عيـدٌ جنوبيّ الباسفيك

أول أيام العيد

“..ومصداقاً لحكمة مُستعربي السودان القائلة بأن “النيِّئة .. للنار!”

(كمال الجزولي، رزنامة الاسبوع) [1]

حتى تمام الساعة الثانية بعد الظُّهر لم يكن لي أن اكتشف أنه فعلاً يوم العيد، هاتفني صديقي مذكراً أنه عامٌ آخر قد انقضى هنا. انتابتنا معاً لحظة صمت لم يسأل أحدنا الآخر علامَ كان صمته.. ألحقنا صمتنا ذاك بتغافل مُصطنع، فضحه فيما يبدو غياب أصواتنا .. لبُرهة.

ثم انتفضت لأسأله: ماذا تفعل الآن؟

قال: إنه ما زال يحرس نفس الباب!

وما لبث أن أضاف.. إنهم نفس الزَّبائن، ونفس العمال، ونفس اليافطات!

قلت له: فهو بالنسبة لي نفس العيد السابق، ونفس الوجوم… واليافطات عينها!

ودَّعني.. فودَّعته بنفس طريقة وداعه! “على أمل اللقاء غداً.. ولكن كلانا يُضمر خفاءً حقيقة أنّنا قد لا نلتقي الاّ بعد عام”.

عندما حلَّ المساء.. تجوَّلت مساءَ هذا العيد، بالمواقع السودانيَّة على الشبكة العنكبوتيَّة، فإذا بها جميعها قد تلَّبستها حالة عيد.. كُتب على مُعظمها:

*مثلاً: سودانيل، كل عام وانتم بخير نحتجب الآن حتى..!

اذاً أين المفر؟

المدينةُ هنا لا تلبس ثياباً جديدة، الناس يزاولون حياتهم كالمعتاد، بالرغم من أن العيد هذا العام قد صادف عُطلة نهاية الأسبوع.. فنهاية الأسبوع هنا؛ الحانات مُترعة بالزبائن، والشبان الصغار يتجمعون وهم في طريقهم من أطراف المدينة إلى قلبها.. يتخذون مقاعدهم بفوضى داخل القطارات، الفتيات الشقراوات اليانعات، الصغيرات، يتبادلن أرقام المحمول مع شبان يكبروهن بقليل. نساءٌ ثلاثينيات بصحبة بعض الرفاق والأصدقاء، وواحدة، منزوية منهمكة بوضع أنواع من “البودرة” على وجهها وتُرطب شفتيها بشئٍ ما يُحيلك لإشتهائها!.

المدينة اذاً صاخبة هذا المساء..

هاتفني صديقٌ آخر، حاملاً أخبار البلد، والتي يبدو أن أخبارها دخلت خانة السوق السوداء للحصول عليها “فالبلد في حالة عيد”.

قال صديقي: إن الحركة الشعبية، قد علَّقتْ مُشاركتها في “حكومة الوحدة الوطنيَّة”.

طلبت منه بلطف أن يُوضح ماذا يعني بكلمة “علَّقتْ” ، فتفذلك، وتلخبط ولم يُبن.

ثمَّ اردف قائلاً: انه بمثابة “الحرد” بين الشريكين، فمثل هذا “الحرد” يتم غالباً في كثير من حالات الزواج التي تتم غالباً دون قبول من الأهل! لأن حياة الزوجين في معظم الحالات، تتبدّل بعدها إلى مُشاحنات ومُلاسنات “ومطاعنات”، ما يلبث بعدها أن يكتشف أحد الطرفين، مدى تسرعه.. ومدى تورطه؛ ولكن بعد فوات الآوان.

قاطعته قائلاً: ألم يكن من أحد مُناصحاً أو مُصلحاً بينهما.. انتفض صديقي مذّكراً بأنه محض مثال أتى به موضحاً لي عبره ما تم في ذلك الحدث، ولفت انتباهي ان القصة التي ساقها كمثال يبدو انها قد استهوتني.

تجاوزاً، منا لذات الموضوع.. سألنا الله الستّر واللُّطف لكل الزيّجات!

ثاني أيام العيد

“.. كتبتُ اجناساً مختلفة من المكتوب، القصة هي التي تُملي عليك المضامين التي يُراد اخبارها سرداً”

((دوريس ليسنغ، نوبل للآداب 2007″ [2]

هذه المدينة “سيدني” لها طقس مُتَّقلب، دائماً ما يُعيدني بالذاكرة لمقولة أحد الشبان النيوزيلندين والذي كان يُزاملني العمل، فهو يثق بإسراف في كونه يمتلك مقدرات فائقة في جذب الفتيات نحوه، فكان دائماً ما يشبِّه طقس المدينة بمزاج شقراواته..!

شمس سيدني الأكتوبرية الحارقة تلفحك بوهجها، كملامح صديقات “أخينا” النيوزيلندي وشعورهن المُسدلة كسناوات الشمس، تتحرش بك منذ استيقاظك الباكر وتصحبُك بوهجها أطراف نهارك، ولا تسلم منها إلاّ بغروبها خلسة؛ فساعات يومك جنوبيّ الأرض تُغافلك مُسرعة، كأنها على موعدٍ من وراء ظهرك مع تلك الشمس الشقراء عند المغيب.

.. هكذا كان الوقت مُسرعاً ثاني أيام العيد.. مُعايدات وزيارات، لا تتجاوز التنميّط ولا تقاومه .. فجميعنا استسلم لهذا الإيقاع المُتعولم وسلوكنا المُنسجم والمنفصم في آن معه، بكلَّ طيبة خاطر “ألسنا أناسا طيبين؟”؛ وتعايشنا السلميّ (المحكيّ عنه) مع “تابوهات” حقنونا بها منذ مجيئنا لهذه البسيطة! كل عيد ونحن نردِّد “تعود الأيام”، عادةٌ ورثناها فصرنا نخدر بها ذواتنا المُنهكة مسافة عام، لذا هو موسم نسوِّق فيه أحلامنا المُهدرة منذ الخليقة، لنوزِّعها “كحلاواتِ” عيد لأطفالنا السُّمر الحالمين!

..عند المساء.. التقطت عدد نهاية الأسبوع من صحيفة The Weekend Australian العنوان الرئيس بها يحمل عنوان مفاده أن رئيس الوزراء هاورد سوف يقوم بطرح برنامجه للإنتخابات العامة المزمع عقدها بنهاية نوفمبر 2007/11/22 . اذاً حتى الصحيفة تُخِّيم عليها أجواء الإنتخابات ووعود الساسة وضجيجهم يوم العرس، وانغماسهم في شهور عسل تطول، بعد زفَّهم لسَّيدة الحُسن “سُلطة”.

لم أُطل البحث بين صفحات السياسة تلك، ما كان يعنيني هو محاولة العثور على مزيد من الأخبار عن تلك السيدة البريطانية التي حازتْ هذا العام على نوبل للآداب، كنت شغوفاً لمعرفة تفاصيل أوفى عنها وعن أعمالها والتي لا أدعي أني قرأتها من قبل.

بحثت دون جدوى ولم أعثر بين صفحات ذلك العدد على شئ يُذكر يخصها… توجهت بعدها مباشرة لطاولتي العزيزة والتي بها ذلك الجهاز الصديق (الكمبيوتر)، أشعلته برفق فقد خامرني احساس أوحى لي بمدى تورطه معي هو الآخر.. فحتى الأعياد لا يجد بها ملاذاتٍ آمنة، تقيه من ضغطات أصابعي الطويلة على أعصابه ومفاتيحه.

على اي حال، وبعد لأيّ عثرت على بعض المعلومات، المسجية على صفحات الموقع الرسمي لجائزة “نوبل”. فالسيَّدة هي الروائية البريطانية دوريس ليسنغ Doris Lessing والتي كانت قد ولدت في طهران 1919 ورافقت والديها إلى روديسيا (زيمبابوي الآن). السيدة البريطانية بدأت تكتب منذ نعومة أظافرها في الثامنة من العمر، والمفارقة الطريفة أنها لم تحظ بالتكريم إلاّ بعد أن صار عمرها 88 أي بعد ثمانية عقود!. قالت إنها كتبت عن كل شئ، بدءًا من أخبار القطط والطيور الى حرب العراق (مناهضة لمشاركة بلادها بالحرب)، تقول إنها كانت شيوعية ملتزمة في شبابها. قالت إنها دائماً لا تحفل كثيراً ولا تأبه لآراء النقاد حول أعمالها والتي غطّت كل أجناس الإبداع ما عدا الشعر. كما قيل إن اصداراتها تفوق الثلاثين اصدارا. أبدت السيدة ضيقها من ملاحقات الصحفيين لها، المحتشدين أمام دارها بعد إعلان فوزها بالجائزة، متذرعة بأنهم سوف يشغلونها عن الفراغ من إنجاز روايتها الجديدة التي بين يديها!

{{ثالث أيام العيد}}

“وطني لو شُغلت في الخلد عنه .. نازعتني إليه في الخلد نفسي”

(أمير الشعراء، أحمد شوقي) [3]

هذا اليوم صادف يوم الأحد وهو آخر يوم في عطلة الأسبوع، يوم الفناه هنا خاملاً وقصيرا. الناس غالباً لا تفارق مساكنها. المُسنون يبدأون صباحهم بالذهاب إلى دور العبادة، الشبابُ لا يبتدرون يومهم في “آحاد” سيدني إلاّ متأخراً جداً، فالليلة التي تسبقه تكون عادةً مليئة بالصخب والإعياء والذي يتملك الجميع دون استثناء، ولكن بقدر مضاعف بالنسبة إلى الجميلات!

لذلك اخترت أن أمكث ببطن داري، نُعد اغراضنا لاستقبال الأسبوع الجديد، طبعاً سأسرد هنا قليلاً ولكن دون اسهابٍ يؤذي! فالرجل “السودانويّ” مِّنا جنوبيّ الأرض هنا .. قد لا تتّعرف إليه “أمه” شمال الأرض لاحقاً أبداً، فالواحد منا يتحول بِسطوة القانون وقِلَّة الحيلة الى شخص مختلف تماماً، لتُصبح مزاولة الأعمال المنزلية في عطلة آخر الأسبوع مُجرد فرض كفاية بالنسبة للنساء الرائعات!.

عموماً، بعد أن رُفعت الأحكام، وجفَّت الصحون .. ذهبت لمزاولة عادة جمع القُصاصات. وهي بالمناسبة عادة ألزمت نفسي بها لأكثر من عام خلا، اذ كنت قد طلبت من أحد الأصدقاء المقيمين في مصر إرسال كتاب كان قد خرج للتو هناك للروائي المصري الفذ صنع الله ابراهيم عنوانه “يوميات الواحات”، بعث به الرجل اليّ مشكوراً، ولكن ما لبث أن تملّكني نوع من الإحباط بعد اطلاعي عليه، فقد كنت أمني النفس بقراءة جديدة لرواية من صنعه (أيّ صنع الله)، ولكن الكتاب كان يتخذ شكلاً مغايرا، حيث جاء عبارة عن تجميع لقصاصات كان الكاتب قد ادخرها خلال مسيرة حياته الحافلة بالسجون والمطاردة من قبل السُلطات. ولعل طريقة إخراج الكتاب تلخصها هنا مقولة شعبية شهيرة “القرش الأبيض .. لليوم الأسود” فمن يومها حدثت نفسي أن أسير على هديه وأجمع كل ما تقنع به بصيرتي وينال استحسانها، ولكن إلكترونياً في هذا الزمان.. الرقميّ، وأعمل على جمعها وترتيبها آحاد كلّ اسبوع.

من القصاصات التي أدماها مقصّي، وآلت لتجاور كثيرا من الملّفات بنهاية هذا الأسبوع؛ لتقبع بأعشاء جهازي (الكمبيوتر) المُتخم، أن صادف عثوري خلال أسبوع العيد هذا على مقالة للشاعر والناقد المصري الكبير حلمي سالم عنوانها: “75 عاماً على رحيل “أمير الشعراء”، أحمد شوقي تقليدي أم مجدد؟”. المقالة غاية في الأناقة المعرفية والعذوبة اللّغوية. كنت قد بعثت بها هذا الأسبوع لصديقي الأستاذ خالد عثمان في بريده الإلكتروني، فهو من أصحاب الهَّم الثقافي السودانويّ جنوبيّ الأرض هنا وهو يقبض بزمام المُبادرة الثقافية السودانية بها؛ وذلك بترأسه تحرير صحيفة “المهاجر”، وهي النافذة المطبوعة الوحيدة المطلة بنا على قضايا الوطن هناك شمال الأرض.
كل عام والجميع بخير من جنوبيّ الباسفيك…

{{حاشية:}}

[1] الجزولي، كمال، مقالات راتبة بعنوان “رزنامة الأسبوع، النيئة للنار!” ، سودانيل الإلكترونية، 2007/10/11.

[2] موقع جائزة نوبل على الشبكة مقابلة عبر الهاتف مع الروائية البريطانية.

[3] سالم، حلمي، مقال نقلاً عن صحيفة الحياة اللندية بتاريخ 06/10/2007 ويوجد على هذا الرابط بالشبكة:
http://www.jehat.com/Jehaat/ar/DaftarAfkar/9-10-2007.htm

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق