإنسانيّة غير قادر على المشاركة في صنع مصير إنسانيّ مشترك.

أمر مشوّق أن نفسّر العولمة باعتبارها امتدادا بطرق مختلفة لغربنة occidentalisation العالم. فسواء شدّدنا على الهيمنة الاقتصاديّة أو الثّقافيّة، فإنّه يبدو أنّ الغرب، الّذي تقوده الولايات المتّحدة منذ الآن، يكمل العمل الّذي باشره منذ خمسمائة سنة من احتلاله العالم. توفّر هذه القراءة مفتاحا لتفسير رفض العولمة، ذلك أنّ التّسلّط الثّقافيّ يصطدم بيقظة الحضارات الكبرى الّتي تمّ استبعادها بالأمس. كما أنّ الهيمنة الاقتصاديّة تؤجّج عودة القوى المعادية للرّأسماليّة. إنّ العولمة تستأنف صراعات قديمة سواء كانت في شكل حرب دينيّة جديدة أو في شكل صراع طبقيّ كونيّ جديد.

ميزة هذه القراءة هي البساطة التّاريخيّة. فليس فيها سوى ضرر الخلط بين الأسطورة والواقع. فليست المشكلة الرّئيسيّة للعولمة اليوم أنّها تؤجّج النّزاعات الدّينيّة أو الصّراع الطّبقيّ، بل هي متّصلة بسبب آخر أكثر بساطة وأكثر جذريّة: وهو أنّ العولمة لا تفي بوعودها. فهي تعطي صورة عن وجود تقارب جديد بين الأمم والحال أنّها ليست سوى صورة افتراضيّة. إنّ التّطوّر كما حلّله أمارتيا سان Amartya Sen هو أن يُعطى الأشخاص والمجتمعات الوسائل الكفيلة بنحت مصائر تليق بانتظاراتهم. لكنّ مشكلة العولمة هي أنّها حتّى الآن غيّرت في توقّعات الشّعوب أكثر ممّا نمّت قدراتها على الفعل. حتّى في الحالات الّتي تعتبر مسبّقا الأكثر ملاءمة لهذا النّموّ فإنّ الوضع يبقى مضنيا. فلئن أصبح السّاحل الشّرقيّ للصّين ورشة جديدة للعالم إلاّ أنّ 800 مليون فلاّحا فقيرا يتمنّون الحصول على حقّهم في العودة للإقامة فيه. كما أنّ أكثر من نصف سكّان الهند مازال لا يعرف القراءة والكتابة. وتظلّ المهمّة الّتي تنتظر البلدان الفقيرة، من أجل أن تصبح بدورها مراكز مزدهرة، كبيرة بل مثبطة للعزائم لدى البعض منها. لن يتمّ التّعامل بجدّيّة كافية مع قوّة الإحصائية التّالية، وهي أنّ نصف سكّان المعمورة يعيش بأقلّ من 2 أورو في اليوم. وينبغي عليهم انطلاقا من هذا الأساس الهشّ أن يبنوا طرقات وأن يعلّموا شعوبهم وأن يتحكّموا في تكنولوجيات تتطوّر باستمرار. للوصول إلى الأنترنت لا بدّ أوّلا من توفير خطوط هاتفيّة. ولتحديد دواء ما يُحتاج إلى أطبّاء. وهكذا، تظلّ العولمة بالنّسبة إلى السّواد الأعظم من السّكّان الفقراء فكرة لا يمكن بلوغها.

{{نظريّة الرّافعات:}}

لو استعرنا الصّورة الّتي يقترحها جوّال موكير Joel Mokyr فإنّ ثروات بلد من البلدان، تحرّكها سلسلة الرّافعات الّتي ترفع الواحدة منها الأخرى، أكثر ممّا يحرّكها فعل العمل الإنسانيّ وحده. الرّافعة الأولى هي المتّصلة بالتّعليم أو الخبرة المهنيّة. فمن يعرف القراءة والكتابة لديه مهارات أكثر من الأمّيّ. والرّافعة الثّانية هي الّتي توفّرها الآلات. إنّ فعاليّة مهندس ما تختلف بحسب امتلاكه أو عدم امتلاكه لحاسوب. وتقوم الآلات نفسها بوظيفة الرّافعة الثّالثة، الأكثر غموضا: هي ما يُسمّى “الفاعليّة الإجماليّة” الّتي تتضمّن التّقدّم التّقنيّ والنّجاعة التّنظيميّة للمؤسّسات. فالشّرائح الموجودة في الحواسيب، مثلها مثل أيّ تنظيم جيّد للعمل، تخفّف من قوّة الآلات. إنّ هذا البعد الثّلاثيّ التّظافريّ هو ما يفسّر النّموّ الاقتصاديّ الحديث، وهو ما يوضّح فقر البلدان الفقيرة.

تستخدم البلدان الفقيرة نفس الرّافعات الّتي تستخدمها البلدان الغنيّة. لكنّ الكارثة هي أنّ تلك البلدان تعاني كلّ واحدة منها من اختلال بين الموجود وبين ما يجب أن يكون. فعندما يستخدم عامل في بلد غنيّ رافعة منسوبها 100، يتصرّف نظيره من بلد فقير في رافعة لا يتجاوز منسوبها 65 كمعدّل. كما أنّ كلاّ من التّعليم ورأس المال والفاعليّة الإجمالية هو أقلّ من الثّلث تقريبا. وباعتبار أنّ التّفاعل بين هذه الرّافعات الثّلاث هو تفاعل تظافريّ، فإنّ العامل في بلد فقير لا ينتج إجمالا إلاّ مردودا بـ 65% مضروبا في 65%، مضروبا مرّة ثانية في 65%، وهذا لا يمثّل في آخر الأمر سوى 27% من المستوى الحاصل في البلدان الغنيّة: مرّة ثانية نجد النّسبة المتراوحة من 1 حتّى 4 بين دخل الأغنياء والفقراء.

النّتيجة مذهلة أكثر في حالة البلدان الموجودة في أسفل السّلّم. في أفريقيا مثلا، تساوي كلّ واحدة من المكوّنات الثّلاثة للثّروة ما يربو على الـ 50% من مستوى البلدان الأغنى. فبعد استخدام تلك الأطراف الثّلاثة معا، لا تتجاوز إنتاجيّة العامل الأفريقيّ الـ 12% ممّا ينتجه العامل الفرنسيّ. لم يعد إذن بوسع بلد أفريقيّ أن يأمل في اللّحاق بالبلدان الغنيّة فيكتفي، لو أمكن له ذلك، بتسريع إيقاعات الشّغل. ولا تستطيع كلفة العمل الضّعيفة، أو تستطيع بالكاد، أن تتعامل مع الإعاقة الإجمالية الّتي يعاني منها مجتمع فقير: بنى تحتيّة ضعيفة ( الطّاقة باهظة)، ثمن الموادّ الأوّليّة في ارتفاع (وهو ما يمثّل مسبّقا قمّة المصائب)، ثمن رأس المال في تزايد بسبب وجود افتقار شامل…

إنّ تراكم المعوّقات هو ما يجعل اليوم من مهمّة الخروج من الفقر أمرا صعبا للغاية. فلا التّعليم ولا الاستثمار ولا شراء التّكنولوجيات الأجنبيّة كافية لوحدها، إن لم يتمّ استخدامها في الوقت ذاته الّذي تُستخدم فيه بقيّة الرّافعات.

{{روح الرّأسماليّة:}}

ليست الرّأسماليّة قادرة بنفسها على أن تنتج “الرّوح” الّتي تحتاج إليها لكي تزدهر. كان ماكس فيبر ينسبها إلى البروتستانتيّة، وكثيرون هم الّذين يرون فيها خاصّيّة غربيّة. وعلى النّقيض من ذلك، برهن التّباعد المذهل بين مصائر الشّعوب إثر الحرب بين تايوان والصّين الشّعبيّة على هشاشة هذه الأطروحة. ذلك أنّ نشر السّلوكيات هو أكثر تواترا ممّا نتصوّر. وهكذا فإنّ المشابهات الدّيمغرافيّة والاجتماعيّة بين بلد إسلاميّ وبلد مجاور غير إسلاميّ أقوى ممّا هي بين بلدين إسلاميين متباعدين جغرافيّا. وهذا لا يوحي مطلقا بوجود «حضارة كونيّة»، ولكنّه يَعِد بالتّأكيد بتقاطعات عديدة. حين يكتب صامويل هنتنغتون أنّ «نفرا من الشّباب في مكان ما في الشّرق الأوسط قد يلبسون فعلا الجينز ويشربون الكوكاكولا ولكنّهم أيضا قد يفجّرون طائرة من الخطوط الأمريكيّة»، فهو يوجّه أقوالا في ظاهرها منطقيّة ولكنّها قابلة للارتداد عليه. فالإيرانيون بوسعهم أن يحرقوا علم أمريكا أمام كاميرات التّلفزة لكنّهم رغم ذلك يتبنّون سرّا السّلوك الّذي يندّدون به جهرا. ولا يعود هذا إلى تأثير آليّ لتقارب بين ظروفهم المادّيّة، بل إلى «أنّ شيئا ما» متعلّقا بالثّقافة الغربيّة بل الهوليوديّة يجذبهم. إنّ المفارقة المركزيّة لعصرنا هي أنّ فكرة المواطنيّة الكونيّة، المتعذّر بلوغها ما قبليّا، هي متقدّمة بشكل غريب على مبدأ تحقيق المساواة بين مستويات التّنمية. فوجود البلدان الغنيّة في حدّ ذاته، أكثر من كونها تستغلّ الشّعوب الأخرى اقتصاديّا أو تفسدها ثقافيّا، يمثّل للأمم الأخرى مشكلة وجوديّة. فأن تصنع تلك البلدان الغنيّة اليوم التّكنولوجيات الّتي تستعملها المعمورة كلّها هو أمر مفيد للغاية ولكنّه في نفس الوقت تعبير عن الطّغيان أيضا. كلّ شيء يجري كما لو أنّها تمنع كذلك اكتشافات أخرى ممكنة. فوجود الهاتف أو التّلفاز يجعل من غير الممكن التّفكير في ماذا كان العالم سيكون لو لم يحدث هذا الاختراع.

بشكل متزايد، صارت التّقنيات أكثر من مجرّد أدوات. ويوضّح عالم الإحاثة أندريه لوروا- غوران André Leroi-Gourhan أنّ الإنسان العاقل homo sapiens استطاع أن يتطوّر بفضل استعمال الأدوات بشكل تكامليّ وليس عبر النّقل المباشر للأفكار والتّصوّرات من جيل إلى آخر. فبلدان الجنوب، وكذا البلدان الأوروبّيّة في مواجهة الولايات المتّحدة، تعتبر أنّ حرمانها من خلق معارف جديدة وتكنولوجيات جديدة يعادل إقصاءها من التّاريخ. فليس باستهلاك هذه الخضار أو تلك فقط يكون الإنسان سعيدا. إنّ الدّروب الّتي تفضي به إلى تشكيل ذوقه، والسّيرورة الّتي تحمله إلى اختيار ما دون آخر هي أيضا أساسيّة كما الاختيار ذاته. تريد البلدان الفقيرة أن تتجهّز بكلّ شيء من المجاري حتّى الأدوية، ولكنّ هذا الطّلب لا يتناقض مع طلب آخر هو المساهمة أيضا في كتابة تاريخ عالميّ لا يُختزل في تقليد البلدان الأكثر تصنيعا تقليدا آليّا. يستدعي فهم العولمة أن نتّخذ مسافة واحدة من النّظرة الميكانيكيّة لأولئك الّذين يعتبرون أنّ مراحل النّموّ الاقتصاديّ محدّدة سلفا ومن نسبيّة المتحمّسين لصدام الحضارات الّذين يرون أنّ أيّ شعب ليس بإمكانه إلاّ أن يستمرّ ثابتا فيما هو فيه. ولأنّ النّوع البشريّ غير قابل للانقسام، فكلّ شعب معنيّ بأسئلة الاكتشافات التّقنيّة أو الأخلاقيّة الّتي صنعها الآخرون. لهذا السّبب أيضا لن يكون العالم أبدا «عادلا» طالما لم تحصل لدى الشّعوب قناعة بأنّها جميعها تساهم في اكتشاف مصير إنسانيّ مشترك وفي صنعه.

{{
المقال منشور بالفرنسيّة بعنوان: Mondialisation ou occidentalisation ، في مجلّة «العلوم الإنسانيّة»،10 questions sur la mondialisation – Mensuel n° 180 – SPÉCIAL – mars 2007}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق