عيش مرفه وحداثة وثراء في وسط المدينة؟! / فادي طفيلي

المدينة، بحسب وجهة نظر روبيرت بارك، عالم الإجتماع الأميركي وأحد روّاد مدرسة شيكاغو السوسيولوجيّة الشهيرة، هي حالة أبعد من أن تكون مجرّد اجتماع لأفراد، أو شبكة من الوسائل الاجتماعيّة المؤلّفة من طرق وأبنية وأضواء ووسائل نقل واتّصالات. إنّها، بحسبه أيضاً، ليست مجرّد مجموعة من المعاهد والمؤسسات والأنساق الإداريّة، كالمحاكم والمستشفيات والمدارس وإدارات الشرطة وقواها وباقي الوظائف والمؤسسات المدنيّة.

المدينة على الأصح هي حالة ذهنيّة، وجسمٌ من العادات والأعراف، ونسق من المواقف والآراء المنتظمة التي تلازم تلك العادات، وتنتقل من خلال الأعراف.هي ليست مجرّد آليّة مادّيّة أو بِنَاء مصطنع. بل حالة متحرّكة تماشي الأنشطة البشريّة التي تكوّنها في الأصل، وتنخرط بها. إنها وليدة الطبيعة. الطبيعة البشريّة بالتحديد، ووليدة للبواعث التي توجّهُ مسارات البشر.

من هنا فإنّ المدينة ليست كائناً جامداً، حتّى لو تشابهت مكوّناتها الماديّة والإنشائيّة. روّاد مدرسة شيكاغو أنفسهم، الذين وضعوا خارطة لولبيّة قرأوا من خلالها السياق الذي تتراكم عبره المكوّنات الاجتماعيّة والطبقيّة للمدينة، كما مكوّناتها الوظائفيّة، أبقوا تعريفهم للحالة المدينيّة مفتوحاً وطيّعاً وذلك حين ربطوه بالبواعث التي توجّه مسارات البشر. خارطتهم تلك قد تُقرأ خطوطها في كلّ مدن الحقبة الصناعيّة في العالم، لكنّها تبقى خارطة طيّعة، متنوّعة المعاني، وأحياناً معكوسة الاتّجاهات. إذ أنّ المدن قد تتشابه في الشكل والمواد والعناصر الوظيفيّة. لكنّها قد تختلف، وأحياناً على نحو جوهري، في أهواء وتوجّهات شرائحها الاجتماعيّة.

قد نسلّم، وفاقاً للسياق الكلاسيكي المعتاد في حركة القادمين الجدد نحو مدينة ما، أنّ تموضع القادمين الجدّد هؤلاء، بالنسبة للمدينة التي جاؤوا إليها لن يكون منذ البداية في عمقها، أو في ما يعرف من أقسامها بـ «المدينة الداخليّة».

علاقة القادمين الجدد، أو المهاجرين، مع المدن التي يقبلون عليها، خاصّة المدن التي مرّت عليها حقب التصنيع وما رافقها وتلاها من أزمنةِ تكوّن الهويّة القوميّة والإحساس بها، تتميّز بشيء من الوظيفيّة الصارمة.
«المدينة الداخليّة» بالنسبة لهؤلاء القادمين هي عنوان للعمل وحسب. العيش، وما يتضمّنه من بيت وسوق للتبضّع ومكان عام للنزهة والتفاعل، يبقى عيشاً في أقسام المدينة الطرفيّة.

حتّى أن هؤلاء، إذ يُقبِلون إلى مدينتهم الجديدة المرغوبة، كأنّهم يقبلون إلى أطرافها، فيحاولون تركيز أنفسهم والتوطّن في تلك الأطراف القصيّة والهامشيّة. ومن هناك، من هذه الأخيرة، تبدأ تجاربهم في التقدّم التدريجي نحو المدينة الداخليّة، وذلك في إطار العمل أولاً، ومن ثمّ في إطار الانتقال إلى عمل آخر، ثمّ للاكتشاف، ومن ثمّ للتعارف واللقاء وتوسيع دائرة العلاقة مع المدينة، عيشاً وعملاً.

النسق الأخير في العلاقة بين القادمين الجدد إلى المدينة وبين هذه الأخيرة وحياتها، يمكن قراءته في علاقة المهاجرين الأفارقة بمدينة أمستردام الهولنديّة مثلاً، منذ سبعينات القرن الماضي وثمانيناته. وهو نسق دخل في تقاليد المدينة المذكورة وأعرافها، فبات كلّ قادم جديد إليها يمرّ في «مصهر» الضواحي الطرفيّة إلى غربها وجنوب شرقها، قبل أن يكوِّنَ صلةً ما مع وسطها العريق والتاريخي.

ضاحية بايلمر في جنوب شرق أمستردام هي مدخل المهاجرين إلى الحاضرة الهولنديّة وإلى المركز الثقافي والاقتصادي والسياحي للأراضي المنخفضة. معظم المهاجرين القادمين من دول شمال أفريقيا وأفريقيا الغربيّة والوسطى كانوا قد مرّوا في تلك الضاحية الشبيهة بالضواحي الباريسيّة، فسكنوا في شقق أبنيتها «الاشتراكيّة» الصغيرة والرخيصة وأخذوا يبحثون من هناك على عمل ويبدأون معاملات تسوية أوضاع إقامتهم الشرعيّة، ويراقبون من أسطح بناياتهم وشرفاتها مشهد أمستردام الوسطيّة بأضوائه الرومنطيقيّة، ويحلمون من هناك في الانتقال إلى «أوسدورب»، الضاحيّة الأخرى غرب المدينة والتي تعدّ بمثابة الخطوة الثانية للاقتراب من النسيج الداخلي أكثر فأكثر.

والواقع فإنّ الواقف في نقطة مُشرفة بوسط أمستردام، المدينة الدائريّة اللولبيّة، والناظر إلى طبقاتها العمرانيّة الأفقيّة، حيث سيشاهد حول الوسط المدينيّ القديم (Loop) زنّار المصانع ومداخنها، ومن بعده هياكل مباني الضواحي المحيطة، لا بدّ له أن يستذكر بعض خطوط وأقسام خارطة النمو المدينيّ التي وضعها روّاد مدرسة شيكاغو السوسيولوجيّة في عشرينات القرن المنصرم. والحال فأنّ أمستردام، المدينة ذات التقاليد والأعراف الراسخة، تبدو من خلال حركة القادمين الجدد إليها، ومن خلال علاقتهم التدريجيّة مع وسطها ومع ما يحيط به من نسيج داخلي، قريبة من الترجمة الواقعيّة لخارطة النمو المدينيّ النمطيّة.

ثمّة شيء واضح وحقيقي، يعبّر عن علاقة المدينة بالقادمين الجدد إليها، يستشفّه الرائي في أمستردام من مجرّد النظر، من نقطة مشرفة، إلى امتدادات المدينة الأفقيّة وعلاقة أقسامها مع بعضها البعض. عوامل عدّة ساهمت في وضوح الرؤية تلك، عوامل كمثل حجم المدينة غير الهائل، مثلاً، وفكرة أنّها مسطّحة بلا منحدرات وتلال، هذا إضافة إلى نسقها الأوروبي القديم الواضح المعالم، الذي يجمع أنماط القرون الوسطى المغلقة، برحابة عصر الأنوار وصولاً إلى تجارب حقب الازدهار التجاري والصناعي ومن ثم الحداثة.

هنا في تورنتو، عاصمة مقاطعة أونتاريو الكنديّة، الأمر يختلف تماماً عمّا هو الحال في أمستردام من ناحية العلاقة المشهديّة بخارطة «مدرسة شيكاغو». والاختلاف هذا يأتي على رغم كون تورنتو أقرب بكثير ممّا هي أمستردام إلى شيكاغو، وتقع ضمن الفضاء الحضاري إيّاه الذي تقع فيه المدينة الأميركيّة الأساس التي بنا روّاد «مدرسة شيكاغو السوسيولوجيّة» نظريّاتهم وتوجّهات تحليلهم الاجتماعي على نسقها.

الاختلاف المذكور لا يرتبط فقط بالمساحة الهائلة للمدينة الكنديّة المذكورة مقارنة مع أمستردام الهولنديّة. فشيكاغو بدورها هي مدينة هائلة، تعدّ الثالثة من حيث المساحة بين مدن الولايات المتّحدة الأميركيّة. بل يأتي اختلاف تورنتو في هذا الإطار ضمن معنى الهجرة فيها، وضمن سياق حركة المهاجرين بين أقسامها وأنحائها.

ففي خمسينات القرن الماضي، حين ضُمت اثنتا عشرة بلدة حول تورنتو إليها، كي تصبح «تورنتو الميتروبوليتيّة»، كانت المدينة المذكورة تشهد آنذاك طفرة الازدهار العمراني والمالي والصناعي في حقبة ما بعد الحرب العالميّة الثانية. ولأنّ محيطها وأطرافها التي انضمّت إليها كانت بلدات مأهولة، فأن الوسط المدينيّ بدا بمثابة منطقة حياديّة، أو محايدة، استقبلت آلاف المهاجرين القادمين للانخراط في نهضة المدينة الكبرى التي أخذت تتطلّب أفواجاً من عمّال البناء وحرفييه ومن النجارين وعمّال الصحيّة، وعمال المصانع والمناجم وشق الطرق.

الإيطاليّون في تلك الحقبة مثلاً، والذين شكّلوا بعد البريطانيين الهجرة الأكبر إلى كندا في الخمسينات، وجدوا فوجاً إيطالياً مهاجراً منذ عشرينات القرن الماضي قد سبقهم وأسّس لهم ما يعرف في وسط تورنتو اليوم بـ «ليتل إيتالي». الحيّ المذكور يقوم في الوسط المديني لتورنتو، في منطقة شارع كوليدج، وهي منطقة تأسست على مقربة منها جامعة تورنتو (جامعة «كينغ» -الملك- سابقاً) في عشرينات القرن التاسع عشر. وحين تسارع التخطيط المديني وأخذت العقارات الكبرى التي يمتلكها المستثمرون الأوائل تُقسم، وتشقّ الطرق حولها ومن بينها في مطلع القرن العشرين، كان المهاجرون الإيطاليّون قد حجزوا مكاناً لهم هناك قريباً من ورش الطرق الفسيحة والجادات التي يعملون فيها.

حجم المشاريع الكبيرة في وسط المدينة، هذا الأخير الذي يفوق بكثير حجم الكتلة السكانيّة الأولى فيها، كأنّه حجز للمهاجرين العمّال مكاناً وسطيّاً كي يكون حيّاً لهم حافلاً بمحال الخضار والدكاكين والحلاقين والخيّاطين ومصلّحي الأحذية والمطاعم والحانات والمسارح والكنائس ووكالات السفر. وقد دخل ذلك في تقليد المدينة وأعرافها، حيث بات القادمون الجدد يأتون إلى وسط المدينة أولاً، فيقيمون فيه ملتحمين مع بني جلدتهم الذين سبقوهم إليه، ويؤسّسون حضورهم ثمّ ينطلقون منه إلى الأطراف والضواحي، التي هي هنا، على عكس الحال في مدينة أمستردام مثلاً، مناطق سكن النخب الجديدة ومناطق العيش المرفّه والحداثة والغنى.

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق